“لقد خطر لي أنّه لو هلك جميع السعداء في هذا العالم، ما خلاي، لكان ذلك أمراً حسناً.”
‘أواه، فانظروا إلى خُلقه.’
هكذا عابت ليليانا في سرّها سجيّة آشر.
ثم قالت بوجهٍ تملؤه الكآبة وهي تحدّق نحو باب غرفة المعاينة:
“على أية حال… الأمر أخطر مما ظننتُ.”
وما لبثت أن فُتح الباب في تلك اللحظة، فمالت بجذعها للأمام تترقّب خروج داميان، فإذا بـهندريك يومئ لـآشر بيده:
“آشر، تفضّل لحظة.”
“نعم.”
دخل آشر الغرفة، فبقيت ليليانا وحيدة، تضمّ ذراعيها متأملة. لقد ذكّرها كلام آشر بما كان داميان قد تلفّظ به يوماً عرضاً:
‘العيش من غير ذراع ممكن، بيد أنّ في ذلك مشقّةً، والناس حين يرون ذلك… كثيراً ما يهابونني.’
كان قول داميان هذا أبلغ في نفسها من شكواه من فقدان الذراع. أجل، فالبشر إذ يفارقون ما يعدّونه معيار “الطبيعة”، فمن الطبيعي أن يستشعروا الخوف، غير أنّ الألم الباطنيّ أمر لا مناص منه.
وكان داميان يظهر دوماً وجهَ السكينة، وإن لم يكن لها عهد طويل به، إلا أنّها كانت تدرك يقيناً أنّ ما فقده في الحرب لم يكن ذراعاً فحسب.
—
“لقد ظننتُ أنّك حين دعوتِني للخروج قبل دخولي المستشفى، أنّك أعددتِ شيئاً مهيباً… فإذا هذا كل ما في الأمر؟”
قال داميان وهو يرمق ليليانا المقابلة له، تقطّع اللوبستر بخفّة.
“أهذا حقاً كل شيء؟”
سأل متعجّباً، فأشارت إليه بسكّينها مازحةً وقالت:
“‘كل شيء’ تقول؟ أما تعرف حتى نُزهة الزهور؟ لقد أُبيدت كل ذرّة من رومانسيتك يا داميان.”
ثم نقلت اللحم المقَطَّع إلى صحفته، ولوّحت بالشوكة نحو ضفة النهر.
كانت الأشجار متفتّحةً بأزهارٍ مزهرة وتخلق منظراً يأسر الأبصار. السماء زرقاء لا غيم فيها، والماء صافٍ، والناس يتمشّون في طرب. ترفٌ لا يُنال إلا في قلب المدينة.
“أما علمتَ أنّي لا أستطيع إرهاقك بجولات طويلة وأنت بحاجة لأن تدّخر قوتك؟ ثم إنّ أشجار نهر نيل في ذروة تفتّحها الآن، فما من يوم أصلح من هذا للتنزّه على ضفافه. وهل تدري كم عانيتُ في معركة الحجز لأظفر بهذا الموضع؟”
جلست ليليانا على مائدة خارجية في مطعم فاخر، تدفع بأطباقها أمام داميان غير متوانية، كأنما غايتها إطعامه وحده.
وأخذ يأكل بلطف، فيما كانت تتأمله راضيةً، وكأنها أمّ تراقب فرخها يتغذّى.
“لكنّ نهر بلدتكِ أجمل، أليس كذلك؟ هنا الماء غير نقي والازدحام شديد.”.
“صحيح، لكننا الآن في نيهيرو، ونهر نيل هو أجمل أنهارها وأعظمها. كل من يأتي زائراً يضعه في برنامجه. بل هذا هو الجمال بعينه! النهر يشق قلب العاصمة، والبنايات الشاهقة تحفّ به… ولكلّ ذلك طابعٌ خاص.”
غير أنّ داميان بقي واجماً، يمضغ صامتاً. زفرت ليليانا خفيفة، ثم واصلت تقطيع الطعام لتضعه أمامه.
“لا علينا من المناظر. جئنا لنُشبعك بما لذّ وطاب قبل عمليتك غداً. فكل واشبع.”
“أعرف أنّني قليل الميل للرومانسية، لكن إن كنتِ مسرورة بالمكان، فذاك يكفيني.”
“أهذا لذيذ؟”
“نعم، طيب.”
“الحمد لله، كُلْ المزيد، فأنا أشبع سريعاً.”
‘تشبع سريعاً؟ هي التي تأتي على قالب كعك كامل دفعة واحدة؟’
تساءل في نفسه، لكنه أكل ما دفعت به نحوه، وأشار برأسه شكراً.
ولمّا انتهيا من التحلية، نهضت ليليانا إلى المرحاض تصلح زينتها، فرأت حين عادت امرأةً غريبة تحدّث داميان. ما إن ناولته ورقةً صغيرة حتى انصرفت.
“من تكون تلك؟” سألت ليليانا.
“لا أعرفها. سألتني أأجلس وحيداً، فأجبتها أنّ لي رفيقاً، فتركت رقمها وانصرفت.”
“هكذا إذن؟ هل… غازلتك؟”
“لعلها كذلك.”
قالها متلعثماً، فضربته بكفها على ظهره.
“سُررتَ بذلك؟”
“لا أفكر فيه أصلاً.”
“لِم؟ أليس حسناً أن تكون مطلوباً؟”
“لم أكن محطّ إعجاب قط، ولا أدري أصلاً ما الفائدة منه.”
مشت ليليانا أمامه وهي تتأمل كلامه: ‘فلِمَ يكون المرء محبوباً نعمةً؟’
ثم ما لبثت أن سألته:
“وقل لي، ألم تكن لك حبيبة قط؟”
“وهل يبدو ذلك عليّ؟”
ضحك بخفوت، فحدّقت فيه بنصف عين.
“لكنّي أحسب أنّك محبوب. أحقّاً ما تلقيت اعترافاً يوماً؟”
“لا، لم يُظهر لي أحد ذلك مباشرة.”
“مستحيل. كم من الناس عَجزوا عن معرفة معدنك.”
“فإذن… هل أحببتَ أنتَ أحداً؟”
رفع داميان بصره إلى السماء، وغشيه فكرٌ عميق:
‘السيدة لينتري… لم نتبادل إلا رسائل قليلة. لا أعرف وجهها ولا صوتها. أيمكن أن تُسمّى هذه الميول محبة؟ لا أدري. ولكن بأيّ لفظ أسمّي ما في قلبي سواها؟’
فقال متردّداً:
“ثمة… شخصٌ أظن أنّني أُحبّه.”
“أواه! حقّاً؟ أتحبّ فتاة؟! لكن ما معنى قولك ‘أظن’؟ الحب حبّ.”
“ذلك لأنني لم أتحقق بعد، فلا أقطع باليقين.”
“تتحقق؟”
“أأهي عاطفة رجل لامرأة، أم مجرّد ودٍّ لصديق؟ لم أستبن بعد. أردتُ أن أتأكد…”
ظل يقلب كأس العصير في يده مفكّراً. لقد أخبره كثيرون أن ذلك هو الحب بعينه، إذ لا يُبذل هذا الاهتمام لغير مَن يُعنى القلب به. لكنه لم يقتنع؛ فما أدراهم بعلاقته بـالسيدة لينترَي؟ ربما تنشأ مثل هذه المشاعر بين أصدقاء أيضاً. فظلّ يتساءل طويلاً: ‘كيف أنظر إليها حقاً؟’
التعليقات لهذا الفصل " 48"