بعد أن اجتمعنا جميعًا في غرفة روزالين في القصر الإمبراطوريّ، لم يمضِ وقت طويل حتى دخل سلسيون.
“سأتولى الأمر.”
“لا، انتظري……”
عندما حاولت روزالين إعداد الشاي، اندفعت ميا بسرعة و أخذت أدوات الشاي منها ثم رتّبت الطاولة بسرعة.
و بعد أن وضعت أربعة أكواب شاي فقط، أشرتُ إليها و هي تتراجع إلى الخلف.
“تعالي إلى هنا، لنشرب معًا.”
“أنا بخير. كيف أجرؤ على الجلوس مع أشخاص ذوي مكانة عالية.”
“لا بأس، لقد تعبتِ اليوم، فلنشرب معًا.”
“صحيح، بعد كل ما فعلته اليوم فهذا ليس شيئًا كبيرًا.”
قال كل من ليز و سلسيون بلا مبالاة لميا التي كانت تحاول الانسحاب. ثم أضافت روزالين كوبًا آخر بصمت.
“لكن….”
“تعالي بسرعة. بسببكِ يبدو أنني لن أستطيع الشرب.”
“….نعم!”
عند كلامي جلست ميا بسرعة و بدأت تصبّ الشاي في الأكواب. وضعت الشاي أمامها، لكن روزالين شربت الماء البارد دفعة واحدة أولًا ثم انفجرت غاضبة.
“حقًا، كنتُ أظن أنه سيتجاوز توقعاتنا، لكن لم أتخيل عذرًا كهذا أبدًا. أي ذوق عنيف هذا!”
“لم يكتفِ بإذلال نفسه، بل أهان السيّدة هيلين أيضًا. هذا ما يجعلني غاضبة جدًا.”
أيدت ليز كلامها، بينما اكتفت ميا بشرب الشاي بصمت.
“كنا نعلم جميعًا أن إيلارد ليس شخصًا عاديًا. ميا، شكرًا لكِ مرّةً أخرى لأنّكِ تحليتِ بالشجاعة.”
“أنا بخير. أنا فقط قلقة على سيدتي. إذا طُردتُ من العمل فلا أعرف مَنٔ سيملأ مكاني……”
“إذا طُردتِ، ما رأيكِ في القدوم إلى القصر الإمبراطوري؟ أعتقد أنني أستطيع إيجاد مكان لكِ.”
تفاجأت من اقتراح سلسيون المفاجئ.
هل سيساعد إلى هذا الحد؟
شعرتُ بالحرج و الامتنان في الوقت نفسه. لقد تلقيت منه الكثير من المساعدة بالفعل….
وضعت فنجان الشاي بسرعة و قلت:
“سموّك، لا داعي لأن تفعل هذا. حتّى لو طُردت ميا، يمكنني إعطاؤها تعويضًا يكفيها للعيش لفترة.”
“لكن العمل مرتبط مباشرةً بالمعيشة. خادمة من بيت الدّوق خالفت إرادة الدوق و وقفت في محكمة علنية، لن يكون من السّهل عليها إيجاد عمل جديد. على الأرجح لن تتمكن هذه الخادمة من العمل في بيت نبيل مرّةً أخرى.”
“……هذا صحيح. أو ربّما يمكنها العمل في منزلنا أيضًا. صحيح أن الإقطاعية بعيدة قليلًا.”
هزّت ليز رأسها موافقة على كلام سلسيون.
لقد أشار إلى نقطة لم أفكر فيها. كنتُ أفكر فقط في سلامة الفتيات الجسدية بعد الشهادة، لكنني لم أفكر في مسألة العمل لاحقًا بصفتي مسؤولة عنهن، و شعرت بالخجل من ذلك. و مع ذلك كنتُ ممتنة لأن سلسيون جعلني أدرك الأمر الآن.
في الحقيقة، إذا نجح الطلاق فسأحصل على مبنى من سيلينا، و عندها يمكنني توظيف بيكا و ميا مجدّدًا. لكن لم يكن الأمر مؤكدًا بعد، لذلك لم أستطع قوله.
“أممم….”
بينما كنتُ أفكر، تحدّثت ميا بحذر.
“أشكركَ على الاقتراح، لكن لا نعرف بعد إن كنتُ قد طُردت أم لا. كما أنني أريد البقاء بجانب السيدة هيلين حتّى تصبح في أمان.”
“……لديكِ خادمة طيّبة يا سيدة هيلين.”
ابتسم سلسيون و هو ينظر إليّ بعد كلام ميا.
لم أفعل لها شيئًا مميزًا، و مع ذلكَ تفكر بي إلى هذا الحدّ.
كنتُ ممتنة لهما حقًا. كما تمنيت أن أنجح في الطلاق لأبقى مع ميا.
“شكرًا لكِ. لكن تحسبًا لأي شيء، لا ترفضي العرض بل احتفظي به مؤقتًا. سيجعلني ذلك أشعر براحة أكبر.”
رغمَ أنني قلت قبل قليل إن الأمر لا بأس به.
لكن هذا سيكون أفضل لميا أيضًا.
حوّلت نظري إلى سلسيون و قلت:
“سموّك، أعلم أنني وقحة بطلب ذلك، لكن إن حدث لي شيء فهل يمكنني أن أوكل إليكَ أمر هذه الفتاة؟ و إذا أمكن بيكا أيضًا.”
“بالطبع. أتمنى أن تبقيا بجانبكِ، لكن إن حدث عكس ذلكَ فسأستقبلهما في أي وقت.”
“شكرًا لكَ. أشعر براحة أكبر الآن.”
“لا داعي للشكر.”
عندما شكرتُه بصدق ابتسم سلسيون بهدوء، كما شكرت ميا سلسيون أيضًا.
لو لم يكن سلسيون موجودًا، ربّما لم أكن لأصل إلى هنا.
لقد كان دوره في طلاقي كبيرًا جدًا. و مع ذلك لم يتباهَ به و لو لمرّةٍ واحدة، مما جعلني أشعر بمزيد من الامتنان و الأسف. و ربّما لو كان شخصًا مثله يمكن الوثوق به مرة واحدة على الأقل…… لكن هذا التفكير اختفى بصمت عندما تحدثت روزالين.
“لكن ماذا سنفعل بشأن وضع الآنسة ميا؟ بالنظر إلى تصرفات الدوق، لن يكون غريبًا إن أمسك بها فورًا.”
“آه، قررت أن أمنحها إجازة لبضعة أيام. يمكنها الراحة قليلًا، و سأراقب الوضع في بيت الدّوق قبل إعادتها. و إذا قالوا إنها طُردت، فعدم عودتها سيكون أكثر أمانًا.”
“لكن إذا بقيت في منزلها قد يأتي الدوق و يأخذها، أليس كذلك؟ لماذا لا تقيمين معي في غرفتي مؤقتًا؟”
اقترحت روزالين ذلك على ميا. و عندما لم تستطع ميا الرد، أضاف سلسيون:
“الإقامة في القصر الإمبراطوري فكرة جيدة. الدّوق قد يعرف عنوان منزل خدمه، لذا سيكون هذا أكثر أمانًا.”
“أنا… أشكرك على تفكيرك بي، لكن إذا حدث ذلك فسيبقى أخي الصغير وحده.”
“إذن أحضري أخاكِ أيضًا.”
“……هل هذا مسموح حقًا؟”
“بالطبع.”
“شكرًا لك.”
“أشعر بالحرج لأنني أثقل عليكَ بهذا الشّكل. شكرًا جزيلًا.”
شكرته أنا و ميا بصدق، فابتسم سلسيون بهدوء، بينما غيّرت روزالين الموضوع و كأن الأمر عادي.
“على أي حال، المشكلة الآن هي الجلسة القادمة. كانت تلكَ كل الأدلة التي يمكننا تقديمها، لا أعرف ما الذي علينا فعله لاحقًا….”
“و لا أستطيع تخيّل أي نوع من الأعذار السخيفة سيخترعها خلال فترة التعليق.”
عبست ليز و هي تعقد ذراعيها بعد كلام روزالين.
“لقد تولّيت الكثير من القضايا، لكن هذه هي المرة الأولى التي أرى شيئًا كهذا. المشكلة أنه يملك المال و السلطة، و يكذب و يمثل ببراعة أيضًا…….”
“إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا يصبح ممثلًا بدل استخدام ذلكَ لإيذاء السيّدة هيلين؟”
“صحيح. كان سيصبح ممثلًا مشهورًا في الإمبراطورية.”
“وريث بيت دوق لن يصبح ممثلًا.”
هزّت روزالين و ليز رأسيهما موافقتين على كلام سلسيون. فالتمثيل مهنة غالبًا ما يعمل بها عامة الناس، و لن يهتمّ بها شخص ذو دم نبيل مثل إيلارد.
“لدينا وقت للاستعداد للجلسة القادمة، لذا لنرتح اليوم.”
“السيّدة هيلين و الآنسة ميا هما الأكثر تعبًا.”
“السيّدة هيلين، إذا حدث شيء في بيت الدوق تعالي فورًا إلى منزلي الذي في العاصمة، مفهوم؟”
الجميع يحاول مساعدتي هكذا. ما الذي يستحقه طلاقي حتّى يفعلوا كل هذا؟
شعرت بالدفء في قلبي تجاه الأشخاص الذين أصبحوا إلى جانبي. كتمتُ وخزًا خفيفًا في أنفي و هززت رأسي لليز.
“سأذهب الآن. شكرًا لكم جميعًا. ميا، أراكِ لاحقًا.”
“نعم، سيدتي. عودي بسلام.”
عندما نهضت من مكاني، نهض الجميع معي دفعة واحدة.
هل سيخرجون جميعًا لتوديعي؟
“سأوصلكِ اليوم أيضًا!”
“شكرًا لك.”
ابتسمتُ ردًا على كلام ليز، لكن تعبير سلسيون أصبح قاتمًا قليلًا.
و أثناء عودتي بعربة بيت الماركيز، كلما اقتربنا من قصر الدّوق كان توتري يزداد.
* * *
عاد إيلارد إلى قصر الدوق و دخل مكتبه فورًا، ثم استدعى سام.
“اطرد ذلك المحامي الشاب فورًا.”
“……تقصد المحامي مايك؟”
سأل سام بهدوء بعد أن سمع كلام إيلارد الذي قاله و كأنه يبصقه من الغضب.
“نعم. كاد ذلكَ الأحمق المندفع أن يفسد كلّ شيء.”
“مفهوم. سأبلغه فورًا.”
كان سام يعرف أنه لا فائدة من التعامل طويلًا مع إيلارد عندما يكون غاضبًا، لذلك انسحب فورًا بعد الرد.
‘لحسن الحظ أن المحامي بيترسون تدخل فورًا.’
لولا ذلكَ لتضررت سمعته فقط. إيلارد لا يتسامح مع مَنٔ يندفع بحماسة أكثر من مهارته.
“إذن هي مستعدة لكشف كل أوراقها حتّى لو تعرضت للعار.”
تمتم إيلارد و هو غارق في التفكير. لقد توقع ذلك منذُ أن كشفت صور الكاميرا السحرية، لكن يبدو أن هيلين مستعدّة لكشف الأمور التي قد تجلب لها العار حتّى.
حتّى مسألة ليليث وحدها كانت أمرًا مهينًا جدًا لهيلين، و مع ذلكَ كشفتها. يبدو أنها حقًّا وضعت حياتها كلّها على المحك من أجل الطلاق.
‘لكن مهما كان.’
لم يعد يبدو أن لدى هيلين أي أوراق أخرى. إذا حدث ذلك، فطالما قدّم إيلارد مرافعته الأخيرة بشكلٍ جيد فسيفوز بالقضية.
‘يا لها من ضربة حظ أن قانون العشيقات غير منظم جيدًا.’
يبدو أن العالم ما زال يدور حوله. أو ربّما أن الحظ لم يتخلَّ عنه بعد.
كان التمثيل الذي يأسر الجمهور أمرًا سهلًا جدًا بالنّسبة له. فقد عاش إيلارد حياته كلها تحت الأضواء، و كان يعرف أفضل من أي شخص كيف يتلاعب بالجماهير الجاهلة.
“لن يمر وقت طويل قبل أن تُقيّد هيلين في غرفة نومي.”
ابتسم إيلارد بسخرية. رؤية دموعها على ذلكَ الوجه الجميل ستكون مشهدًا ممتعًا. و إذا اختفت هيلين بعد فشل الطلاق، فسيكون تعبير سيلسيون أكثر إثارة للاهتمام.
و إذا سارت الأمور بعد ذلك وفق خطته، فستقع الإمبراطورية كلها في يد إيلارد.
بدأ يشعر بأن الوضع ممتع. فأخرج قائمة فرسان بيت الدوق و فكر:
‘ربّما تظن هيلين أنني سأفعل شيئًا بتلك الخادمة التي شهدت. لكن إن فعلت ذلك فلن يكون الأمر ممتعًا، لذا سأتركها الآن.’
الوقوف ضدّ الدّوق رغم كونها فردًا من بيت الدوق خطأ واضح. حتّى لو طُردت دون رسالة توصية فلن يكون لها حق في الاعتراض.
التعليقات لهذا الفصل " 47"