وانحدرت حاجباه كالمعتذر. لم يكن ذلك ادّعاءً بل حقيقة؛ إذ كان يجد الأمر غريباً حقاً. فلم يسبق له أن صحب صديقةً تكبره سنّاً. أجل، كانت له نسوةٌ أكبر منه مقاماً في الجيش، وكنّ دونَ غضاضةٍ يتلقّين كلامه بغير تكلّف، لكن أن تكون الصلة صداقةً خالصة فذلك شعور آخر.
‘المرأة التابعة يمكن أن تُدار بعض الشيء، أمّا الصديقة فلا يجوز أن تُعامَل كذلك. فإن تخلّيتُ عن التكلّف في الخطاب خرج مني ما اعتدته مع المرؤوسين من شدّة وجفاء.’
“حين يحين الأوان أفعل.”
“كما يطيب لكَ يا داميان.”
ثم عضّت شفتها كأنها آسفة، وقالت:
“على أنّي حين أتفكّر، أرى أنّا لم نصنع اليوم شيئاً مثمراً. لم تُحلّ مسألة مالك، ولم تتمرّن على الخط كذلك.”
“ألا يلزم أن يكون للمرء أيام كهذه أيضاً؟”
وإذا به يتأمّل في نفسه فيجد أن مثل هذا اليوم عجيب عليه. فلم يكن له صديق، ولم يجلس من قبل مع قريبٍ في مقهى يتبادلان أحاديث تافهة بلا غاية. بل لم يشعر قط أنّه محتاج إلى ذلك.
حتى في أيّام دراسته بالأكاديميّة كان منطوياً على نفسه، فلا يمرح مع أقرانه ولا يجادلهم. وهكذا كان اليوم أول مرّة يجلس فيها مع أحدٍ في علاقة صداقة، يتبادلان أحاديث لا خطر لها، ويعرّف كلٌّ منهما الآخر بشيء من أحواله.
قالت (يليانا:
“على كلٍّ، لا أدري ألستُ أضيّع وقتك؟”
“ليس لي ما أصنعه على أيّ حال.”
“أفما لك أصدقاء تلقاهم؟”
“ما لي أصدقاء.”
“ولِمَ؟”
“هكذا صار.”
وكما كان يجيب حين يُسأل عن فقد والديه بالجواب نفسه، كذلك فعل الآن، فتركها متحيّرة تحدّق فيه بعينٍ قلقة.
‘أيمكن لإنسان، وهو كائن اجتماعي، أن يعيش هذا القدر من الانعزال؟’
هكذا فكّرت. فقد كان داميان حتى في الجيش يميل إلى الصمت والانزواء بلا اختلاط. أقرانه من هم في سنّه كانوا دونه في المنزلة فيستثقلون مجالسته فيتجنّبونه، وأمّا من هم فوقه عمرا، كـنيكول ونظرائه من الرقباء، فكانوا يعاملونه كأخٍ أصغر، ولكن لم يبلغوا معه مرتبة الصداقة.
قال داميان بصوتٍ فيه بعض التكلّف:
“والآن وقد صرتِ صديقةً لي، فهل تأذنين أن نلتقي حيناً بعد حين؟”
فأشرق وجه ليليانا وقالت مبتهجة:
“طبعاً! ألستُ أنا من طلب منك أن تَرشدني في نيهيرو؟ فكان الأحرى أن أقول أنا ذلك لا أنت!”
“أوجدتِ لكِ منزلاً في نيهيرو؟”
“خالتـي استأجرت لي منزلاً قريباً من المشفى. على بُعد محطّتَين بالترام.”
“هكذا إذن.”
‘وثمّةً غلاء في أرض ذلك المكان… ترى ما شأن باسكا؟ وما مدى ثرائها؟’
لكنّه كتم فضوله ولم يسألها صراحة.
“أرى أنّ وقت الانصراف قد أزف. أأرافقك؟”
“آه… لقد تأخّر الوقت بالفعل؟”
فقامت، فنهض معها داميان.
“أما تحتاجين إلى مَن يُعينك في حمل أثاثك؟”
“سأستأجر عمّالاً.”
فأدرك أنّها ستعتمد على المال مرة أخرى، وقالت وهي تستدير إليه بابتسامة:
“بعد أن أرتّب الأثاث غداً أو بعده فلنخرج معاً!”
“أفي يومٍ واحد تفرغين من ذلك؟”
“ليس لي أثاث كثير. إنما أحضر الحاجات الضروريّة، وتبعث خالتي بما بقي شيئاً فشيئاً.”
“لم أقصد ذلك، بل أعني أن جسمك سيتعب. فإنّ نقل الأثاث يستنزف الجهد.”
قالت بعد تفكير:
“لعلّي أطيق.”
لكنّه هزّ رأسه نافياً وقال:
“استريحي ثلاثة أيّام.”
فغامت ملامحها وقالت:
“ماذا؟ سأموت من الضجر! إن لم تخرج معي فسأذهب وحدي!”
“لا. ومهما يكن، إن خرجتِ وحدك فلن تجدي المتعة كما تجديها برفقتي.”
قالت متردّدة:
“ذاك صحيح، ولكن…….”
ثم نظرت إليه شزرًا وقالت:
“أتظنّني فأرةً محصورة في الزاوية؟”
“لن أزعجك، فاستريحي ثلاثة أيّام.”
قالت بغيظٍ طفولي:
“أف، بئس هذا الطغيان! ألستَ أمّي حتى تأمرني هذا الأمر؟ لا أطيق ظلمك! أف~”
“إن كان لك عزيمة ألا تريني وجهك أبداً، فافعلي.”
قالت مذهولة:
“ما أقساك!”
فلم يغيّر داميان وجهه، بل صحبها إلى غرفتِها. وقبل أن تدخل أطلقت شهيقاً غاضباً وأغلقت الباب بعنف.
‘فما الأرنب وإن قفز وقفز إلا أرنب.’ هكذا قال داميان في نفسه. فلم يكن يخشاها قط.
وبعد أيام، دخل فتى وسيم إلى متجرٍ للزهور في الصباح الباكر، فاستقبله صاحب المتجر، وكان يتهيّأ لفتح باب الرزق، بابتسامة.
وكان الفتى واقفاً بين زهورٍ زاهية الألوان، حتى خُيّل أنّه صورة فنيّة نابضة بالحياة. شعره بنيّ قاتم يلمع سواداً في الظلال، وعيناه بلون الزجاج الأزرق الرمادي تلمعان بصفاء، حتى إنّ ملامحه الجادّة بدت أنيقة.
“ألَكم زهورُ الزنبق الأبيض؟”
فأخذ البائع باقةً كبيرة من جانب وقال:
“ألعلكَ ذاهب إلى لقاءٍ غرامي؟”
“ليس الأمر كذلك. أوَتبيعون آنيةً للزهور كذلك؟”
“إن كنتَ تريد أن تضعها مع الزنبق، فهذه آنية زجاج جميلة تلائمها.”
“أعطني إياها مع الزهور. إنما هي هديّة، فالرجاء أن تُهيّئها بالزينة.”
فهيّأ البائع الآنية في صندوق ولفّ الزهور بأناقة، ثم قال ضاحكاً:
“كان من يكون، فإنّ من ينال هديّة كهذه من فتى وسيم مثلك، سيسعد يومه كلّه.”
قال داميان:
“……شكراً على الثناء.”
ثم أخذ ما لفّه البائع وخرج، وكان لا ذراع له من ناحية، فحمل الأغراض بكيسٍ يتدلّى من ساعده الوحيد.
وبين يديه ورقة فيها عنوانٌ كان يبحث عنه. فتأكّد أنّه بلغ المكان، فإذا به بناء فيه مقهى في الطابق الأوّل. ووقف أمام لائحة الأسماء، فإذا على باب شقّة ليليانا شارةٌ تدلّ على تكريم وطنيّ لمجاهدٍ في سبيل الاستقلال. ولم يُلقِ لذلك بالاً، بل ضغط زرّ الجرس، فانفتح الباب على الفور كأنما كانت تنتظره.
خرجت ليليانا فرحة وقالت:
“مرحباً، داميان! هيا بنا!”
ولم تدعه حتى يُلقي التحيّة، بل اندفعت خارجةً. فأمسك هو بطرف ثوبها وأخرج ما بيده وقال:
“كيف كانت أيّامك الماضية؟ هذه هديّةٌ بمناسبة انتقالك.”
قالت بفرح:
“يا للعجب!”
وضعت يديها على فمها وضحكت، ثم عجِلت ففكّت الغلاف أمامه وأخذت باقة الزهور في صدرها وقالت:
“أتعمدتَ أن تختار الزنبق؟ هذا حسن، فقد كان سطح الطاولة خالياً.”
“أولم تُقم السيّدة باسكا معك؟”
“خالتي جاءت يوم الانتقال ثم رجعت. فبقيت ثلاثة أيّام مملة، لأن السيد فلان أمرني أن أبقى بلا حركة.”
موروها. فلان مش فُلان
“كنتُ أودّ أن أحيّيها. بلّغيها السلام.”
“حسناً. لكن هذا ليس المهم الآن……”
ثم شكرت على الهدية، وعادت مسرعة لتضعها في البيت، فلم تمض دقائق حتى رجعت.
“رويدكِ يا آنسة ليليانا، لا تركضي.”
قالت باستهجان:
“أتظنّني طفلة؟”
“وإن كنتِ، فالركض مضرّ بقلبك.”
“لا بأس، لا بأس.”
ثم وقفت متدلّلة، واضعةً يدها على خاصرتها. وكان هذا أوّل مرّة يراها في ثيابٍ غير ثوب المرضى، فاستغرب المنظر.
التعليقات لهذا الفصل " 32"