وبدا أنّ الاضطراب قد ألمّ بـغرين كذلك، إذ جلس إلى جواره يحكّ رأسه ويقول:
“لقد كنا نلهو معًا، وكنتُ أنا من علّمها الصيد! أذكر ذلك يقينًا! لكنّ وجهها… لا أراه في ذهني!”
وأخذ يتمتم مرارًا، مؤكّدًا أنّه كان صديقًا مقرّبًا لـسيـرا.
قال داميان: “أليس هنالك غيرك ممّن خالط أهل القصر؟”
هزّ غرين رأسه. “في الحقيقة، أهل القصر قلّما اختلطوا بالقرية. التي كنّا نراها أحيانًا هو لينترِي وحدها. وأهل القرية قالوا في أنفسهم: ‘هؤلاء الأشراف المتكبّرون لا يريدون مخالطة أراذل الناس.’ فتركهم الجميع وشأنهم. ما عداي وبعض الفتيان في سِنّ سيـرا، غير أنّها لم تأبه بهم. أمّا أنا….”
رفع داميان حاجبًا وقال: “ولِمَ إذن صحبتَها أنت؟”
فتلجلج غرين: “في الحقيقة… كنتُ أنا من اقترب منها أولًا.”
“اقتربت منها؟”
“أعني… لتقل الحقّ، كانت سيـرا فاتنة الجمال. صحيح أنّي الآن لا أستطيع أن أستعيد صورتها، لكنّها كانت آيةً في الحُسن. فطبيعيّ أن أتشوّق لمعرفة مثل تلك السيّدة النبيلة. فدنوت منها، ومن هنا بدأت صداقتنا.”
قطّب داميان جبينه. ‘ما من رجلٍ يخصّص وقته لامرأة لا تعنيه.’ وتأسّف أنّه لم يثبّت في رسائله إلى السيّدة لينترِي ما يَشي بطَيش غرين هذا.
وتابع غرين: “أمّا البارون بينبريك، ولينترِي، فكانا يَستثقلان صحبتي لها. لعلّها كبرياء النبالة. لم أعرف كيف كانا يرونني حقًّا. لكنّهما لم يمنعاها من لقائي. لذلك، فأنا الصديق الوحيد لسيـرا في هذه القرية.”
فأجابه داميان: “هكذا إذن…”
وما كاد يتمّ هذا الحوار حتى شعر داميان بشيءٍ رطبٍ يلمس يده. فإذا بكلبٍ صغير يلحسها ويلوح بذَنَبه، ثم انقلب على ظهره مستجديًا المداعبة.
مدّ داميان يده، فحكّ بطنه، فقام الكلب يحتكّ به فرِحًا. نظر إليه داميان مليًّا، وإذا بملامحه مألوفة!
“اجلس هنا أمامي.” قال داميان. فجلس الكلب مطيعًا.
كان يشبه هجِينًا من فصيلة السَّبانييل، بعينه ذات النقطة التي تبدو كالنجم في جبهته. هو نفس الكلب الذي رآه مع (تيمو) في الصورة التي اُرسلت له.
أشار داميان إلى الكلب وقال لـغرين: “أليس هذا كلب السيّدة سيـرا؟”
فأجابه: “أجل، هذا مايبل. هو من جراء تيمو. بعض جرائها أخذها أهل القرية، وبقي هو.”
تأمّل داميان الكلب صامتًا. “إذن، كانت هناك تيمو حقًّا.”
“بلى.”
“ألم تهلك في الحريق؟”
“كانت تيمو وحدها المتبقّية. أمّا مصيرها بعد الحريق… فلا أعلم. لعلّها نجت، فهي ذكيّة.”
خفض داميان رأسه إلى ركبتيه. كلّ شيء مضطرب؛ بعضه له أثر، وبعضه كأن لم يكن.
وقف مثقلًا، وقال:
“إلى أين؟” سأله غرين.
لكن داميان صعد إلى العربة، وقال لـكارل: “أعدني إلى المحطّة.”
فتعجّب كارل: “أتغادر الآن؟”
جلس داميان مثقلًا وقال: “ما من شيءٍ آخر أستطيع بلوغه هنا عن السيّدة سيـرا.”
فقال كارل: “صدقت. منذ خراب القصر لم يسعَ أحد لمعرفة أخبارها.”
أمّا غرين فما زال يشكّ فيه: “أأنت حقًّا صديق سيـرا؟”
فأجابه داميان ببرود: “وأنت، أتراك مؤهَّلًا للسؤال، وأنت لا تذكر حتى وجهها؟”
“إن خطر لك شيء، فابعث إليّ هنا، رسالةً أو اتصالًا.”
وكان العنوان لبيت الضيافة حيث تقيم ليليانا.
فتردّد غرين، ثم أخذ الورقة وقال: “ليكن. فأنا محتار مثلك.”
أومأ داميان برأسه، فانطلقت العربة. وأخذ يتأمّل من نافذتها قريةً ساكنة هادئة، كما وصفتها السيّدة لينترِي. لكن… أيمكن أن يعقل أنّ في مثل هذه القرية الصغيرة، لا يذكر أحد ملامح ثلاثة كانوا بينهم؟
فأيقن أنّ الأمر ليس إلّا عجيبًا غريبًا.
ولمّا ركب القطار بعد أن ودّع كارل، ظلّ قلبه مثقَلًا بالأسئلة. لم يخرج من إيدنفالن بجوابٍ عمّا جرى لأهل قصر بينبريك، ولا عن حقيقة السيّدة لينترِي. بل عاد بالحيرة تتضاعف.
قال في نفسه: ‘لعلّي لن أهتدي أبدًا إلى من تكون السيّدة لينترِي. بل لعلّها لم تكن موجودة أصلًا.’
فأطبق جفنيه، وضغط موضع حاجبيه بيده، من شدّة الإعياء.
لكن قلبه ما زال يتوق: ‘كم وددتُ لقاءها. كم وددت أن أقول لها: سامحيني أنّي لم أكتب ردّي… وشكرًا لكِ. ولكن… لمن أوجّه قولي؟’
اشتاق إلى محادثاتها، إذ لم يجد من يشاركه تلك الهموم سواها.
التعليقات لهذا الفصل " 45"