[لأجل السيد الملازم، الذي صار وطنه كالضبابٍ غير واضح، أصف له المشهد الذي أتأمله الآن: أكتب هذه الرسالة من حقلٍ عامرٍ بزهور القسموس*، كأنها جندٌ مصطف في صفوفٍ موحدة. الشمس لاهبةٌ فاستظللت تحت المظلة. لا أدري كم هو أخّاذ منظر تلك الزهور الملونة تتمايل في نسيمٍ فوق بساط الأرض الخضراء. هل من ريبة لديك ريبية زهورُ القسموس؟ وإن وُجدت، فهل تختلف عن زهور إستاريكا؟ أشدُّ الشوق لمعرفة ذلك.]
توقف داميان عن القراءة، ثم دفع بالرسالة إلى أنفه، مستنشقاً عبيرها. فلاحظ أن اليوم عطرها اختلف عن سابقتها… حيث لاحت رائحة عشبٍ خافتةٍ بها.
[ وعلى التل المقابل، تزهر زهور الأقحوان بجمالٍ آسر، لكنني مللت رؤيتها منذ الربيع، فجئت اليوم أتأمل القسموس.
في الحقيقة، أود لو نكتب عني وعنك أكثر من الحديث عن الطبيعة. صدقاً: إلى أي درجة ذهنك خاوٍ حتى استعنت بأخبار الطقس؟ أنا كذلك! حديث الطبيعة بداية حسنة للحوار. قد تلمح من خلاله شيئاً من جوهر الإنسان.
أما أنا، فسأسأل: أليس لديك فضول لتعرف شيئاً عني؟ سأخبرك بقدر ما تسمح الظروف. وأتوق لمعرفة المزيد عنك! عن روتين يومك، أو ما جرى بين رسالتي ووصولها… أمور كهذه.
وإن لم ترد السؤال أو الإفصاح، فحديث الطبيعة ليس بذاك السوء. بيئة إستاريكا وليف مختلفة، ولكلٍ حديث سمائه. رجاءً أخبرني بما تحب أن نتحدث عنه.
في 21 يوليو 1878،
داعيةً لك بالنصر دائماً،
-لينتري”
بعثر داميان شعره البني متسائلاً:’حديث عني؟ وما الحديث الذي يُكتب؟’
‘ أقول: “اليوم رأيت أحشاءً تسيل من جثة مزقتها القذائف.” أيصلح هذا كرد؟’
أدرك فجأةً، بعد عام ونصفٍ في ساحات الوغى، أن داخله قد اعوجّ، فصار غريباً بعض الشيء.
لم يكن مستغرباً أن تعترض قدماه جثة بُترت من وقع المعارك، ورأى جرحى يتمنون الموت. عشرات المرات في النهار لم يفكر إلا في اختراق جماجم الأعداء.
هذه هي حياة الحرب… حياة الجندي.
لا مكان هنا للسلام الذي يعيشه الناس. كبستان القسموس وزهور التل حيث ستحرقها القذائف في غمضة عين.
هنا ترى برك الدم السائلة أكثر من الحقول الزمردية، والرماد المسود أكثر من زرقة السماء، وأعمدة الدخانية أكثر من لمعان الماء.
لن تريد رسالةً بهذا المحتوى.
جفّ ريقه، لكنه لم يرد كشف ذاته. ماضٍ أسود ليس فخراً يُروى.
بينما يحشر جسده في خندق المراقبة، يحاول اختلاق كلمات للرسالة، إذ سمع صوتاً يُلقي شعار المرور:
“سيدي الملازم، حان وقت التناوب.”
يبدو أنه الجندي البديل.
خرج داميان من الخندق الضيق، لكن ضيقه لم يزل: ماذا يكتب؟
سأل رفيقه الذي سار معه نحو الثكنات:
“أيها الرقيب تينانت، ماذا يُكتب في رسائل المجاملة؟”
التفت تينانت بابتسامة ملتوية:
“أهي امرأة؟”
“… امرأة كانت أم غيرها.”
أجاب داميان متأخراً، فقهقه تينانت بسخرية:
“أمور مثل: أشتاق إليك… أحبك…”
“ليست علاقتنا كذلك.”
أجابه داميان بفظاظة، لكن تينانت ابتهج بمضايقة رفيقه قائلا:
“الآن نعم، لكن المستقبل مجهول! وسيمك تجذب النساء. لو صقلت أبتسامتك لزادت وسامتك أضعافاً.”
“وكيف أصف من لم أر وجهه؟”
“أكتب قصيدة”
“لا موهبة لدي.”
“أأكتبها نيابةً عنك؟”
“اصمت. سأفكر بنفسي.”
“آه! أيها الملازم، أخبرني من هي على الأقل!”
“… صديقة.”
“ولكنك بلا أصدقاء!”
دلك داميان جفنيه. كيف شاع عنه هذا؟ كان يظن علاقاته طيبة.
“صديقة مراسلة.”
هز تينانت رأسه:
“آه، تلك الخدمة للجنود…”
“نعم.”
“هنيئاً! تقدمت لها ورُفضت.”
“فهل تكتب بدلاً مني؟”
“آه! لا أسرق امرأة رفيقي!”
“لماذا تظنها امرأة؟”
“لو كان رجلاً لرميت رسالته في المهملات بعد قراءة سطرين!”
حقاً… لم يفهم داميان سمعته أبداً.
“أيعني هذا أني لا أهتم إلا بالنساء؟”
سأل بنبرة حادة، فأسرع تينانت بنفي رأسه:
“أنت قاسٍ معنا، لكنك ألطف مع الضعفاء والنساء. صراحة، لم أتصور يوما أن تجيب على مراسلة. لكنها امرأة… فالأدب يمنع التجاهل.”
“أأفعل ذلك؟”
“أجل.”
حك رأسه بإحراج. لم ينتبه لسلوكه.
“اكتب براحة. الجديون مثلك ممّلون إذا حضروا كلماتهم.”
تنهد داميان، ندم على سؤاله. واصل تينانت ضحكه:
“أحذرك: مهما حدث، لا تعدها بوعد بعد الحرب.”
“ولماذا؟”
أمال داميان رأسه، فأجاب تينانت بجدية:
“في الروايات، من يقول: ‘سأتزوجها بعد الحرب’… يموت حتماً.”
“… “
ندم داميان على سؤاله له.
—
[سيدتي لينتري العزيزة،
سألت عني، لكني إنسان بلا ما يستحق السرد. حيرني أمر الكتابة طويلاً.
ثم أدركت: لا أملك شيئاً أحبه. أكره أموراً محددة، وأما سواها فليكن ما يكون.
ولا تسألي عن روتيني. لا أرفض الحديث عن نفسي، لكن حياة الجندي في الميدان لا تليق بأن تلقى على سيدة. لا أريد إرغامك على معرفة تشريح الجسد البشري.
لذا سأسألك عوضاً: ما الذي تحبينه؟ كيف يمضي يومك؟ من تكونين؟
أخبريني، وسأقتبس من إجاباتك في رسائلي!
في 30 يوليو 1878.
الملازم ماكورد،
وهو يبحث يائسا عن موضوع يثير اهتمامك.]
—
[أيها الملازم ماكورد المخادع!
صراحة، ظننتك تتصنع الغموض! لكن سرعة ردك أكدت صدقك.
عنواني يكشف أني أعيش في ريف إيدنفالن. معي أبي وخادمة لي. توفيت أمي صغيرة. بما أنك لا تعرف ماذا تكتب، فلأسألنك: ما عائلتك؟ هل أنت متزوج؟
كنت أسكن مدينة أخرى، ثم انتقلت إلى هذه القرية الجميلة. تمسك أهلها بالتقاليد، فيخافون النبلاء. حتى نبيلة تافهة مثلي تُحرجهم. لم أستطع تكوين صداقات.
لكن لا بأس! ابن عمدة القرية دليلي، وهو في عمري. يأخذني في جولات. فصحتي لا تحتمل السفر البعيد، لكنه محاور رائع.]
التعليقات لهذا الفصل " 3"