خفضت ليليانا طرفها، وألقت نظرةً على كرة اللهب التي أوجدتها بيديها، ثم حوّلت بصرها إلى داميان. كان في عينيها معانٍ كثيرة، غير أنّ كلماتها لم تزد على القليل:
“أفَتُصدق الآن؟”
كان قلب ليليانا يخفق بشدّة. فهذه أول مرّة تُري مثل هذا لغير أهل بيتها، وأول مرة تنبس بمثل هذا الحديث. ولشدّة توترها أخذ العرق البارد يتصبب على ظهرها.
لكن ردّ داميان جاء على غير ما توقعت. إذ جلس واجماً هنيهةً، ثم حرّك رأسه سريعاً نافياً:
“لا.”
“لِمَ؟!”
انتفضت ليليانا غاضبة، وأشارت بإصبعها نحوه.
“أأريك شيئاً كهذا، ثم لا تصدّق؟! أليس هذا دليلاً كافياً؟”
“لكن قد يكون ثَمّةُ جهاز أو حيلة لا أعرفها….”
“يا لكثير الشكوك! أتُراني دجّالة؟!”
“ما قلتُ هذا، ولكن أن أُطلبَ مني أن أؤمن بمثل هذا فجأةً… ذاك أمرٌ عسير.”
“فماذا تريدني أن أفعل إذن حتى تصدّق؟! قُل!”
قال داميان يخفض صوته:
“ليليانا، إن رفعتِ صوتك أكثر، أيقظتِ آشر بلا ريب، ولن يكتفي بالتأنيب هذه المرة.”
وضعت ليليانا كفها على رأسها الموجوع، وأنّت في داخلها، ثم بعثرت شعرها وقالت:
“فالأمر أنّ أمي من قبيلة السَّلَمندر أرواح النار، وأبي كان خيميائياً. والخيمياء، وإن ضعفت في هذا الزمان، إلا أنّ آل كانيل قد حافظوا عليها عبر الأجيال. والخيميائيون عادةً أوثق الناس صلةً بالأرواح، وأبي وأمي توافقت روحيهما، ومن ذلك وُلدتُ. ولأن أمي من السَّلَمندر فقد وُلدتُ بطبعٍ يمكّنني – وإن لم يكن إطلاقاً – من التحكم بالنار. فإشعالها عندي كشربة ماء. أفهمتَ إلى هنا؟”
“لا.”
شهقت ليليانا بغضب:
“أهذا معقول؟!”
كان داميان يهز رأسه بالنفي بوجه بارد، فأثار حنقها.
قال:
“لقد قلتُ لك، إنّي لا أستوعب حتى وجود الأرواح أصلاً، فكيف ألحق كلامك؟”
“وأنا – نسل الأرواح – قائم بين يديك؟”
“لكنّك في عيني إنسان.”
“أولا ترى النار تنبثق من يدي؟”
“بلى، لكن بلا أي شعور بالواقعية… اسمعي، من عاش أكثر من عشرين سنة لا يُلقي بالاً لأرواح أو الوش أو ما شابه ذلك، ثم يطلب منه فجأة أن يسلّم بهذا، كيف يتقبله ببساطة؟ من الطبيعي أن يشك.”
أدركت ليليانا أنّ كلامه منطقي، لكن صدرها كان يضيق أكثر فأكثر. فليست بكاذبة، وكل ما فعلته أنها أفشت سرّها الأعظم لمن طلب منها أن تُصارحه، فإذا بردٍّ كهذا يجيئها! ولولا طبعها البشوش، لكانت أوقدت النار في رأسه!
قال داميان:
“لم أقل إنّي لا أصدّق، إنما أحتاج وقتاً لأستوعب. أعطني مهلة.”
ثم ضغط موضع صدغه، كأنّه يبذل جهداً ليشرح حاله.
ورأت ليليانا أنّه ليس يزدريها ولا يعدّها كاذبة، بل هو حقاً يُفكر في كلامها على طريقته.
“فهل تستطيع إذن أن تتبع ما سأشرحه تالياً؟”
“لا أظنني قادراً.”
زفرت ليليانا زفرة عميقة:
“إذن أي فائدة تُرتجى من كلامي؟! أنت الذي سألت، ثم إذا حدثتك لم تفهم! ما الجدوى؟”
“……عذراً.”
تكلمت بفتور، فانحنى رأسه خجلاً، وهو بالكاد لم يفهم عُشر ما قالت. لا لأنّها تكذب، بل لأن عقله لم يألف هذا العالم: أرواح؟ سحر؟ كائنات أسطورية؟ ما هذه؟ لم يهتم قطّ بمثلها، ولم يكن في طفولته من يقرأ له خرافة أو حكاية، حتى القصص الطفولية باتت في ذاكرته شبه منسية. فهو لا يعرف من العلم إلا ما يخص اهتمامه المباشر، أما الباقي فلا شأن له به.
قالت ليليانا وقد أعرضت:
“لا. لا أريد الكلام.”
وولّت وجهها عنه. لم يجرؤ أن يلِحّ، فاكتفى أن يتمتم معتذراً:
“عذراً.”
“هُه.”
“لكن… أمهليني وقتاً أرتب أفكاري.”
ذاك أقصى ما استطاع أن يَعِد به. غير أنّ ليليانا لم تُبدِ ليناً، بل نفخت من أنفها بازدراء:
“هُه.”
“أمّا أنا…”
“لا شأن لي بك، اخرج. لم يبقَ بيننا ما نقوله.”
فتردد داميان قليلاً، ثم نهض ببطء وقال متلعثماً:
“إذاً… أستأذن.”
ولمّا التفت نحوها عند الباب، أدارت رأسها بقوة عنه.
“هُه!”
فما وجد بُداً من الخروج شبه مُرغم.
—
ومنذ أن استأجرته ليليانا على حين غرّة، لم يكن لـداميان عملٌ يُذكر. فهي لم تكلفه إلا بالحراسة، بل أمرته أن يعالج ذراعه أولاً قبل أي شيء. فبعد أن رُكّبت له الذراع الجديدة، ظل نصف شهر يلازم البيت ينتظر شفاءه.
لم يكن له هوايات ولا مشاغل، فمرت عليه أيام مملة لم يعرف مثلها إلا قليلاً في عمره. حتى خطر له منذ أيام أن يتخذ عادة الذهاب إلى المكتبة، لا حبّاً في الكتب، بل رغبةً في أن يخرج ويملأ فراغه بشيء.
فصار برنامجه هو وليليانا على هذا النحو:
بيت أنيت يقدّم الفطور والعشاء في أوقات محددة. فإذا وضعت أنيت الطعام في المطبخ، أخذ كل نزيل نصيبه بنفسه. وكان داميان رجلاً نظامياً، فيستيقظ السابعة صباحاً، ويستحم ثم ينزل للإفطار، ويبقى بعدها يقرأ صحيفةً أو كتاباً مستعاراً من المكتبة حتى تستيقظ ليليانا.
أما ليليانا فتميل إلى الكسل، فلا تنزل إلا قرابة التاسعة والنصف، قبل أن تُرفع المائدة بقليل، ثم تأكل وتتمدد على الأريكة متحججة بالنعاس.
فإذا رآها داميان كذلك، لبس ثيابه بهدوء قاصداً المكتبة، لكنها لا تلبث أن تهبّ مسرعة تبدّل ثوبها وتلحق به، خشية أن يتركها خلفه. وهكذا يخرجان معاً.
واليوم مثل سائر الأيام، مع أن داميان كان يود الذهاب وحده، فقد وجدها تتبعه بخطوات متكبرة خلفه. فكلما وقف توقفت، حتى التفت إليها وقال متردداً:
التعليقات لهذا الفصل " 53"