كنتُ قد توقّعتُ ذلك ، لكن قيل إنّ جانب إيلارد ظلّ طوال جلسات تحديد المواعيد يُصِرّ على أنّه لا يرغب في الطلاق.
و في النهاية ، و بسبب عدم التوصّل إلى اتّفاق سلس ، تقرّر خوض نزاع قضائي في المحكمة.
و كما قالت روزالين ، تقرّر المضيّ في دعوى علنيّة ، و تمّ تحديد موعد أوّل جلسة علنيّة بعد أسبوعين.
لا يزال هناك وقتٌ لا بأس به.
لكن المشكلة كانت هنا بالضبط.
كنتُ أنوي تجنّب أيّ نشاط اجتماعي على الأقلّ حتّى بدء المحاكمة ، غير أنّ مهرجان الصلاة صادف تلك الفترة بالذات.
مهرجان الصلاة هو طقس يُقام للتمنّي بوفرة العام و خيراته ، و فيه يتوجّب على جميع النبلاء الحضور و الدعاء بازدهار البلاد و غناها.
و طبعًا ، إن وُجدت ظروف خاصّة ، يكفي أن يحضر فردٌ واحد من العائلة ، و لذلك كان إيلارد يحضر وحده طوال السنوات الماضية.
لكن هذه المرّة ، لن يحضر وحده.
قبل أيّام ، نقل لي إيلارد عبر سام اقتراحه بأن نحضر المهرجان معًا.
و قد رفضتُ بطبيعة الحال.
لأنّ حضور زوجين معًا وهما في خضمّ دعوى طلاق سيبدو أمرًا مثيرًا للسخرية.
و مهما كانت معظم زيجات النبلاء زيجاتٍ سياسيّة ، و مهما كانوا أزواج واجهة ، ألن يبدو حضورهما معًا في هذه الحالة مضحكًا؟
و بما أنّ إيلاد هو مَنٔ اقترح الحضور معًا ، فهو لن يختلق عذرًا لتغيّبي.
في النهاية ، لم يكن أمامي خيار سوى الحضور.
“سيّدتي ، كلّ شيء جاهز.”
“لكن يبدو أنّ الجوّ سيكون حارًّا قليلًا. ما رأيكِ لو حاولنا إخفاء الأمر بالمكياج؟”
“لا بأس. المكياج قد يزول إن تعرّقتُ.”
الفستان الأبيض الذي كان من المفترض أن أرتديه في مهرجان الدعاء أصلاً كان بتصميمٍ مكشوف من العنق حتّى الكتفين.
لكن بسببِ إيلارد ، ظهرت كدمات على عنقي ، و لإخفاء آثارها التي لم تختفِ بعد ، اضطرّت ميا و بيكا إلى إعادة خياطة الفستان بإضافة قماش آخر يغطّي العنق بالكامل.
كان الطقس قد بدأ يزداد حرارة ، لكن لم يكن هناك خيار.
فالمحاكمة العلنيّة لم تبدأ بعد ، و لو بدأتُ أُظهِر آثار الضرب منذ الآن ، لا أحد يعلم كيف سيستبق إيلارد الأمر أو ماذا سيقول.
و لهذا اخترتُ إخفاء العنق.
و للتوضيح ، قبل المهرجان ، كنتُ قد تحجّجتُ أمام إيلارد بأنّني لا أملك سوى فساتين مكشوفة ، و بهذا العذر رفضتُ حضور مختلف الحفلات و الولائم التي كان من المفترض أن نحضرها معًا.
حسنًا ، بما أنّ تلك الفساتين كانت جميعها ممّا اشتراه لي إيلارد عبر سام ، فربّما عليّ أن أعدّ ذلك حظًّا.
“بيكا ، احرصي على حراسة الغرفة جيّدًا.”
“نعم. اطمئنّي. سأبقى ملتصقة بها.”
قرّرتُ أن آخذ ميا معي اليوم إلى المهرجان. بما أنّ ليليث ستبقى في المنزل ، رأيتُ أنّ من الأفضل أن يبقى أحدهم لحراسة الغرفة.
ركبتُ العربة مع ميا ، و بعد قطع مسافة قصيرة وصلنا إلى المعبد.
كان عددٌ لا بأس به من النبلاء قد سبقونا ، متجمّعين في مجموعات يتبادلون الأحاديث.
بعد أن نزلتُ من العربة افترقتُ عن ميا ، و ما إن دخلتُ قاعة الصلاة حتّى اقتربت منّي إحدى الآنسات.
كانت إيمي هاونس ، ابنة البارون ذات الشعر البنّي الداكن ، إحدى أفراد جماعة سيلينا.
لماذا تقترب منّي مجدّدًا؟
حاولتُ تخمين سبب اقترابها.
هل هو مجرّد مضايقة كالسابق ، أم أنّ هناك غرضًا آخر؟
كان عليّ أن أعرف لأتصرّف وفقًا لذلك.
خصوصًا أنّني كنتُ قد اتّفقتُ قبل أيّام على توثيق الحديث الذي دار بيني و بين سيلينا ، و معرفة إلى أيّ حدّ كانت الآنسة إيمي مطّلعة على الأمر كان في غاية الأهمّيّة.
“كما في العام الماضي ، لم تتمكّني من حضور المهرجان لسنوات ، أليس كذلك؟ لكن بما أنّكِ تشاركين في الأنشطة الاجتماعيّة هذه الأيّام ، يبدو أنّ صحّتكِ قد تعافت تمامًا. هذا مطمئنّ حقًّا.”
“شكرًا لاهتمامكِ.”
“لكن ، كما تعلمين ، سمعتُ شيئًا.”
مالت إيمي برأسها قليلًا ، متصنّعة البراءة.
منذُ جملتها الأولى ، كان واضحًا أنّها تتظاهر بالقلق.
ما الذي تحاول التمهيد له بهذا الكلام؟
“كان يُشاع أنّ الدوق و الدوقة زوجان على وفاق تامّ.
لكن في الآونة الأخيرة ، تردّد أنّكما ستنفصلان. هل هذا صحيح؟ حتّى في هذا اليوم ، يبدو أن كلّ واحد منكما حضر لوحده.”
“ما الدافع وراء التلميح و أنـتِ تعلمين الجواب مسبقًا؟”
“بسبب الكلمات الرومانسيّة التي قالها الدوق.”
“كلمات رومانسيّة؟ ماذا تقصدين…؟”
“آه ، هيا. نحن نعرف بعضنا. لما هذا التظاهر؟”
“…….”
ماذا تعرف بالضبط؟
شعرتُ بقلقٍ حقيقي.
ما الذي قاله إيلاد ، و أين؟
كنتُ قد سمعتُ من سيلينا أنّه قال إنّها مجرّد مشاجرة زوجيّة ، لكن هل هناك ما هو أكثر؟
“قال إنّ مشاعره لن تتغيّر حتّى لو انفصل عن زوجته. أليس ذلك اعترافًا رومانسيًّا جدًّا؟”
بدا ذهني فارغًا أمام كلمات إيمي الحالمة. ما هذا الهراء؟
و بعد أن بدت و كأنّها غارقة في رواية رومانسيّة لفترة ، عادت إيمي إلى ملامحها الطبيعيّة و أكملت:
“على أيّ حال ، إن كانت نيّة الدوقة في الطلاق صادقة ، فعليّ أنا أيضًا أن أستعدّ. فأعمال عائلتنا مزدهرة هذه الأيّام ، و يمكنني أن أُحضِر مهرًا سخيًّا أيضًا.”
هل تريد إيمي أن تصبح دوقة؟
لكن ألم تكن هذه الآنسة من مجموعة سيلينا؟
و أثناء استماعي لكلامٍ لا طائل منه ، خطر في بالي سؤال.
هل كانت تؤيّد سيلينا فعلًا ، أم أنّ لها نوايا أخرى؟
لقد رأيتها مرارًا تتقرّب من سيلينا و تُجاملها و هي تسير معها ، و لذلك كان الأمر غير مفهوم أكثر.
“لكن ، أليست الآنسة إيمي مقرّبة من الآنسة سيلينا؟”
“سيلينا؟ من يدري.”
نفخت إيمي شفتيها و هزّت كتفيها.
“على حدّ علمي ، الدوق رفض مرارًا الحديث عن الزواج من الآنسة سيلينا قبل زواجه من الدوقة. بعد كلّ ذلك الرفض، هل تعتقدين أنّه سيختارها الآن؟ لو كنتُ مكانه ، لبحثتُ عن شخصٍ آخر. ألا يقال إنّ الرجال إن قالوا لا لمرّة ، فهم يعنون لا إلى الأبد؟”
“…….”
“ثمّ إنّه لا يمكنني أن أبقى ظلًّا للآنسة سيلينا إلى الأبد. لقد راعيتُ مشاعرها حتّى الآن بسبب العلاقات بين العائلات ، لكن إن أصبحتُ أنا الدوقة ، فلن أحتاج إلى ذلك بعد الآن.”
حين يؤذون الآخرين ، كانوا دائمًا متّحدين بينما يدعمون بعضهم بعضًا ، لكن أمام المصالح الشخصيّة ، تبيّن أنّهم غرباء تمامًا.
كنتُ أظنّ أنّ بينهم رابطة قويّة ، لكن في النهاية ، لا شيء مميّز فيهم.
“استمعتُ إلى رأيكِ جيّدًا.”
“أتمنّى لكِ التوفيق. سأُرسل لكِ لاحقًا هديّة تعزية على الأقلّ.”
أجبتُها بابتسامة مصطنعة ، ثمّ ابتعدتُ عن المكان. فقد كنتُ أشعر بنظرات المحيطين تتزايد من حولي.
بما أنّني كنتُ منفصلة عن إيلارد ، انشغل الجميع بالشائعات.
مَنٔ كان يظنّ أنّ إيلارد سيفوز في القضيّة حاول التقرّب منّي أو إقناعي ، و مَنٔ كان يتمنّى خسارته اقترب ليسأل عن الأسباب أو ليتأكّد من صحّة الخبر.
و في كلتا الحالتين ، لم يكن أيٌّ منهم في صفي ، و لم تكن نظراتهم لطيفة.
كيف تحمّلت هيلين في الرواية الأصليّة كلّ هذه النظرات؟
اجتاحني إرهاق مفاجئ.
محاولة صدّ الجميع دون تسريب أيّ معلومات لم تكن بالأمر الهيّن.
لكن بما أنّ مهرجان الصلاة لم يكن ليَنتهي قريبًا ، أقنعتُ نفسي بأنّه مجرّد يومٍ واحد ، و بذلتُ قصارى جهدي لأصمد.
* * *
‘لماذا طلب الدّوق من السيّدة هيلين أن تحضر معه؟’
لم تستطع ليليث فهم إيلارد.
فمهما كانت زوجته رسميًّا ، لم تكن بينهم علاقة قائمة على الحبّ ، بل إنّها رفعت عليه دعوى طلاق.
ما الذي يجعله يحرص على اصطحابها معه؟
“طالما أنّ دعوى الطلاق باتت حديث الجميع ، كان الأجدر به أن يصطحبني أنا.”
تمتمت ليليث و هي تُبرِز شفتيها ، واضعة الفستان الجديد الذي أُهدي لها أمام جسدها لتجرّبه.
في المرآة ، بدت جميلة و نضرة رغم بروز بطنها قليلًا بسبب الحمل.
و حين أضافت الحُليّ الموضوعة إلى جانبها ، بدت أشبه بنبيلة حقيقيّة.
“ارتداء هذا الفستان الرائع في المنزل فقط أمرٌ مؤسف فعلًا.”
و بحسب وصيّة إيلارد بأن تحافظ على الاستقرار و الراحة ، كانت ليليث تقضي معظم وقتها داخل قصر الدوق.
لكن ذلك كان يقيّدها أحيانًا.
ألا تحتاج إلى الخروج أحيانًا ، لتناول شيء لذيذ أو التسوّق لتخفيف الضغط؟
“و على أيّ حال ، بعد فترة سأكون أنا مَنٔ تسير إلى جانبه.”
ما الضرر في أن تتجوّل معه قليلًا مسبقًا؟
فهو دوق عظيم النسب في النهاية.
حين وصلت أفكارها إلى هذا الحدّ ، استدعت ليليث ماندي و بدأت تبديل فستانها و الاستعداد.
‘لن أُظهِر الأمر علنًا. سأخرج قليلًا فقط ، لفترة قصيرة ، لأرى كيف سيكون الأمر.’
كانت تدرك أنّها لم تُعتَرَف بها رسميًّا بعد ، و لذلك لم تُفكّر في التحرّك بشكلٍ صارخ.
لم يكن الأمر أكثر من خروجٍ قصير لتغيير المزاج.
“جهّزي العربة. سأخرج قليلًا.”
“…….”
أومأت ماندي برأسها و غادرت.
و بعد قليل ، ركبت ليليث العربة و غادرت قصر الدوق.
دون أن تعلم ، و لو في أحلامها ، ما الذي ينتظرها في تلك النزهة.
التعليقات لهذا الفصل " 29"