“أي، يا داميان! تلك هي لوحة السقف التي قيل إنّها من إبداع الجهبذ لوكيوس! بحقّ خالق السماء، إنّها آية!”
“داميان! انظر إلى هذا! إنّه خزف جُلب من المشرق! والأسلوب المرسوم على الخزف فريد غاية الفُرادة!”
“داميان، داميان! هذا النُّصب المرمري من فرط دقّته يبدو أصدق من الحقيقة ذاتها. كيف عسى إنسان عاش قبل ألف عام أن يصنع شيئًا كهذا؟”
أدرك داميان متأخّرًا أنّه إذا أُلقِيَ بذي تخصّصٍ في الفنون وسط حشدٍ من التحف والآثار فلا بُدّ له من الانفعال.
فحيث إنّ داميان – الذي لا دراية له بهذه الشؤون – رأى مجموعة القصر الملكيّ مدهشةً، فكيف بليليانا؟
أخذ داميان يتبع ليليانا بفتور، ويعيدها إلى موضعها كلّما همّت أن تتوغّل في ناحيةٍ غريبة.
“هذا جنون! كان يجدر بي أن أولد ملكة! إذن لرأيت مثل هذا كلّ يوم!”
والعجب أنّها قبل ساعاتٍ معدودة لم تكن تنظر إلى سلالة الملوك سوى بنظرةٍ ساخرةٍ؛ إذ لم ترَ فيهم إلاّ من يمتصّ دماء الرعيّة حتى تَسقط عليهم مطارق الثورة الحمراء. فإذا بها الآن وقد غلب عليها الشغف بالسلطان!
“يسرّني أنّ الآنسة ليليانا وجدت هذا حسنًا.”
قال داميان ضاحكًا ضحكةً خفيفة، وهو يرقب ليليانا تجوب هنا وهناك، مبهورًا بمشهدها.
ولم يدرِ الاثنان أنّهما فيما كانا يطوفان بأروقة القصر، كانا ينسَيان أهمّ أمرٍ يتّصل بهما.
—
“……أتستطيعين بلوغ الحديقة المركزيّة؟”
سأل داميان، فإذا ليليانا التي كانت متّكئةً على مقعدٍ في ساحة القصر تهزّ رأسها نفيًا.
“وهل تقدر أنت يا داميان أن تبلغ شارع أوفال لتناول الطعام؟”
وكان داميان، هو الآخر، قد ألقى جسده متراخيًا على مسند المقعد، فهزّ رأسه نفيًا.
“ألم أقل آنفًا؟ السيدة ليليانا لا تزال مريضة، فلا يسوغ لها أن تُجهد نفسها…….”
وإذ بدا أنّه سيشرع في التوبيخ، عاجلته ليليانا بالكلام:
“اسمعْ، أنت أيضًا مريض. أتتظاهر بالقوّة وأنت تُعاني مثلما أعاني؟”
لقد دفع الاثنان ثمنًا لغلوّهما في الثقة بسلامة جسديهما.
فليليانا إذا ما استبدّ بها الحماس أثقلت على قلبها، وأمّا داميان – وقد فقد ربع كبده – فسرعان ما يستبدّ به الإعياء.
فما إن طافا بقصر روميلتوس أربع ساعات حتى أُنهِكا بالكلّيّة.
“بل حتّى الرجل السويّ لو طاف أربع ساعات بغير راحة لهلك.”
“وجنديٌّ سابق يئنّ من أمرٍ كهذا؟”
“قلتُ جنديٌّ سابق، أليس كذلك؟ السيدة ليليانا، أما عن الخطة التي ذكرتِ آنفًا، فهل كانت ممكنة التحقيق؟ لقد أنفقنا أربع ساعاتٍ على موقعٍ واحد حتى فاتنا وقت الغداء، فالجدول منذ البدء معيب.”
“آه…… كنتُ أظنّني قادرةً…….”
عضّت ليليانا على أسنانها كالمغتاظة، فيما كان داميان يتلفّت حوله، ثم ربّت عليها برفق:
“الآنسة ليليانا، آن أوان الرحيل.”
“آه…… لا أستطيع الحركة بعد…….”
“الناس يحدّقون بنا.”
فما كان منها إلاّ أن نهضت متلكّئة، وقد شحب وجهها، وسألت داميان:
“أفلا نذهب إذن لتناول الطعام؟”
وكان بطنها قد أخذ يقرقر بالفعل.
“لكن مطاعم هذه الناحية كلّها مبالغ في أسعارها…….”
وتردّد داميان لحظةً، ثم أدرك أنّه لا قِبَل لهما بالذهاب بعيدًا وهما على هذه الحال. فأخذ يبحث عن مطعمٍ قريب يصلح، مستخدمًا الطريقة التقليديّة.
فتوجّه إلى مركز الإرشاد في الساحة، وسأل الدليل السياحيّ عن مطعمٍ ملائم، فأرشده إلى واحدٍ قريب، ثم عاد داميان إلى حيث ليليانا.
“آنسة ليليانا، هنالك مطعم حسن في ذاك الاتجاه.”
غير أنّ ليليانا ما إن رأته حتى أشرق وجهها على نحوٍ مفرط:
“ههه، لمَ العجلة يا سيدتي؟ ما رأيك أن تبتاعي واحدًا فحسب؟”
قطّب داميان جبينه وأسرع إليه. لقد كان بائعًا متجوّلًا غير شرعيّ؛ فبيع التذكارات المتّصلة بالقصر محصورٌ بالمحلات المرخّصة. ولم يظنّ داميان أنّ أحدًا يتجرّأ على مثل هذا بين أنظار الحرّاس، فإذا بالرجل يُلحّ على ليليانا إلحاحًا وقحًا.
ورفعت ليليانا بصرها إلى داميان كأنّها تستغيث به، وقد أعياها رفضه مرارًا؛ فالرجل عنيد، وزاد الأمر أنّه رجل وهي وحدها.
“من أنت؟”
قال داميان بوجهٍ متجهّم وهو يدفع البائع بعيدًا ويستبقي ليليانا وراء ظهره:
“هل أصابك شيء؟”
“لقد رفضتُ مرارًا، غير أنّه لم يكفّ عن مضايقتي…….”
لقد راعها الأمر حقًّا، فمهما يكن المكان عامرًا بالناس، فأن يُلحّ رجل غريب بذاك السواد عليها كان مفزعًا.
“دعكِ منه آنستي. لسنا بحاجةٍ لمبتاعته، فكلّها غشّ، وأنا أعلم متجرًا بسلعٍ أجود، فلنذهب إليه بعد الطعام.”
فلوّح البائع بيده وقال لداميان:
“آه، يا سيّدي، لمَ هذا؟ فالتذكارات كلّها سواء، وسلعي أرخص. لم لا تُلقي نظرةً واحدة؟”
وأخذ يدنو ببضاعته. فاغتاظ داميان وقال بصرامة:
“انصرفْ قبل أن أُسيءَ إليك.”
وارتجفت ليليانا خلفه، فقد كانت هذه أوّل مرّة تسمع داميان يتكلّم بمثل هذه الحدّة.
أمّا البائع فتبسّم وقال:
“أهذا سباب؟ ما كان يجدر بك ذلك.”
وإذ ذاك، دُفعت ليليانا من أحدٍ مرّ بجوارها. كان رجلاً صغير القامة يعتمر قبّعة قشّ. لم تنتبه إليه كثيرًا، إذ كان ذهنها مشغولًا بجدال داميان مع البائع. وإنّما ارتطمَت بظهر داميان ارتطامًا خفيفًا، فالتفت إليها قائلًا:
“سيدتي ليليانا، أأنت بخير؟”
“نعم. لا شيء. أحدهم دفعني فحسب.”
ولم يعتذر ذاك الرجل، بل اختفى في الزحام. وأثناء تفحّص داميان لليليانا، إذا بالبائع يتراجع متظاهرًا بالاستسلام:
“ههه، إن كنتِ لا تريدين، فأنصرف. مع أنّي أبيعها بثمنٍ لا يُعوَّض…….”
ثم ولّى مسرعًا، فيما داميان يرمقه حتى ابتعد.
“داميان، إنّي بخير. فلنذهب.”
قالت ليليانا وهي تجذب ذراعه. فتنفّس الصعداء وقال:
“كثير من أمثال هؤلاء في المواضع السياحيّة. فلا تلتفتي إليهم من بعد.”
“حسنًا. فلنأكل، ثم نذهب إلى المتجر الذي ذكرتَ.”
وبينما كانت ترتّب حقيبتها، أحسّت أنّها خفّت وزنًا. فتحتها، فإذا وجهها يتجمّد. وأخذت تفتّش فيها بجنون. فسألها داميان بوجهٍ متغيّر:
“سيدتي ليليانا، ما بالك؟”
“ضاعت…….”
ونظرت إليه بعينين مذهولتين:
“محفظتي ضاعت. “
فالتفت داميان نحو الجهة التي انصرف منها البائع، وارتفع صوته بلا شعور:
“ذلك الحقير كان متواطئًا مع النشّال!”
لقد كان البائع يشغل السائح بجداله حتى يقتنص شريكه المحفظة، فإذا اكتشف الضحيّة الأمر كان اللص قد اختفى.
وكان هذا الأسلوب ذائعًا بين أهل السياحة هنا، غير أنّ داميان – وقد عاش في نيهيـرو – لم يخبر مثل هذه الحيل من قبل. وحقًّا كان المثل شائعًا هنا: ‘يُسلب المرء أنفَه أمام عينيه.’
التعليقات لهذا الفصل " 34"