لمّا بلغوا محطة الترام، إذا بالترام الذي سيركبه داميان يدخل الرصيف في تلك اللحظة. فانحنى داميان برفق إلى السيدة باسكا وقد بدا عليه شيء من العجلة.
“سيدة باسكا، حقًّا أشكركم على ما تفضّلتم به اليوم.”
فأجابته باعتذار مشوبٍ بالأسى:
“في الحقيقة، كان عندي من القول ما هو أكثر، غير أنّي لم أجد من الوقت إلا هذا القليل. فإني لا أستطيع أن أغيب عن كيلتا طويلًا…”
“لا عليكِ. بل أنا الممتنّ إذ أجدكِ قد شققت وقتك في خضمّ أنشغالك.”
“إن حدث أمرٌ، فسأبعث برسالة عبر ليلي. رافقتك السلامة.”
تبادل داميان وباسكا التحية على نحوٍ رسمي، ثم ألقى إلى ليليانا نظرة خاطفة، وصعد الترام. وما هي إلا ثوانٍ حتى دقّ جرسه وانطلق.
تأملت ليليانا الترام حتى غاب عن بصرها، ثم ردّت خصلات شعرها إلى ما وراء أذنها، وأخذت تعبث بأصابعها. ولمّا جلست باسكا على مقعد المحطة، جلست بجانبها ببطء، وأطلقت سؤالًا ظلّ يثقل صدرها منذ أفاقت على سرير المرض:
“خالتي… إني وإن كنت قد سمعت شيئًا عبر الهاتف، إلا أن الأمر أدهى ممّا بلغني، أليس كذلك؟”
كانت تحدّق في خالتها بعيونٍ يغشاها القلق.
“كنت أعلم أنّهم سيضعون أحدًا بجانبي، ولكن… لم أتصوّر أن يكون الأمر على هذا النحو. إنّ هنالك أشياء لم تُخبَريني بها بعد، أليس كذلك؟ أيكون الخبر أسوأ مما بلغني؟”
فترددت باسكا، فتحت فمها ثم أطبقت عليه. وبعد طول تأنٍّ قالت:
“لا، لست أرى الحال قاتمة إلى ذلك الحدّ. غير أنّ همومي كثيرة… في المشفى، وفي غيره من الأمور، من هنا وهناك…”
لكن ليليانا قاطعتها بصوت مرتجف:
“لكن أبي… أبي قد رحل. في الزمن الذي محته ذاكرتي… أليس لذلك صلة بما حدث؟”
ارتجفت نبرتها، وزادت خشيتها وهي تهمس:
“ألعلّ الأمر… له صلة بأخي كيسي؟”
وعضّت شفتها السفلى في وجل، تنتظر جوابًا تخشاه. فإذا بـباسكا تهزّ رأسها وقد ارتسم الاضطراب على وجهها:
“لا يا ليلي. ليس بسبب كيسي! أبداً!”
قالت وهي لا تزال مترددة:
“غير أنّ كيسي كان دومًا مع أبي. وهو نفسه في حالٍ غير مستقرة، وتعاملُه معي غريب بعض الشيء…”
صرخت باسكا:
“ليس ذلك! كيسي…!”
ثم قطعت قولها وزفرت زفرةً عميقة قبل أن تستأنف:
“المهم، لم يكن الأمر من فعل كيسي.”
عندها انفجرت ليليانا قائلةً:
“فلِمَ إذن؟ لِمَ مات أبي؟ أما كان يحقّ لي أن أعلم؟! رأيته مرة واحدة فقط بعد ثماني سنين، لكنه أبي! ومع ذلك لم أستطع حضور جنازته، ولا حتى زيارة قبره، إذ كنت طريحة الفراش! فكيف لا أعلم سبب وفاته؟!”
سكتت باسكا، ولم تنبس ببنت شفة.
عادت ليليانا تسأل، وقد غلبتها العبرة:
“وأين كيسي الآن؟ حين توفي أبي، ماذا كان يفعل؟ أما كان معه؟ وهل هو آمن الآن؟ هل يتصل بكِ؟ ما الذي يصنعه وهو وحده؟”
وبكت، إذ انفجرت دفعةً واحدة بكل ما كتمته من هواجس طوال تلك المدة. فأمسكت باسكا بيدها وربتت عليها.
“لا تقلقي. إنما هذه الطريقة أيسر في ترتيب الأمور.”
فاحتدت ليليانا:
“ترتيب؟ ولِمَ أنتِ من يرتب حياتي؟ لقد بلغتُ سنّ الرشد! أستطيع أن أعتني بشؤوني!”
قالت باسكا بلهجة هادئة لكنها قاطعة:
“لكنّك بالغةٌ ينقصك عامان من حياتك. لا تعلمين كيف مضت الدنيا في غيابك.”
جرحت كلماتها قلب ليليانا. حاولت أن تخنق غضبها وقالت بخفوت:
“فإذن، أخبريني على الأقل لماذا تحجبين الحقيقة عني.”
“لأنك لا تحتاجين إلى معرفتها.”
ساد الصمت. هبطت أنفاس ليليانا. فقد عرفت أنّ الجدال بلا طائل. لطالما سألت هذا السؤال، وكانت الإجابة دومًا على هذا النحو. وستغادرها باسكا إلى كيلتا ولن تعود قريبًا. فما جدوى الإلحاح؟
كان ذلك أول مرّةٍ في حياتها تُعرض عن خالتها. منذ وفاة أمها لم تُخفِ عنها شيئًا: أفكارها، طموحاتها، مستقبلها. أما الآن، فبينها وبين باسكا فراغٌ من عامين لا تريد الخالة أن تسدّه. فإذاً، كان على ليليانا أن تترك الأمر بيدها.
قالت باسكا بنبرة رقيقة حازمة:
“ستفهمينني يومًا ما.”
“حسناً.”
كانت كلمةً قصيرة، لكن ما وراءها طويل. فقد قررت في قلبها أنّها ستدبّر شأنها بنفسها، سواء استعادت ذاكرتها أو تغيّر الحال من حولها. لن تبقى أسيرةً تحت جناح خالتها بعد الآن.
دخل الترام المحطة، ولم تلتفت ليليانا إليه. تبادلت مع خالتها نظرةً أخيرة، وفي عينيها دموعٌ متلألئة. حسبت نفسها جامدة المشاعر، غير أنّ باسكا رأت في عينيها الزرقاوين لهيبًا هادئًا. كانت تعرف ما يجول بخاطرها، كيف لا وقد عاشت معها سنين، ورأت من الدنيا قبلها ما يكفي.
أُغلقت أبواب الترام وانطلق، وترك وراءه ليليانا واقفة وحدها. أرسلت خالتها ورجعت وحيدةً إلى مدينةٍ غريبة لا يربطها بها رباط.
—
“إيدنفالن، المحطة التالية هي إيدِنفالن!”
استفاق داميان من غفوةٍ وهو على القطار، فهبّ يتمطّى ويتثاءب قبل أن ينزل. ولما خرج من المحطة، وجد عربةً تنتظره كما في المرة الماضية. ولم يكن في نيّته أن يسير على قدميه. فاقترب من العربة، فإذا بالسائق نفسه، ذاك الذي التقاه من قبل، واسمه على ما يذكر: كارل.
قال السائق بدهشة:
“أنت ثانيةً؟”
قال داميان ببرود:
“نعم. لي أمر أتحقّق منه.”
وركب العربة وهو يقول:
“إلى شارع فيلبوس، رقم أربعة عشر، لو تكرمت.”
فعجب كارل:
“ماذا؟ هناك ثانيةً؟ ظننتُك أنهيت شأنك المرة الماضية!”
فاكتفى داميان بهز كتفيه:
“قلتُ لك إن لي ما أستوثق منه.”
فلما همّ أن يغادر العربة، استسلم كارل:
“حسناً حسناً، فهمت! لا أدري ما الأمر، لكن هيا بنا.”
وانطلقت العربة حتى وقفت عند البيت المهجور الموحش.
سأل داميان قبل أن يترجل:
“أما هدموا هذا المكان بعد؟”
قال السائق:
“ما سمعت شيئًا عن ذلك.”
“ومن يملك الأرض؟”
“أحسب أنّها تعود إلى البارون بينبريك المتوفى.”
“إذن فملكيّتها آلت إلى وريثه.”
“لا شك.”
“همم…”
اقترب داميان من الخراب وهو يستعرض ما راوده من أفكار منذ آخر زيارة. فسأله كارل وقد تبعه:
“أوجدت ما كنت تبحث عنه؟”
قال:
“لا أدري. أتيتُ لأتحقق من ذلك.”
وتأمل المبنى الصامت. ثم خطر له:
“أما كان أهل هذا البيت يربّون كلبًا؟”
“كلب؟ آه… أظنهم كانوا كذلك.”
“أفنيَ الكلاب أيضًا في الحريق؟”
وقد تمثل في ذهنه صورة تيمو الكلبة وصغارها. فهز كارل رأسه حائرًا:
“لا أعلم على وجه اليقين.”
“أفهِمت.”
شعر داميان بمرارةٍ في حلقه. لو أنّ الكلاب هلكت أيضًا، لزاد الأمر وطأةً على قلبه. ولما همّ أن يلج البيت، انتفض فجأة واستدار. لم تكن عيناه على السائق كارل، بل على الأدغال بجانبه.
التعليقات لهذا الفصل " 43"