“ليس في البلاد صانع أطرافٍ صناعية يضاهي براعة آشر أولون. فابحث في غير هذا الموضع، فلن تجد مثل ما عندي في أي مكان. فبأي حق تعجب من الغلاء؟ إنه أمر طبيعي.”
“أه… هكذا تقولون.”
لقد كان الأجدر بـداميان أن يتنبه حين بالغ بول في الثناء عليه ونعته بأمهر صانعي الأيدي الاصطناعية. أجل، لقد كان شاكرًا لحرص ابن عمّه إذ قدّمه إلى الأفضل، لكن بول لم يضع في حسابه حال محفظة داميان ولا أوضاعه المالية. ذلك الفتى المترَف من بيت الثراء، لا شك أن عشرات ألوف الهيرك عنده ليست إلا نقودًا زهيدة، أما داميان فما كان يملك أن يبذل مثلها.
“إذًا… على كل حال قد فهمت. سأفكر قليلًا وأتقصّى الأمر ثم أعود.”
قال آشر بامتعاض:
“وما الذي تحتاج أن تتحقق منه؟ قد قلت لك إن ما أصنعه هو الأفضل.”
“لكن مع ذلك، لا بد أن أبحث بنفسي بعض الشيء…”
وما كاد داميان ينهض متثاقلاً حتى أطلق آشر صَفِيرًا ساخطًا بلسانه وقال:
“على أيّ حال سترجع إليّ. ألم تجرب صناعتي مرة؟ إن شئت جرّب غيرها وقارن. والله لترى الفارق جليًّا.”
قال داميان ساكنًا:
“إن كان الأمر كما تقول، فليس ثَمَّ ما يدعوك إلى القلق، إذ لا بد أن أمرّ على غيرك ثم أعود إليك في نهاية المطاف.”
قال آشر:
“حسنٌ، حسن. فلتبحث ثم عُد.”
وأخذ وهو يقول ذلك يضع الأيدي الاصطناعية التي عرضها في مواضعها، فيما خرج داميان مسلّمًا عليه.
ولم يكن يعلم كم يساوي الطرف الصنعي عند غيره من الصناع، لكنه بدا كمن استهان بالأسعار استهانةً عظيمة. فغامت عيناه وتداخل بصره كأن الأصفر قد غشى ناظريه.
—
وبعد أسبوع…
كان داميان قد فرغ من الدواء الذي وصفه له الطبيب. فلما لقي طبيبه المعالج وأجرى له بعض الأسئلة اليسيرة، هز الطبيب رأسه وقال:
“لا أرى اليوم حاجة إلى الفحص. فإن لم يطرأ طارئ في هذا الأسبوع فإني أصف لك دواءً جديدًا.”
“وهل أفهم من هذا أنني أتعافى؟”
“أجل، إنما تخشى الفجاءة، فقد يسوء الحال بغتةً. فليتك تحرص على نفسك، فتجتنب المجهود الشديد وتراقب ما تأكل.”
“أنا أراعي ذلك.”
“وإيّاك والخمر!”
“اطمئن، فإني أجتنبه.”
“جيّد. إذن نلتقي بعد ثلاثة أسابيع.”
فقال داميان مترددًا:
“أيها الطبيب، أيسعني أن أسألك شيئًا؟”
“وما هو؟”
“هل لك أن تدلّني على صانع أطراف صناعية حاذق؟”
“ذاك يُسأل عنه قسم الطبّ التأهيلي. فهم أوثق صلةً بهؤلاء الصناع. بل أرى أنه قد آن أوان إعادة التأهيل. فخذ، سأكتب لك تقريرًا.”
فأمال داميان رأسه وقال مستغربًا:
“ألَم تنقضِ إعادة التأهيل؟”
“ماذا؟”
“إني أتحرك وأمشي بلا عائق.”
فنظر إليه الطبيب كما يُنظر إلى أبلد مخلوق وقال:
“أتظن أن المشي وحده كافٍ؟ جسدك في حال يُرثى لها، وعضلاتك أوهى من أن تقوم بما ينبغي! ثم إنك لم تراجع قسم التأهيل أصلًا، أليس كذلك؟ ها، واضح أنك لم تذهب!”
وما لبث أن اتصل مباشرةً بالقسم وأحال داميان إليهم، فاضطر هذا أن يمرّ بعد عيادة الباطنية على الجراحة، ثم على التأهيل أيضًا.
وأثناء معاينة الجراحة، انهالت عليه نصائح أخرى أقرب إلى التوبيخ، حتى لم يعد يفهم لماذا لا يراه كل طبيب إلا وشرع يوبّخه.
ثم خرج بتقرير جديد أضافه إلى تقرير طبيب الباطنية، وألقى بنفسه متنهّدًا في مقعد الانتظار بقاعة العلاج التأهيلي.
وهو يطالع صحيفة تركها أحدهم، إذ سمع فجأة إلى جواره صوت امرأة مألوف:
“آه! أليس هذا السيد داميان؟”
فرفع بصره متعجبًا: من يعرفه في مثل هذا الموضع؟ فإذا عينان زرقاوان صافيتان تبرقان أمامه.
“السيّدة ليليانا.”
وما إن ذكر اسمه حتى ابتسمت مبتهجة. وكانت لا تزال ترتدي ثوب المرضى.
لقاء مريضٍ بمريضٍ في المستشفى ليس بالأمر الغريب، غير أن داميان لم يظن أنه سيراها ثانية، فبدا له الأمر مباغتًا.
وإذا بها تدنو منه بخطى مفعمة بالمرح كما كانت تفعل قبل أسبوع.
“وما الذي جاء بك إلى هنا؟”
قال وهو يطوي الصحيفة بيد واحدة ويضعها على المقعد المجاور:
“إنما أنتظر دوري للعلاج التأهيلي.”
وجلست إلى يمينه وقالت بمرح:
“واو، ما أبهج اللقاء! وأنا كذلك. إنهم يقولون إن عليّ أن أعيد تأهيل القلب والرئتين، فآتي كل يوم. وأنت، ماذا قالوا لك؟”
“لقد رماني جرّاحي إلى هنا زاعمًا أن عضلاتي ومفاصلي في حالٍ مزرية.”
“رماك؟ إن كان الجسد عليلًا وجب علاجه! أفيشتد بك السوء؟”
“إني لا أشعر بعناء حين أتنقل، فلا أحسّ بشيء. بل لست أدري حقًّا إن كنت أحتاج إلى التأهيل.”
فقطّبت ليليانا وقالت بنبرة جادة:
“وهل الحكم لك أم للأطباء؟! إنهم أدرى. قد لا تدري الآن، لكن عواقب الحوادث الجِسام تظهر بعد حين. إن لم تُعالج مسبقًا فستقع في خطر عظيم.”
فنظر إليها مليًّا فقالت:
“ولم تحدق بي هكذا؟”
“لا شيء.”
ولم يشأ أن يقول إنها تذكّره بلهجة يعرفها، فغيّر مجرى الكلام:
وكان في كلامها ما يُوحي أن وراءه تتمة لم تقلها، لكنه لم يُلِح بالسؤال وأومأ برأسه.
“الحمد لله على السلامة.”
قالت باسمة:
“أشكرك على اهتمامك… لكن، ألا يسعك أن تناديني باسمي فقط؟ لا داعي لأن تقول سيّدة في كل مرة.”
فأجاب:
“كما تشائين. فبمَ تحبين أن أناديك؟”
“نادني ليلي. أصدقائي كلهم يدعونني بذلك.”
قال متفاجئًا:
“ها… وهل نحن أصدقاء؟”
فشهقت مدهوشة وقالت:
“أي كلامٍ هذا؟ أتراك تأنف من صداقتي؟!”
فارتبك داميان وقال على عجل:
“لا، لا، لم أقصد ذلك. إنما بدا قولي وكأنه نفي. لم أرد أن أقول إنني لا أريد صداقتك، ولا إننا لسنا قريبين، بل فقط لم أتوقع أنك بعد لقاءين اثنين تريدين أن تكوني على هذه الألفة…”
وأخذ كلامه يطول حتى كاد يعثر بلسانه، غير أنه اجتهد في التوضيح.
فضحكت ليليانا ولوّحت بيدها:
“كفى، كفى! أردت ممازحتك فحسب!”
“أمازحة كنتِ؟”
“أجل. حسبت أنك لا تحسن ردّ الأصدقاء على نحوٍ جاف، فقلت أختبرك قليلًا. لم أظنك ستفزع هكذا.”
فضحكت ضحكة صافية، فما كان من داميان إلا أن حَكّ رأسه في خجل.
ثم قالت:
“على أي حال، صدقتَ في قولك: العجلة في تمتين العلاقة قد تُفسدها. فلا تنادني ليلي إن شئت، إنما قل ليليانا بلا لقب السيّدة.”
فصرف داميان بصره وقال:
“وأنتِ بدورك ناديني باسمي من غير تكلف. فأنتِ أكبر سنًّا، فلا حرج أن تخاطبيني على سجيّتك.”
فقالت ضاحكة:
“أهكذا؟ حسنٌ يا داميان!”
‘يا للعجب… ما أيسر أن تألف الناس! إنها جريئةٌ حقًّا.’
وانفلتت منه ابتسامة خفيفة.
فأشارت إليه قائلة:
“أوه! لقد ابتسمت!”
—
ابي اشوف الارنبه ذي خجوله بس واضح من طبع ولدنا انه ما بيبادر ابدا بالمغازلة
التعليقات لهذا الفصل " 24"