“لم أفعل ذلكَ بقوّة قد تُلحق الأذى. لكن بشرة الدّوقة رقيقة و حساسة للغاية، لذلك حتّى التحفيز البسيط يجعلها تصبح هكذا بسهولة.”
“……حسنًا، فهمت في الوقت الحالي. تفضل بالجلوس.”
“نعم، سيّدي القاضي.”
جلس إيلارد في مكانه.
لم يسعني إلا أن أندهش مرارًا من تمثيله الهادئ. لا يمكنني إنكار أن قدرته على الارتجال ممتازة.
“حتّى لو كان الأمر كذلك، كيف يمكن أن يفعل ذلك مع امرأةٍ حامل…….”
“ربّما ذوق الدّوقة غريب.”
“لكن هل صحيح فعلًا أنها حامل؟ سمعت من إحدى السيدات أن….”
بدأ الجالسون في المقاعد العامة يتحدثون كلٌّ برأيه.
كان وجه روزالين متجهمًا، ثم أشارت إليّ بعينيها. هززت رأسي بالموافقة، فنهضت و قالت:
“لقد استمعنا جيدًا إلى مغالطات سعادة الدوق. سيّدي القاضي، أطلب استدعاء إحدى الخادمات المباشرات للسيدة هيلين كشاهد.”
“مسموح.”
“الآنسة ميا، هل يمكنكِ التقدم؟”
“…….”
تقدمت ميا إلى الأمام بوجهٍ هادئ.
“سأبحث عن طريقة أخرى.”
“لا، سيدتي. هذا أمر مهم. يمكنني القيام به.”
“قد تصبحين في خطر. و ربّما لا ينتهي الأمر بمجرّد إصابة.”
“لو لم أكن مستعدة لذلك منذُ البداية، لما دخلت لأصبح خادمة لكِ. أنا بخير.”
ربّما لأنني ساعدت أخاها. ميا لم تتراجع عن عنادها، و كأنها تحاول ردّ الجميل.
رغمَ أننا أعددنا وسائل أمان……
لم أستطع منع نفسي من القلق.
جلسَت ميا في منصة الشهود، و تأكد القاضي أولًا من معلوماتها الشخصية الأساسية.
ثم نظرت روزالين إلى ميا و بدأت تسألها.
“الآنسة ميا، منذُ متى تعملين في بيت الدوق؟”
“هذه سنتي الثانية.”
“مدة لا بأس بها. إذن لم تكوني خادمة السيدة هيلين المباشرة منذُ البداية.”
“نعم. عندما جاءت سيدتي إلى بيت الدوق، أحضرت معها خادمة من بيت البارون. و بسبب تلكَ الخادمة لم يتمّ تعيين خادمة مباشرةً أخرى من خدم بيت الدّوق.”
“فهمت. بعد الزواج، كيف كانت علاقة الدّوق و الدّوقة؟ هل كانا زوجين منسجمين؟”
“نعم. عندما جاءت سيدتي لأوّل مرة، بدا الاثنان سعيدين.”
“إذن هل تتذكرين متى بدأت العلاقة بين الدوق و السيدة هيلين تسوء؟”
“أعرف، لكن….”
نظرت ميا إليّ و إلى إيلارد بالتناوب و هي تراقب الوضع. بدا أنها غير متأكدة إن كان ينبغي لها قول الحقيقة. بقيت ساكنة، لأن الإشارة بعينيّ أو برأسي قد تبدو و كأننا متفقون مسبقًا.
“يمكنكِ التحدث بصراحة.”
قالت روزالين و هي تنظر إلى ميا مباشرة. ربّما اكتسبت ميا الشجاعة من كلماتها، ففتحت فمها ببطء.
“منذُ أن تعرضت سيّدتي للإجهاض. منذُ ذلكَ الوقت كان بيت الدّوق دائمًا في حالة توتر.”
“و متى حدثَ الإجهاض؟”
“في صيف السنة 765 من التقويم الإمبراطوري.”
“و بعد ذلك، كيف كانت العلاقة الزوجية بينهما؟ هل كانت متكررة؟ أم في أيام محدّدة؟”
“على حد علمي لم تكن موجودة. بل إنهما كانا ينامان في غرف منفصلة.”
“فهمت.”
هزّت روزالين رأسها، و ما إن همّت بالالتفات نحو القاضي حتّى همس إيلارد بشيء لمحاميه، فنهض أحد المحامين و قال:
“اعتراض. لقد كان الدّوق حذرًا فقط لأن جسد الدّوقة كان ضعيفًا بعد الإجهاض. أما الآثار فلم تحدث إلا مؤخرًا قليلًا. كيف يمكن للخدم أن يعرفوا كل ما يحدث بين الزوجين؟ شهادة هذه الخادمة تفتقر إلى الدقة كدليل.”
“همم…… أوافق. فالأمور الخاصة بين الزوجين لا يمكن للخدم معرفتها كلها.”
بعد كلام القاضي، بدا محامي إيلارد واثقًا، بينما عبست روزالين. لكنها حافظت على هدوئها و قالت:
“الأمر ليس كذلك. وفقًا لشهادة السيدة هيلين، لم تحدث أي علاقة بينهما منذُ ذلك اليوم.”
“……رغمَ اختلاف أقوال الطرفين، إلا أنه لا يوجد دليل على هذه المسألة و لا يمكن تقديم دليل عليها، لذا سنتجاوزها مؤقتًا.”
“لكن لدينا شاهد.”
“و نحن أيضًا يمكننا تقديم شاهد إن مُنحنا الوقت.”
“إذن في الجلسة القادمة، على جانب الدوق إحضار شاهد.”
“نعم، سيدي القاضي.”
جلس محامي إيلارد مرتاحًا بعد كلام القاضي.
“إذن سيّدي القاضي، حتّى لو تجاهلنا مسألة العلاقة بينهما، فهناك أمر غريب. لماذا انتشرت شائعة أن السيدة هيلين حامل؟ مع أنها في الحقيقة ليست كذلك.”
“يا دوقة، هل صحيح أنكِ لستِ حاملًا؟”
“نعم. منذُ الإجهاض الذي تعرضت له سابقًا، لم أحمل و لو لمرّةٍ واحدة. كما أنني لم أدخل في علاقة كما قال زوجي، الذي ادعى أنّني أصبت بالكدمات بسببها.”
“……حسنًا، فهمت في الوقت الحالي.”
أجبت القاضي بحزم عندما سألني. لم يقل القاضي شيئًا لإيلارد، لكنه كتب شيئًا بوجه جاد.
“قالت الدوقة إنها ليست حاملًا؟”
“ماذا؟ إذن هل كان الدّوق يكذب طوال هذا الوقت؟”
“يا إلهي.”
“كنت أقول إن بطنها لا يبدو كأنه بطن امرأة حامل.”
“صحيح. لماذا لم نلاحظ ذلكَ من قبل؟”
بدأ الناس يتهامسون و يتحدّثون عن إيلارد. و مع أنه دوق، فلم يجرؤ أحد على انتقاده علنًا، لذلك اكتفوا بالهمس فيما بينهم.
مع أن كذبته انكشفت، بقي إيلارد جالسًا بهدوء دون أن يرفّ له جفن.
استدارت روزالين نحو ميا مجدّدًا و سألتها:
“إذن الآنسة ميا، هل تعرفين متى بدأ الدّوق بضرب السيّدة هيلين؟”
“لا أعرف بدقة. فقد عرفت الأمر عندما أصبحت خادمة سيدتي المباشرة و كنتُ أساعدها في تبديل ملابسها.”
“و متى أصبحت خادمة مباشرة؟”
“عندما بدأ الموسم الاجتماعي هذا العام، تقريبًا في شهر مايو.”
“و لماذا أصبحتِ خادمة مباشرة؟ قلتِ قبل قليل إن السيدة هيلين أحضرت خادمة من بيت البارون.”
“……تلكَ الخادمة.”
توقفت ميا للحظة.
“لأن تلكَ الخادمة حملت بطفل الدّوق.”
“هل تقصدين أن خادمة السيّدة هيلين المباشرة حملت بطفل الدوق؟”
“نعم.”
ما إن قالت ميا ذلك حتّى ازدادت قاعة المحكمة ضجيجًا. قال البعض إن وقوع الخادمات في الحب مع الرجال أمر شائع، بينما قال آخرون كيف يمكن لخادمة مباشرة أن تفعل ذلكَ مع زوج سيدتها. انتشرت الأحاديث في كل اتجاه، فالناس يتسلون بالحديث لأنها ليست قضيتهم.
“سيدي القاضي، إن حمل خادمة السيدة هيلين المباشرة بطفل الدوق هو خيانة واضحة. لم يكتفِ بإقامة علاقة مع امرأة أخرى رغمَ وجود زوجة سليمة، بل منحها غرفة مقابلة لغرفة الدّوقة لأنها تحمل طفله. و هذا سبب واضح للطلاق.”
“هل لديكم دليل؟”
صرخ أحد محامي إيلارد على عجل. كان ذلك المحامي نفسه الذي يتصرف باندفاع منذُ الجلسة السابقة.
“نعم، لدينا دليل. و سنقدم هذه الكرة الصوتية كدليل.”
قدّمت روزالين الكرة الصوتية إلى القاضي، فأشار برأسه. ثم تقدم مساعد القاضي و شغّل الكرة الصوتية مع جهاز التضخيم.
“اعتني بذلكَ الطفل جيدًا.”
“بفضله أنتِ أيضًا تنعمين بالكثير، أليس كذلك؟ حتّى لو لم تُبـدِ امتنانكِ بصراحة، فمن الطبيعي بصفتكِ سيدة هذا البيت أن تهتمي بمَن تحمل وريثي.”
عندما انتهى التسجيل، شرحت روزالين:
“أي شخص يمكنه تمييز صوت السيّدة هيلين و صوت الدوق. لقد قامت السيّدة هيلين بتسجيل حديثهما بنفسها.”
“اعتراض! لا يمكننا التأكد إن كانت هذه الكرة الصوتية مزوّرة!”
“مقبول. سنفحص أيضًا ما إذا كانت الكرة الصوتية مزورة. يا دوقة، هل توافقين على ذلك؟”
“نعم، أوافق.”
“إذن سيتم تعليق الجلسة لمدة أربعة أسابيع للتحقق من التلاعب بالكرة الصوتية.”
مع صوت المطرقة و هو يضرب المنصة، انتهت الجلسة.
“روزالين، لقد تعبتِ.”
“السيّدة هيلين….”
عبست روزالين بعد كلامي، و كأنها حزينة لأن القضية لم تسر كما أرادت.
“لا بأس. لم نكن نتوقع أن تسير الأمور بسهولة بمجرّد إعلان الأمر. ميا، لقد تعبتِ أيضًا.”
“أنتِ أيضًا تعبتِ يا سيدتي.”
شجعتها و أنا أنظر إليها، لكن ميا كانت تحمل نفس تعبير روزالين.
“كنتِ متوترة، أليس كذلك؟ لم يكن الأمر سهلًا، شكرًا لكِ.”
“لا، أشعر أنني لم أكن مفيدة كثيرًا…….”
“لا، ظهوركِ كشاهد كان مساعدة كبيرة.”
“السيدة هيلين!”
ركضت ليز بسرعة من بعيد. أما سلسيون فبقي بعيدًا قليلًا بسبب كثرة العيون المراقبة.
“لقد تعبتِ! حقًا كلامكِ كان سلسًا مثل الماء المتدفق—”
“لنغيّر المكان أولًا و نتحدث، ما زال هناك الكثير من الناس يراقبون.”
“آه، نعم! صحيح. لنخرج بسرعة.”
“ميا، تعالي معنا.”
“نعم، سيدتي.”
خرجت أنا و ميا و روزالين و ليز من قاعة المحكمة معًا. و أثناء خروجنا، رأيت روزالين و سيلسيون يتبادلان إشارة خفية، مما بدا أن سلسيون سينضم إلينا لاحقًا.
التعليقات لهذا الفصل " 46"