لمّا سمع داميان تلك الكلمات، أدرك أنّ قلب الإنسان صاحب مكرٍ وتقلّب.
‘مهما يكن الأمر الذي سيجرّني إليه، ما دام لا يضيرهم، فلماذا لا أغتنم الفرصة؟ فلو ظفرتُ بيد (آشر أولون) الاصطناعية وعملتُ بها عملاً شاقّاً، لكان تجارةً غير خاسرة.’
رمق بنظره المرهق كسمكةٍ تتردّد: أتقضم الطُعم أم لا؟ ثم قال:
“فكم يكون الأجر إذن…؟”
أجابت باسكا بهدوء:
“إلى جانب يد (آشر أولون)، فإنّنا نقترح دفع خمسين ألف هيرك عاجلاً كعربونٍ للعقد، ثم راتباً شهرياً قدره عشرة آلاف هيرك. وإن شئتَ الزيادة أمكننا التفاوض.”
فكتم داميان سُعاله وقد كاد يشرق.
“وما مدّة العقد…؟”
ابتسمت باسكا وقالت:
“لو كان الأمر لي وحدي لجعلت مدّة العقد ما شئت، لكنّ لنا في الأمر رأس مالٍ واستثمار…”
‘حتى لو نطقتْ بلفظ (عقدٍ أبديّ) لما عَجِبتُ!’ قالها في نفسه. غير أنّ ما اقترحته باسكا كان أقصر بكثير.
“أودّ أن تعمل عندنا أقلّه ثلاث سنين، وأكثر من ذلك إن شئت. ثمّ إن رغبتَ في التجديد فليكن بعقدٍ سنويّ.”
هنالك شهقت ليليانا بدهشة:
“خالتي! أليست ثلاث سنين طويلةً جدّاً؟ كنتِ تقولين من قبل إنّ العلاج لا يستغرق إلا سنة! فكيف أمكث هنا ثلاث سنين؟”
قالت باسكا:
“ومن يدري ما يخبّئه الغد؟ فإنْ اضطررنا إلى مغادرة نيهيرو قبل انقضاء المدّة فبالإمكان فسخ العقد وإعطاؤه تعويضاً.”
داميان بدوره ازداد حيرةً إذ رأى كلتيهما تريان ثلاث سنين أمداً بعيداً.
“أتُسرفون بعشرات الآلاف من الهيرك لمجرّد استئجار رجلٍ ثلاث سنين؟”
فرفعت ليليانا كتفيها قائلة:
“ألم أقل لك؟ قد يفضي الأمر إلى الموت. فاعتبره بدلَ حياة، وستجده زهيداً.”
فأجاب داميان متجهّماً:
“حتى الجنديّ المقاتل في الحرب لا ينال مثل هذا الراتب! ثمّ لو قَبِلتُ وركّبتُ يد (آشر أولون)، فهي أداة لا تستعمل بين عشيةٍ وضحاها. أقلّ مدة هي ستّة أشهر من التدريب وإعادة التأهيل.”
قالت باسكا:
“بالعزيمة قد تتمكّن في ثلاثة أشهر.”
فنظر إليها داميان بريبة، لا يدري: أتسخر به، أم جادّة، أم تريد منه أن يُثبت جدارةً بما يُدفع له؟
قالت باسكا بصوتٍ عذب:
“أليس العرض حسناً يا سيّد داميان؟”
‘ليس حسناً فحسب… بل أشبه بالمعجزة! وهذا ما يثير الريبة أكثر.’
ثم أسند ذقنه إلى كفّه وقال:
“ألعلّك عرضتِ هذا الأمر على أحدٍ غيري؟”
“لا. أول من أبوح له به هو أنت.”
“وإن أنا أبيتُ؟”
“فحينها أطلبُ غيرك.”
“وبذات الشروط؟”
“ذلك أمرٌ رهنٌ بالظروف.”
فتنهّد داميان مطرقاً، فبادرت ليليانا إلى الزفير قائلة:
“ألا ترى؟ بإمكانك أن ترفض دون حرج. أعلم أنّ خالتي تُلزمك بما لا يلزم، فإن رفضت فلن أحمل عليك شيئاً.”
فأومأ داميان إيماءةً يسيرة وقال:
“إذن، فأنا….”
قالت باسكا مقاطعة:
“نعم، لقد أرهقتُك بما لا يطاق.”
“بل أقبل العمل.”
ارتجّت ليليانا:
“كنتُ واثقةً أنّك سترفض! ما هذا؟ أتعي ما أنت مُقدِم عليه؟”
لكن باسكا دفعتها برفقٍ جانباً واقتربت من داميان بلهفة:
“أتقولها صدقاً؟ ستتولّى الحراسة؟”
“نعم.”
فأشرق وجه باسكا سروراً، بينما شهقت ليليانا وهي تمسك رأسها بكلتا يديها.
“لِماذا؟!”
فقال داميان هادئاً:
“لقد تبيّن لي أنّ هذا العالم وإن كان ظالماً، فليس يخلو من مخارج. مشكلاتي تكمن في يدي، وفي العمل، وفي السكن؛ كلها تُحلّ بعقدٍ واحد. وأيّ عاقلٍ يرفض؟”
قالت باسكا متهلّلة:
“أجل! ما دمتَ مضطراً للإقامة في فندق، فإني أستأجر لك غرفةً أخرى في بيت ليليانا لتكون أكثر قرباً وسهولة في الحراسة، فهل يرضيك ذلك؟”
فالتفت داميان نحو ليليانا قائلاً:
“إذن انتهت جميع متاعبي.”
لكن ليليانا صاحت مرتبكة:
“لا… لااا!”
ثمّ بعثرت شعرها بكفيها وقالت دامعة:
“أتدرك أنّك قد تموت؟”
قال داميان وهو يخفض حاجبيه:
“بل أنتِ، ليليانا، ما الذي يجعلكِ على شفير الهلاك؟ كصديقٍ لك أرى أن أعرف.”
قالت محتجّة:
“ألم تسمع؟ قد تموت!”
فابتسم بمرارة:
“مَن ذاق الحرب لا يُفزعه مثل هذا الكلام… لا أقول إني أتمنى الموت، كلا. لكنّ الفرار الدائم منه أمرٌ سخيف.”
“فأنت لا تريد رفض العمل إذن؟”
“بل قبلتُه لأنني قلقٌ عليك أيضاً.”
شهقت ليليانا متردّدة:
“ما…”
قال داميان بصرامة:
“قد لا أعلم سبب هذه الورطة، ولا لِمَ اخترتِني أنا بالذات. غير أنّ سيّدة باسكا لم تمنعكِ من أن تكلّمني بالأمر، وهذا يعني أنّكِ ترينني أهلاً للثقة، كصديق. فدعيني أعرف ما الذي يتهدّدك، لأفكّر في كيف أُعينك.”
تمتمت ليليانا بصوتٍ خافت:
“داميان… لقد سرّني قولك، لكن…”
فأضاف:
“ثمّ إنّني سأجني مالاً مشروعاً، وذلك حسن.”
فسكتت ليليانا وقد غلبتها الحُجّة، فالعرض في حقيقته حلّ لمعضلاته جميعاً. بل إنّ وجوده حارساً لها ليس بالأمر السيّء، فقد علمت كم أضنت خالتها باسكا من قبل. ومع ذلك لم يخلُ قلبها من ضيق، إذ بدا كأنها تجرّه إلى متاهاتها الشخصية.
فارتجفت ساقاها تحت الطاولة وقالت مستسلمة:
“فليكن إذن على هواك.”
“حسناً.”
ثم دفع داميان كوب قهوته الباردة بعيداً وقال:
“فأخبريني الآن بما يلزمني. قلتِ إنّك لن تُفصحي عن التفاصيل، لكن لا بدّ أن أعرف الحدّ الأدنى لأحميها. ممّن أحرسها؟”
نظرت باسكا إلى ليليانا ثم قالت:
“ثمة من يريد أذى ليليانا. سيأتي بغتةً بلا إنذار. وحينها عليكَ أن تحميها.”
“ومن عساه يكون؟”
“لا استطيع الآن أن أبوح.”
“ولِمَ؟ إن جهلتُ العدو فكيف أستعدّ؟”
قالت باسكا وهي ترتشف من فنجان شايها وتنظر من طرف عينها في أرجاء المقهى:
“لأنّ في المكان عيوناً وآذاناً كثيرة.”
فأدرك داميان مرادها وألقى بدوره نظرة جانبيّة إلى القاعة، فإذا الطاولات ملأى بالناس.
التعليقات لهذا الفصل " 41"