كانت ليليث تتلفّت هنا و هناك أمام المعبد ، و هي تشاهد ما حولها بفضول.
“قالوا إنّه مهرجان الصلاة ، لكنّ عدد الناس في الخارج هائل أيضًا!”
في الداخل ، كان أفراد العائلة الإمبراطوريّة و النبلاء يؤدّون الطقوس ، أمّا خارج المعبد ، فقد اصطفّ العامّة في طوابير بانتظار انتهاء الطقوس.
ذلكَ لأنّه بعد انتهاء الطقوس في مهرجان الصلاة ، و خلال الوقت الذي يستمتع فيه النبلاء بالوليمة ، يقوم الكهنة بتوزيع جزء من الطعام على العامّة.
وسط العامّة ذوي المظهر البسيط ، كانت ليليث بملابسها الفاخرة لافتة للنظر بشكلٍ واضح.
بعض النبلاء الذين وصلوا متأخّرين رمقوها بنظرات مستغربة ، متسائلين عن هويّتها و هم يمرّون بجانبها.
و ذلك ليس مستغربًا.
ففي مهرجان الصلاة ، من المتعارف عليه أن يرتدي أفراد العائلة الإمبراطوريّة و النبلاء ملابس أنيقة و بسيطة من الألوان البيضاء قدر الإمكان.
لكن ليليث كانت ترتدي فستانًا ورديًّا منعشًا ، و مزيّنة بكمّ كبير من المجوهرات ، و لذلك بدت غريبة مهما نظرت إليها من أيّ زاوية.
لم تكن ملابسها مناسبة لنبيلة لا تعرف كيف تميز بين الزمان و المكان ، و لا لامرأة من العامّة بسبب ثمن الفستان و المجوهرات الباهظ. بدت و كأنّها لا تنتمي إلى أيٍّ من الجانبين.
عندها اقترب منها أحد النبلاء الذكور ، و قد بدا عليه الفضول ، و سألها:
“هل تحاولين الدخول إلى مهرجان الصلاة؟”
“آه ، لا. أنا فقط…….”
فزعت ليليث و تراجعت خطوة إلى الخلف.
“أعتذر إن أخفتكِ يا آنسة. ظننتُ أنّكِ قد تحتاجين إلى مساعدة.”
“آ ، آنسة؟”
“أليست كذلك؟ آه ، عفوًا ، لقد أسأتُ الأدب. من أيّ بيتٍ أنتِ ، يا سيّدتي؟”
عندما فتحت ليليث عينيها بدهشة و سألته ، لاحظ الرجل بطنها البارز قليلًا ، فبادر إلى تصحيح سؤاله.
‘يبدو أنّني أُبدُو الآن كنَبيلة.’
شعرت ليليث بسعادة غامرة لمجرّد أنّ شخصًا لا تعرفه رآها كنَبيلة.
و في خيالها ، كانت قد بدأت بالفعل ترى نفسها دوقةً ، تنظر إلى الجميع من علوّ.
“في الحقيقة ، أنا….”
كانت ليليث على وشكِ أن تجيب الرجل ، حين فُتِح مدخل المعبد و خرج منه بعض النبلاء.
و كان إيلارد من بينهم.
تلاقى نظر ليليث بنظر إيلارد ، و ما إن رآها حتّى تصلّب وجهه تمامًا.
ثمّ ، دون أن يعرّف بنفسه أو يعيرها أيّ اهتمام ، ركب العربة و غادر.
“هاه؟”
“سيّدتي؟”
نظر الرجل إلى المشهد باستغراب و ناداها ، لكن ليليث لم تستطع الردّ. فمن خلال تعبير إيلارد ، شعرت بأنّ شيئًا ما قد جرى على نحوٍ سيء.
‘ماذا لو كان غاضبًا؟’
لم يمنعها إيلارد صراحةً من الخروج ، لكن من خلال ما كان يقوله دائمًا ، بدا و كأنّه يكره خروجها.
كان ينصحها بالبقاء في المنزل بحجّة الاستقرار و الراحة في كلّ مرّة.
“سأغادر الآن!”
عادت ليليث على عجل إلى العربة التي جاءت بها و غادرت المكان ، ناسيةً تمامًا أنّ على تلكَ العربة نقش شعار بيت الدوق.
* * *
حين عاد إيلارد إلى قصر الدوق ، كان وجهه متجمّدًا إلى درجة جعلت مَنٔ يراه يرتجف.
الخدم أصحاب الفطنة العالية تجنّبوه بسرعة ، و اختفوا في أماكن لا تُرى.
‘كيف تجرؤ على الذهاب إلى هناك دون أن تعرف إلى أين ذهبت حتّى….؟’
دخل إيلاد مكتبه و بدأ بتنظيف سيفه المفضّل ليكبت غضبه.
و في تلك اللّحظة ، طُرِق الباب و انفتح قليلًا ، و ظهر وجه ليليث.
“سيدي الدوق….”
“أنتِ!”
عضّ إيلارد على أسنانه ، كابحًا رغبته في الصراخ.
“ادخلي.”
دخلت ليليث المكتب بتردّد. أنزل إيلارد السيف و اقترب منها ، و سألها بزئير مكبوت:
“هل جننتِ؟ هل تعرفين أين ذهبتِ لتخرجي دون إذني؟”
“لكنّني أردتُ الذهاب أيضًا.”
قاطعت ليليث كلامه بجرأة ، متذمّرة ، و كأنّها تحاول أن تسبق توبيخه.
“قلتُ لكَ من قبل إنّني أريد الذهاب معك.”
“ذلك بسبب——”
“البقاء في المنزل فقط أمر خانق! أنتَ تعلم كم أنّ التوتّر مضرّ بالحمل.”
تصرّفت ليليث و كأنّها تعرّضت للظلم ، و عيناها تترقرقان بالدموع.
شعر إيلارد بالعجز أمام ذلك المنظر.
‘لو أنّها لم تكن حاملاً……’
كبح رغبته في رفع يده.
إن حدث مكروه للطفل فسيكون الأمر كارثيًّا ، و لذلك لم يكن أمامه سوى تحمّل الأمر ، رغم رغبته في صفعها.
شدّ إيلارد فكيه ، و أدار رأسه دورةً كاملة و هو يشعر بالألم في مؤخرة رأسه.
و كأنّ المنزل لم يكن يعجّ بالمشاكل أصلًا ، جاءت ليليث لتزيد الطين بلّة.
تكلّم أخيرًا بصوتٍ مصطنع الهدوء:
“أنتِ ما زلتِ بحاجة إلى الاستقرار. انتظري حتّى تُرتّب الأمور في المنزل. سأعطيكِ مزيدًا من المجوهرات إن لزم الأمر.”
“إذًا ، سيدي الدوق ، ليس المجوهرات.”
اغتنمت ليليث الفرصة فورًا.
“ماذا تريدين؟”
“غرفة السيّدة هيلين أكبر من غرفتي ، أليس كذلك؟ قم بتبديلها مع غرفتي. أمتعتي تزداد ، و غرفتي باتت ضيّقة.”
“أنتِ تعلمين أنّ الطلاق لم يتمّ بعد.”
ارتفع ضغط إيلارد مجدّدًا.
كانت تتصرّف و كأنّها ستصبح الدوقة لا محالة ، و هو أمر يثير اشمئزازه ، لكن لم يكن أمامه خيار سوى تحمّلها في الوقت الحالي.
غير مدركة لما يجول في خاطره ، نفخت ليليث شفتيها و بدت مستاءة.
“تسك ، لاحقًا ستعطيني تلك الغرفة ، صحيح؟”
“من الأفضل تأجيل هذا الحديث.”
“إذًا غيّر الأثاث على الأقلّ. لقد سئمتُ منه.”
“حسنًا. اخرجي الآن. و من الآن فصاعدًا ، لا تخرجي إلّا بعد أخذ الإذن.”
“نعم. سأفعل.”
خرجت ليليث من الغرفة بابتسامة راضية ، و قد نجحت في تجاوز الموقف.
“مزعجٌ حقًّا.”
مرّر إيلارد يده في شعره الأشقر المرتّب.
لم يكن غضبه قد هدأ ، إنّما أنهى الحديث سريعًا لأنّ الإرهاق ازداد بسبـب ليليث.
‘تقول إنّها سئمت الغرفة بعد بضعة أشهر فقط؟’
نقر إيلارد لسانه في سرّه.
كان يعلم أنّها فتاة محبّة للبذخ ، لكن يبدو أنّ التساهل جعلها تنسى حدودها ، غارقةً في أوهامها الخاصّة.
دون قصد ، تذكّر أيّام حمل هيلين في الماضي. كانت هيلين حينها تبتسم له بنعومة كزهرة ، و كان هو يعاملها بلطف أيضًا.
حتّى و إن كان ذلكَ تمثيلًا ، فقد كان بيت الدّوق متناغمًا.
‘هل هذا هو الفرق لأنّها نبيلة؟’
صحيح أنّ عائلة هيلين لم تكن سوى بيت بارون متواضع ، لكنّها كانت مختلفة تمامًا عن ليليث ذات الأصل المتدنّي.
رغمَ أنّها في الآونة الأخيرة بدأت تتحدّث عن الانفصال ، إلّا أنّها كانت حتّى وقتٍ قريب مطيعة و هادئة.
لم تكن مسرفة ، و لا تطلب الكثير.
لم يكن إسراف ليليث يفوق الاحتمال ، لكن تكديس الكماليّات دون استخدامها لم يكن يتماشى مع مفهوم إيلارد الاقتصادي.
‘لو لم تُجهِض هيلين فقط….’
لما وصل الأمر إلى هذا الحدّ من الإزعاج.
لم يكن إيلارد يرغب في إنجاب الأطفال.
لم يكن يجد في العلاقة الزوجيّة أيّ متعة أو لذّة ،
و بالنّسبة له ، لم تكن إلّا وسيلة لإنجاب وريث ، لا أكثر و لا أقلّ.
حتّى عندما كانت علاقته بهيلين جيّدة ، لم يكن يقترب منها إلّا في الأيّام المحدّدة.
و لم تطلب هيلين يومًا أكثر من ذلك ، فلم تكن هناك مشكلة كبيرة. فهيلين السابقة كانت سلبيّة و بطيئة ، على عكسِ الآن.
بعد إجهاض هيلين ، توقّف حتّى عن تلكَ الأيّام المحدّدة. و لذلك ، عندما أخبرته ليليث بحملها ، شعر بأنّ الأمر في صالحه.
فإنجاب وريث كان واجبًا لا بدّ منه على أيّ حال.
كان إيلارد يخطّط في الأصل للمماطلة ، ثمّ اتّخاذ ضعف جسد هيلين ذريعة ، و اعتماد طفل من فرعٍ جانبيّ للعائلة ليرث لقب الدّوق.
لكن حمل ليليث ، و إن كان خطأً لا يذكر ، كان خبرًا مرحّبًا به. فطفل يحمل نصف دمه أفضل من التبنّي.
“هل المشكلة أنّها أكثر إزعاجًا ممّا توقّعت؟”
تمتم إيلارد و هو يجلس على الأريكة ، مغرقًا جسده فيها.
لم يكن يتوقّع أن يصبح الأمر مرهقًا إلى هذا الحدّ.
بل خطرت له فكرة أنّ النوم مع هيلين في الأيّام المحدّدة كان سيكون أسهل و أقلّ عناءً ، فضحك بسخرية.
“هاها…….”
و في تلكَ اللّحظة ، فكّر إيلارد أنّه لو حملت هيلين الآن ، لربّما أمكن إعادة كلّ شيء إلى ما كان عليه.
و مع إدراكه أنّ ذلك ليس صعبًا حتّى الآن ، بدأ غضبه يخبو تدريجيًّا.
التعليقات لهذا الفصل " 30"