“ها….”
تنفّس إيلارد بعمق و هو يمرّر يده على خصلات شعره الأمامية المبعثرة. كان في تعبيره مزيج واضح من الضجر و الانزعاج.
اقتربت ليليث و أمسكت بكمّ رداء إيلارد.
“ما الذي يحدث هنا الآن؟!”
“تسك ، لقد أصبح الأمر مزعجًا.”
“يا دوق!”
“لا أعرف أيّ جرذ فعلها ، لكن إن كان الهدف إزعاجي فقد نجح.”
لم يردّ إيلارد على سؤال ليليث ، بل نفض يده التي كانت تمسكها ، ثم خرج من الغرفة بسرعة.
عندها رمقتني ليليث بنظرةٍ حادّة و سألت.
“لا تقولي يا سيدة هيلين إنكِ الآن غيرتِ رأيكِ و لم تعودي تريدين الطلاق؟”
“مستحيل.”
“إذن لماذا الدوق…!”
“ألا تظنين أنه من الأفضل أن تسألي إيلارد بدلًا مني؟ لأنني أنا أيضًا لا أعرف لماذا جاء ذلكَ الرجل إلى غرفتي.”
“تسك! حقًّا!”
بدت ليليث غاضبة للغاية من كلامي ، لكنها لم تستطع الرد أكثر ، فاكتفت بالتحديق بي ثم أسرعت خلف إيلارد.
“سيدتي….”
“هل أنتِ بخير؟”
دخلت بيكا و ميا بحذر من الباب المفتوح و هما تسألان بقلق واضح على وجهيهما.
“أظن أنني تفاجأت قليلًا. قلبي يخفق بسرعة.”
وضعت يدي اليمنى على صدري الأيسر لأتحسس نبضي. كان قلبي يخفق بالفعل أسرع من المعتاد ، و كانت يدي مبللة قليلًا بالعرق.
رغمَ أنني تصرفت بهدوء أمام ليليث ، إلا أنني أنا أيضًا تفاجأت بتصرف إيلارد المفاجئ.
“سأحضِر شايًا دافئًا يساعد على الهدوء.”
خرجت ميا لتجلب الشاي.
أما بيكا فظلت تراقب وجهي بقلق.
“هل أحضر منشفة دافئة؟”
“لا. فقط ابقي هنا في الغرفة. عندما تعود ميا فلنشرب الشاي معًا.”
“……نعم ، حسنًا يا سيدتي.”
بعد قليل عادت ميا إلى الغرفة.
أعدّت الشاي ثم جلسنا نحن الثلاثة متقابلات.
و مع احتساء الشاي الدافئ بدأ قلبي المذعور يهدأ تدريجيًا.
كما بدأت يداي الباردتان تعودان إلى طبيعتهما.
“أنا آسفة لأنكما لم تتمكنا من الراحة بسببي.”
“لا تقولي ذلك. نحن لا نستطيع مساعدتكِ كثيرًا سوى بهذا.”
عندما قلت ذلك بخجل ، بدا أن بيكا شعرت بالذنب أكثر. كما أومأت ميا موافقة.
“كيف تقولين هذا؟ مجرّد بقائكما معي هكذا يساعد كثيرًا. و بفضل بيكا و ميا أيضًا تغيّرت أفكار خدم بيت الدوق كثيرًا.”
“لكن ما زال هناك كثيرون مخلصون للدوق. فقط الخادمات يقلن إن الدوق قاسٍ جدًا.”
“صحيح. الجميع يوبّخ ليليث ، لكنهم يتجنبون الكلام عن الدوق.”
أومأت ميا موافقة.
“لا خيار آخر لهم. فإيلارد هو مَنٔ يمسك مصدر عيشهم. في الحقيقة يكفيني أنهم يحافظون على الحياد.”
“لكن….”
أظلم وجه بيكا قليلًا.
فابتسمت و اقترحت.
“ما رأيكما أن نتحدث عن شيء مبهج الآن؟ لم يبق وقت طويل حتّى المحاكمة العلنية ، و لا أريد الشعور بالقلق بلا داعٍ. كيف حال أخيكِ هذه الأيام يا ميا؟”
“إنه بخير جدًا. بفضلكِ أصبح أكثر إشراقًا و يتحدث كثيرًا.”
“هذا مطمئن. و ماذا عن تنمّر أطفال الحي؟”
“يبدو أنه كوّن أصدقاء الآن. قبل فترة قصيرة—”
و بدأت قصة شقيق ميا ، ثم تفرعت منها أحاديث أخرى بلا نهاية.
كان الاستماع إلى القصص التي عاشتها بيكا و ميا ممتعًا ، كما أنه جعلني أعرفهما أكثر.
و بفضل ذلك هدأ قلبي تدريجيًا ، و لم أذهب إلى الفراش إلا بعد أن حلّ الليل العميق.
* * *
ما إن خرجت ليليث من غرفة هيلين حتّى ركضت خلف إيلارد الذي خرج قبلها.
لحسن الحظ لم يكن بطنها كبيرًا جدًا بعد ، لذلك لم يكن الركض صعبًا عليها.
‘يجب أن أعرف ما الذي يفكر فيه.’
لم تستطع ليليث فهم تصرف إيلارد إطلاقًا.
حتّى لو كان لا يريد الطلاق ، فإن المشهد الذي رأته قبل قليل بدا و كأن إيلارد يحاول أخذ هيلين بالقوة.
و بما أن الأمر حدثَ داخل بيت الدوق ، و لأنها خرجت خلفه مباشرة ، لم يكن إيلارد قد ابتعد كثيرًا. و حين رأته ليليث صاحت بسرعة.
“دوق! أيها الدوق!”
توقف إيلارد و هو ينزل الدرج عندما سمع صراخها. ثم نظر إليها بلا أي تعبير.
ترددت ليليث للحظة أمام نظرته ، لكنها تشجعت و اقتربت منه.
“أريد التحدث معك قليلًا.”
“حسنًا ، تكلّمي.”
“ليس هنا. لنذهب إلى غرفتي.”
“هاه…….”
تنهد إيلارد طويلًا ثم صعد الدرج مرة أخرى.
و عندما رأته ليليث قادمًا ، ذهبت أولًا إلى غرفتها و فتحت الباب.
و بمجرد أن دخل ، صاحت فيه فورًا.
“ما كان ذلك قبل قليل؟!”
“ماذا تقصدين؟”
“أنتَ و السيدة هيلين! لقد بدا لي الأمر و كأنّكَ تحاول الاعتداء عليها!”
ارتجف صوت ليليث قليلًا.
و كأنها تنطق بحقيقة لا تريد الاعتراف بها.
“رغم دعوى الطلاق ، ما زالت هيلين زوجتي. و يجب علينا أداء واجباتنا كزوجين. لا أظنكِ تجهلين هذا.”
“واجبات؟ الآن؟”
“نعم. إذا كان بإمكاني استعادة علاقتي مع هيلين ، فسأفعل أي شيء.”
“إذن ماذا عني؟ و ماذا عن الطفل الذي في بطني؟ كيف يمكنكَ أن تفعل بي هذا؟!”
كانت ليليث مصدومة.
كما شعرت بالارتباك إنْ كان إيلارد لا يريد طفلًا أصلًا.
فقد رأت طوال عملها كخادمة قرب هيلين كيف كان إيلارد يعذّبها بذريعة إجهاضها.
لذلك ظنت أنّه مهووس بوجود وريث.
لكن ، هل ربّما لم يكن الأمر كذلك؟
لماذا؟
‘لا. مستحيل.’
عضّت ليليث شفتها السفلى بقوة.
أما إيلارد فابتسم بسخرية و هو ينظر إليها.
“و ماذا فعلتُ لكِ حتى تتحدثي معي هكذا؟”
“ماذا تقصد؟ بالطبع—”
“لقد أعطيتكِ كل شيء دون نقص. الطعام ، الملابس ، و حتّى الترف. و مع ذلك تقولين إنني أخطأت في حقّكِ؟”
“لكن—”
“قد تتمنين أن أطلّق هيلين ، لكنني لا أفعل. لم أتمنَّ الطلاق منها و لو لمرّة واحدة.”
توقفت كلمات ليليث في حلقها.
فالعلاقة بينهما لم تكن متكافئة أصلًا ، لكن الصدمة من كلام إيلارد كانت أكبر.
شعرت ليليث و كأن الأرض تنهار تحت قدميها.
كانت تعلم أن إيلارد لن يطلب الطلاق أولًا لأن هيلين هي مَن رفعت الدعوى.
لكنها لم تتوقع أبدًا أنه يكره الطلاق إلى هذا الحد.
خصوصًا أن ما طلبته هيلين هو محاكمة علنية.
وهي مواجهة قضائية يتجنبها الجميع لأن أحدًا لا يعرف ما الذي قد يقال فيها.
حتّى لو نجحت القضية فلن يكون المكسب كبيرًا ، و قد تنتهي بفضيحة.
لذلك ظنت ليليث أن إيلارد سيتنازل قليلًا و يوافق على الطلاق.
“ل ، لكن….”
امتلأت عينا ليليث بالدموع.
“لقد قلت أنّكَ ستتحمل مسؤوليتي! أخبرتني لي بوضوح أن أنتظر!”
“تحمّل مسؤوليّتكِ لا يعني بالضرورة أنني سأطلّق. تحمّل مسؤوليّتكِ و الطلاق مسألتان منفصلتان.”
“كيف يمكن أن يكونا منفصلين؟!”
صرخت ليليث بصوت عالٍ. و انهمرت الدموع التي كانت معلقة في عينيها على خديها.
لكن إيلارد لم يمسح دموعها.
بل عبس بانزعاج و مسح شعره إلى الخلف.
“ألا أتحمل مسؤوليّتك الآن؟ مجرد فتاة من عامة الناس مثلكِ ، أعتني بها فقط لأنها تحمل طفلي.”
“…….”
“لا تطمعي أكثر من اللازم ، و تصرفي بهدوء. إن أزعجتِني أكثر فلن أستطيع التساهل حتى معكِ. هل فهمتِ؟”
“هيك ، هيك….”
لم تجب ليليث ، بل بدأت تبكي بحرقة.
و عندما انفجرت دموعها لم تستطع إيقافها.
“إذا فهمتِ ، فاذهبي للنوم الآن.”
كان إيلارد يستدير ليغادر غرفتها.
“……ظالم.”
“ماذا؟”
“هذا ظلم! حقًّا ظلم—! آه!”
بينما كانت ليليث توشك أن تصرخ عليه ، أمسكت بطنها فجأة و سقطت على الأرض.
يبدو أن بطنها يؤلمها.
تفاجأ إيلارد و اقترب منها بسرعة.
“آه! بطني ، بطني! بطني يؤلمني يا دوق!”
“انتظري لحظة!”
حملها إيلارد بسرعة و وضعها على السرير.
ثم فتح الباب و صرخ نحو الممر بلهفة.
“أحضروا الطبيب حالًا! بسرعة!”
التعليقات لهذا الفصل " 33"