في تلك اللّحظة كانت ماندي قد نزلت إلى المطبخ لتُحضّر الحلوى. دخلت بيكا إلى المطبخ ، وضعت أدوات الشاي التي أحضرتها ، ثم اقتربت من ماندي.
“ماندي ، إن كان الأمر متعبًا فهل أساعدكِ؟”
“لا داعي.”
ردّت ماندي ببرود رغمَ كلام بيكا اللّطيف.
“وجهكِ الآن يبدو شاحبًا جدًا. هل تلك المرأة تُتعبك كثيرًا؟”
“و ما شأنكِ؟ منذُ متى و أنتِ تقلقين عليّ؟”
“هاه ، رغمَ ذلك فقد عملنا معًا في الدوقيّة لعدة سنوات ، فلا تكوني قاسية هكذا. صحيح أنّنا الآن نخدم أشخاصًا مختلفين ، لكن ليس إلى درجة ألا نستطيع حتّى تبادل هذا القدر من الحديث.”
ربّما لأنّها شدّدت على السنوات التي عملتا فيها معًا. سرعان ما فتحت ماندي قلبها و بدت على وجهها ملامح البكاء.
“ما الأمر ، ماذا حدث؟”
“تجعلني أعمل بلا رحمة ، و مع ذلك لا تعطيني حتّى خيط حرير واحد! أليس من حقي أن أحصل على زينة سقطت من الملابس و لم تعد تُستعمل؟”
في الأصل ، كانت بقايا طعام السيّد أو الأشياء التي لم تعد صالحة للاستعمال تصبح عادةً من نصيب الخدم الذين يخدمونه. لكن كلام ماندي يعني أنّها لم تحصل حتى على مثل تلكَ الأشياء.
“و لا تعطيك ذلك حتّى؟”
“نعم! تجمع كل شيء بذلك الجشع ، حتّى إن الغرفة ضاقت فاضطرّت لإجراء أعمال ترميم! بل إنها تعدّ كل قطعة يوميًا و تتأكد منها واحدةً واحدة ، خوفًا من أن أسرق شيئًا!”
“هذا قاسٍ فعلًا.”
تظاهرت بيكا بمواساة ماندي بينما أخذت تتفحّص المكان بعناية. بدا أن معظم خادمات المطبخ قد تباطأت حركات أيديهنّ التي كانت تقطع أواني أو تنظف الأطباق ، وكنّ يركزن على حديث الاثنتين.
“إذًا أنتِ… لو طلب منكِ الدوق أو السيّدة أن تقفي كشاهدة ، هل ستفعلين؟”
“هل جُننتِ؟ ما هذا الكلام المفاجئ؟”
صرخت ماندي مذعورة.
“حتّى لو كانت فرصة للإبلاغ عن تلكَ المرأة؟”
“أممم… لا أدري.”
“تعلمين أن ميا قد وقفت بالفعل بصفتها شاهدة ، أليس كذلك؟ و مع ذلك لم يُعاقبها الدوق. إذا كانت قد وقفت في صف السيدة وما زالت بخير ، فلو وقفنا في صف الدّوق ألن نحصل ربّما على شيء أكبر؟”
ضمّت بيكا إبهامها و سبّابتها لتصنع دائرة. و ما إن رأت ماندي تلكَ الدائرة حتّى اهتزّت عيناها بوضوح. كما أن الخادمات الأخريات أصبحن يتحركن أبطأ من قبل.
“آه ، لا أعلم. سأذهب أولًا لأحمل الحلوى. إن تأخرت فستحدث فوضى بسببِ طباعها.”
“تعبكِ كبير. اذهبي.”
عندما نظرت إليها بيكا بقلق ، خرجت ماندي من المطبخ و هي تتنهّد باستمرار حاملة الحلوى التي جهزتها.
‘لا تُعطيني حتّى فتاتًا ، و لا ذرة غبار حتّى.’
كان الأمر كما توقعت هيلين. ليليـث لم تكن تعرف شيئًا سوى كيف تجمع ما يخصها ، و لم تكن تهتم بالآخرين.
“تتذمر رغم أن ما يحدث لها من صنع يديها.”
“التصقت فورًا بتلك المرأة ، و هذا جزاؤها.”
“بصراحة ، عندما حصلت تلكَ المرأة على الغرفة و ركضت ماندي خلفها فورًا ، كان منظرها مزعجًا.”
بدأت الخادمات اللواتي بقين في المطبخ يتحدثن عن ماندي واحدةً تلو الأخرى. مع أنهنّ أنفسهن فكّرن في الأمر نفسه مرة على الأقل ، إلا أنهن تظاهرن بالعكس و انشغلن بانتقاد ماندي.
هزّت بيكا كتفيها ، ثم بدأت ترتب أدوات الشاي التي أحضرتها.
بعد أن سرّبت بوضوح خبر أن ميا لم تُعاقب رغمَ وقوفها كشاهدة ، سيزداد عدد الراغبين في الشهادة إلى جانب الدّوق. طمعًا في المكافأة لا العقوبة.
‘بهذا الشّكل قد يقول الجميع إنهم سيقفون شهودًا.’
فكّرت بيكا بقلق أن ذلكَ سيكون مزعجًا بطريقته أيضًا.
* * *
كان الكونت مونتانا جالسًا أمام مكتبه يقرأ رسالة بوجهٍ جاد. كانت تلكَ الرسالة مرسلة من إيلارد من دوقية إيفرسيوم.
“هااا….”
أطلق الكونت مونتانا تنهيدة عميقة. لم يكن في الرسالة محتوى خاص ، فقط سطر مختصر يطلب لقاءه. لكن الكونت مونتانا كان يظن أنه يعرف سبب طلب إيلارد رؤيته.
‘بسببِ سيلينا على الأرجح.’
ظهر وجه سيلينا اللّطيف في ذهن الكونت مونتانا ثم اختفى.
تذكّر ما حدثَ منذ فترةٍ قصيرة عندما أثارت سيلينا فوضى في غرفة الاستقبال الخاصة به. عندما سمع ضجيجًا كبيرًا و نزل ، وجد غرفة الاستقبال في حالة فوضى عارمة. حتّى سيلينا التي كان الخدم يمسكون بها كانت في حالة مزرية.
بعد تلكَ الحادثة ، بدأ فرسان عائلة الكونت يتناوبون الحراسة أمام باب غرفة سيلينا.
‘لقد دللتها أكثر من اللازم.’
كانت سيلينا الابنة الوحيدة التي رُزق بها الكونت مونتانا و زوجته بعد سنوات طويلة. و لأنها ابنة جاءتهما بعد عناء ، فقد قاما بتربيتها و هي تحصل على كل ما تريد و كل ما تشتهيه. و هكذا ، عندما كبرت أصبحت فتاة متغطرسة تفعل ما تشاء.
هو يعلم الآن أنه لا يمكن إصلاح الأمر ، لكن لماذا ظهر هذا العناد تحديدًا في حبها للدّوق من طرف واحد؟
شعر الكونت مونتانا بحرج شديد.
و بعد أن ظل يفكر في سيلينا طويلًا ، أخرج ورقة رسالة و بدأ يكتب ردًّا.
* * *
اليوم أيضًا حملت ماندي الشاي و الحلوى إلى غرفة ليليث. التغيير الوحيد هو أن ليليث عادت إلى غرفتها بعد انتهاء أعمال الترميم.
بعد عودتها إلى الغرفة التي تمّ تزيينها ، كانت ليليث تقضي كلّ يوم و هي تنظر إلى مقتنياتها الفاخرة. و كأن ذلكَ نوع من العناية بالجنين. أو كأنه متعة حياتها.
“همم ، همم ، همم.”
كانت ليليث تدندن و هي جالسة على الأريكة و تعدّ جواهرها واحدةً واحدة ، بينما أخذت ماندي تلقي عليها نظرات جانبية.
‘مع كلّ هذا ، لا تزال جشعة.’
ربّما شعرت بنظرتها ، إذ أغلقت ليليث صندوق المجوهرات بقوة و قالت بوجهٍ متجهم.
“أبعدي نظركِ.”
“نعم؟”
“قلت حوّلي عينيك إلى مكانٍ آخر. هل تظنين أنني لا أعرف أنّكِ تطمعين في أشيائي؟”
“ماذا تقولين؟ متى طمعتُ في أشياء السيّدة ليليث….”
“أقصد نظرتك. تلكَ النظرة الجشعة التي تظهر عندما تنظرين إلى أشيائي! هل تظنين أنني لا أستطيع ملاحظة ذلك؟”
“أنا أنظر فقط لأنها أمام عينيّ. لم أطمع بها.”
“يا للسخف. إن كنتِ تفكرين في أخذ شيء منها فاستيقظي من حلمكِ. أنا أعدّها كل يوم ، لذلك سأعرف فورًا إن اختفى شيء.”
نفخت ليليث باستخفاف و هي تتباهى.
“لا تعامليني كأنني سارقة! هل أبدو لكِ كشخص يفعل ذلك؟ هذا مزعج!”
خرجت ماندي من غرفة ليليث و هي تغلي غضبًا. في تلك اللّحظة اقترب سام الذي كان يسير في اتجاهها و قال لها.
“ماندي ، الدّوق يطلبكِ.”
“نعم؟ الدّوق؟”
“نعم. عليكِ أن تذهبي إلى الدّوق حالًا ، فاتبعيني.”
“نعم.”
أمالت ماندي رأسها باستغراب و هي تتبع سام نحو مكتب إيلارد ، و كأنها تفكر باستمرار في سبب استدعاء الدّوق لها.
“سيدي الدوق ، سأُدخلها.”
طرق سام باب إيلارد ثم أدخل ماندي وحدها إلى الداخل. كان إيلارد ، الرجل الوسيم ذو الشعر الذهبي ، جالسًا بأناقة يعمل. و عندما وقفت ماندي ساكنة و قد سُرقت عيناها تلقائيًا بمظهره ، ضحك إيلارد بخفّة و قال.
“اجلسي هناك.”
“آه ، نعم.”
جلست ماندي على الأريكة ، فجاء إيلارد و جلس مقابلها. و بمجرّد أن أصبحت وجهًا لوجه معه ، لم تستطع حتّى النظر إليه جيدًا.
‘مظهره شيء ، لكن هيبته….’
بدأت ساقا ماندي ترتجفان قليلًا. كانت خائفة أكثر لأنها لا تملك أي فكرة عن سبب استدعائه لها. و لم يخطر ببالها إلا أفعال قد تكون مريبة.
“سمعت أنّكِ أوّل مَنٔ تطوع لتكون خادمة ليليث.”
لم يُبدِ إيلارد أي نية لتهدئتها ، فطرح السؤال مباشرة دون أي كلمات مواساة.
“…نعم.”
“لماذا فعلتِ ذلك؟”
“ظننت أن رياحًا جديدة تهب في الدوقية. أردت فقط أن أساير هذا التغيير.”
“فهمت. هل خدمة تلكَ الفتاة محتملة؟”
“….”
لم تستطع ماندي أن تقول إن الأمر لا يُطاق ، فاختارت الصمت.
“يمكنكِ التحدث بصراحة. لم أستدعكِ لأوبّخك.”
قال إيلارد أخيرًا بصوت لطيف ، محاولًا أن يجعل ماندي ترتاح و تتحدث بصدق. كانت طريقة تُظهره بصورة جيدة دون أن يبدو سهل المنال.
“…بصراحة ، الأمر صعب. أشعر أنني أعمل أكثر بكثير مما أتقاضاه. فأنا أقوم بخدمة سيّدتي ليليث بالكامل لوحدي. و مع ذلك لا يوجد مَنٔ يهتم بي….”
التعليقات لهذا الفصل " 54"