“ثمّة سبيلٌ يجمع بين حلّ مشكلة المال ومشكلة السكن معًا! أما تفكّر يا دمايان في الالتحاق بالجامعة؟”
قال مندهشًا:
“هاه؟ الجامعة؟”
فأجابت بحماسة:
“نعم! ألا ترى أنّ خريج الجامعة يُتاح له مجالٌ أوسع في اختيار المهن؟ أكان لك سبب في أنّك لم تلتحق بها بل انخرطتَ مباشرة في صفوف الجيش؟”
قال داميان بصوتٍ هادئ:
“قبل عامين لم يكن لديّ ما يكفي من المال لأدفع رسوم التسجيل في الجامعة، ولم تكن درجاتي بالرفيعة حتى أطمع في منحة دراسية. لكن أخبريني، ما شأن الجامعة بحلّ معضلة المال والسكن؟”
فأجابته ليليانا بوجهٍ جادّ:
“ألا ترى أنّه لو تيسّر الأمر، لكانت الجامعة خيرَ مهربٍ ومخرج في ظرفك هذا؟ أرى أنّك لو بذلت الوسع وسعيت إلى منحة دراسية تلتحق بها، لما كان ذلك بالسيّئ. حتى وإن بدأت الاستعداد للامتحان من الآن فلستَ متأخرًا. ألستَ قد ادّخرت شيئًا من نفقات المعيشة يكفيك إلى العام المقبل؟ إذا قُبلتَ في الجامعة في المرتبة الأولى نلتَ منحةً، وزيد عليها دعمٌ لنفقة السكن في المهاجع، وحتى إن لم تُحصل على المنحة كل مرة، فيمكنك أن تعمل عملًا جزئيًا في العطلة فتجمع من المال ما يسدّد القسط. ثم لا تنسَ أنّك جنديّ محارب! فهناك جامعات تمنح أمثالك امتيازات خاصة.”
فعند هذا رمش داميان بعينيه متفكرًا وقال متمتمًا:
“الجامعة…”
قالت ليليانا:
“لو نظرتَ الأمر بزيادة لوجدتَ فيه فائدة… آه، ها هم ينادونني. لنؤجّل الحديث إلى ما بعد العلاج! نلتقي في المقهى المعتاد! وإن وصلتَ قبلي فأنا أطلب كراميل ماكياتو!”
وما إن همّت بالركض إلى غرفة العلاج حتى استوقفها داميان:
“ليليانا!”
قالت ملتفتة:
“ما الأمر؟”
فارتدّت خصلات شعرها الذهبي في الهواء على هيئة قوسٍ بديع، فرآها داميان في تلك اللحظة محببة إلى النفس. ثم ألقى عليها نظرةً إلى ثوبها الأبيض الرقيق، وقال:
“اليوم، حين تخرجين، أضيفي على ثيابك معطفًا فوقها.”
فأجابت مازحةً:
“آه، حاضر حاضر!”
ثم رفعت يدها مقلّدةً تحية الجند، فضحك داميان في نفسه وقال:
‘أشبهُ بالأرنب…’
وبعد أن خلا بنفسه قليلًا، سرَت إلى خاطره صورة السيّدة لينتري، فأخذ يعيد ترتيب الانطباعات التي طالما وسمت نفسه عنها. لقد تراءت له في داخله شقراءَ الشعر، غير أنّ لون العين لم يتبيّن بوضوح، غير أنه كان يتخيّل فيه نورًا دافئًا وعقلًا راجحًا. وأما سلوكها في خياله فكان فيه أناقةٌ وظرف، وإن لم تُصنّف في صفوف “الفتاة المثالية” كما يُراد عادةً، بيد أنّها طاهرة الروح.
تخيّل لها عينيْن مائلتي الطرف برفق، وأنفًا شامخًا، وشفتين كأنهما صُبغتا بعصارة فاكهة حمراء، ووجهًا لا تفارقه سكينة ولطف.
وبينما كان في المقهى يسبق ليليانا بعد أن فرغ من العلاج، راح يُطيل التفكير. ثم أخذته هاجسةُ أنّه قد رأى شبيهًا لهذا الطيف من قبل. فأجهد ذاكرته حتى قال في نفسه:
‘آه.’
لقد كانت صورة وجهٍ عرفه في لوحة قديمة للحارسة بافالتي، تلك التي قيل إنها هبطت إلى الأرض قبل ثلاثمائة عام، وسمّيت هبة الله. وكان وجهها في تلك الصورة شبيهًا أشد الشبه بما يراه الآن في خياله.
‘أتُراه خيالًا مبالغًا فيه؟’
ثم قال في نفسه: ‘ولكن إن سُئل المرء أن يتصوّر مخلوقًا ساميًا لم يره، فهل سيضع في ذهنه إلا أبهى صورة يقدر عليها؟’ هكذا كانت لينتري في ذهن داميان. ومع ذلك فقد بقي يتساءل في نفسه إن كان لا يزيّن صورتها أكثر من اللازم.
وإذ هو كذلك إذا بصوت ليليانا المرح يدخل على خواطره قائلة:
“بمَ تفكّر؟ هل لا زلتَ تسترجع ما قلتُه لك؟”
وكانت قد لبست فوق ثوبها الأبيض سترةً وردية دافئة كما أوصاها. فنظر إليها داميان متأملًا وهو يفكر:
‘حقًا، إنها تشبه الأرنب.’
فهي، وإن كانت جميلةً نقية، إلا أنّ في صفاء القديسة بافالتي ما ليس فيها. فقد بدت له كأرنب يقفز مرحًا، جبهتها مستديرة، وملامحها دقيقة صغيرة، وفمها الصغير لا يكاد يهدأ حين تتكلم.
قالت مبتهجة:
“انظر! لقد اشترت لي خالتي بعض البسكويت!”
ورفعت علبة معدنية صغيرة كأنها غنيمة ثمينة.
“مع القهوة سيكون طيبًا الطعم. وقد استأذنتُ صاحب المقهى في إدخال طعامٍ من خارج، فأذن لي.”
ثم فتحت العلبة وأسرعت تأخذ منها قطعة، وقضمتها بأسنانها، وأخذت تمضغ كالأرانب. ففكّر داميان ساخرًا:
‘أما كان يكفي شبهها بالأرنب دون هذا أيضًا؟’
ثم قدّمت إليه العلبة قائلة:
“هاك يا داميان، ذق.”
فأجاب وهو يهز رأسه:
“أعذريني، لا أستطيع تناول الحلويات.”
وما إن قالها حتى شعر أنه قسا في الردّ، فأراد أن يعتذر بزيادة، لكنه فوجئ بها تبتسم قائلة:
“ما بالك، بمَ تفكّر الآن؟”
قال مرتبكًا:
“ها؟”
قالت مداعبةً:
“لماذا تبتسم بهذه الطريقة؟ وأنتَ مَن لا يضحك عادةً!”
قال متحيرًا:
“أكنتُ أبتسم؟”
قالت وهي تضع يدها تحت ذقنها وتضحك خفية:
“نعم. لقد عدتَ الآن إلى جمودك، لكنك قبل قليل كنتَ تبتسم. ولو كنتَ تفعل ذلك دائمًا لكان خيرًا. فأنت أمامي لا تفعل إلا أن تقول: ‘نعم فعلت’، ‘لا لم أفعل’ بوجهٍ كالح لا حياة فيه.”
ثم قلّدته بصوتٍ جادّ فبدت ساخرةً، لكنه لم يعِ نفسه على ذلك.
“أهكذا أنا؟”
“نعم! وهذا الجمود يُذهب نصف وسامتك. لا تُهدر وسامتك، قصّر شعرك قليلًا حتى لا يحجب عينيك الزرقاوين المائلتين إلى الرمادي، وسترى أن الناس يقولون عنك أجمل بكثير! أما بشرتك فهي حسنة الأصل، فلا تحتاج إلى كثير عناية(؟). يكفي أن تُصلح شعرك وتبتسم!”
وكانت كلماتها صادقة نابعة من قلبها، فدهش داميان؛ إذ لم يسمع من أحدٍ هذا القدر من الصدق في النظر إلى وجهه.
التعليقات لهذا الفصل " 30"