عرّفت المرأة نفسها بأنّها ‘الآنسة ليليانا’، فلمّا لم تلقَ جواباً على مصافحتها، بدا أنّها أدركت في تلك اللحظة أنّ داميان قد فقد ذراعه اليمنى. فارتسمت على محيّاها أمارة خجل، ثم مدّت يسراها، فصافحها داميان مصافحةً متكلفة فيها مسحةُ الحرج.
دخل الاثنان المقهى، فوقفا عند المنضدة يتأملان قائمة الشراب قبل أن يجلسا.
قال داميان مقترحاً:
“يمكنكِ أن تطلبي مع الشراب شيئاً من أصناف الحلوى أيضاً.”
فأشارت ليليانا برأسها رافضة:
“يبدو مُبالَغاً أن أقبل منك حتى الحلوى أيضاً… هممم…”
وأخذت تطيل النظر في القائمة أكثر مما ينبغي، عينيها مغمضتين شيئاً ما في تأمل.
قال داميان متردداً:
“ألعلّكِ لا تجدين شيئاً تشتهينه؟ إن كان كذلك، فهل تفضلين أن نغادر إلى متجرٍ آخر؟”
فزفرت ليليانا قائلة:
“أشتهي القهوة، غير أني مترددة إذ أخشى أن يضرّ الكافيين بقلبي. إنّه يسرّع نبضه. مع أني في الحق لا أظن أن شرب القهوة قليلاً سيقتلني فوراً، لكن إن علمت خالتي بذلك ستوبّخني لا محالة…”
وبينما هي في حيرتها، تدخل النادل الذي كان واقفاً خلف المنضدة، وقال ببرود:
“سيّدتي، أرى في الأسبوع مرةً على الأقل مريض قلب يتردّد بمثل همّك، والحقيقة أنّه لا خطر ما لم يشرب المرء القهوة في كؤوسٍ من الجِعة مراراً.”
موروها. المهم تبيع
فأشرق وجه ليليانا مسرورة:
“أحقّاً؟”
“إن لم تصدّقيني، فاسألي طبيبك الخاص. إذ بحكم موقع المقهى قُرب المستشفى، أتلقى هذا السؤال دوماً حتى سألتُ طبيباً بنفسي، فأجابني أنّ لا بأس به.”
“ها قد ظفرتُ!” قالتها ليليانا وضربت الهواء بقبضتها كأنها تحتفل بانتصار، ثم أمرت وهي مطمئنة:
“فاجعلوا لي إذاً لاتيه الفانيلا… دافئاً.”
أما داميان فطلب لنفسه الشراب ذاته، ودفع الحساب. وجلست ليليانا خلال ذلك في مقعدٍ عند النافذة تنتظره.
وحين جلس قبالتها، ابتسمت نحوه وقالت:
“ما خطب قلبكِ؟”
كان داميان قد لاحظ منذ البدء شحوب شفتيها، وعلم أنّها ما دخلت المستشفى إلا لسقمٍ خطير. لكنه تحيّر أيسوغ له أن يسأل عن مرضها. فلما بادرت هي بذكر قلبها، انتهز الفرصة وقال:
“أفتُراكِ قادرةً على التجوال هكذا؟”
فضحكت ليليانا وهزّت يدها:
“وهل ركضتُ حتى أنهكت؟ إنما جلستُ لشرب فنجان قهوة، وما في ذلك بأس.”
فقال داميان:
“لكنّك ما زلتِ في مقتبل العمر، ومع ذلك قلبك عليل. أهو أمرٌ وراثيّ؟”
فارتسمت على وجهها كآبةٌ وفي كلامها غُصّة:
“ولدتُ سليمة، لكنني تعرضتُ لحادثٍ كدتُ أهلك فيه، توقّف فيه قلبي ثلاث مرّات. ومنذ ذاك اليوم صار ضعيفاً، وأنا الآن أتلقى العلاج.”
فأطرق داميان وقال:
“ها نحن إذاً نشترك في البلاء. ولدتُ صحيح الجسد، غير أني أصبتُ بحادثٍ كدتُ أفقد فيه حياتي، فخلف لي عاهة.”
فأطلقت ليليانا ضحكةً ساخرة وقالت:
“وااه… إذن لم يكن قصدك اصطحابي إلى هنا التغرير بامرأة، كما ظننت.”
“ولم ذاك؟” سألها.
“لأنك لا تحسن الحديث مع النساء قطّ.”
وسكت داميان إذ لم يجد جواباً. وكانت جرأتها غريبة على من يلقاه أول مرة.
وفي تلك اللحظة جاء النادل بالقهوة، فانقطع الحديث. ولما كان داميان قليل الكلام أصلاً، أطبق فاه وقد ازدادت عليه وحشةُ الصمت بعد أن سمِع منها أنه عديم الموهبة في مخاطبة النساء.
وأخيراً قطعت ليليانا الصمت، وقد ساءها طول السكوت:
“أفذلك الذراع أيضاً ذهب بسبب ذاك الحادث؟”
ورغم أنّ السؤال بدا جريئاً في لقاءٍ أول، غير أنّه هو من فتح باب الكلام عن إصابتها، فلن يغضب إن سألته. وحقاً لم يبدُ عليه التأثر إذ أجاب ببرود:
“فقدتُ ذراعي اليمنى وربع كبدي.”
فخفضت ليليانا حاجبيها حزناً، ثم سألت:
“أيّ حادث ذاك؟”
قال:
“انفجرت قنبلة يدوية على مقربةٍ من وجهي.”
فتغيّر وجهها كما يتغير وجه الطبيب الذي يشكّ أنّ مريضه شبح لا إنسان:
“عجباً… كيف عشتَ إذاً؟ أليس من يمسّه ذلك يهلك غالباً؟”
“بلى.”
“فكيف نجوت؟”
“لا أعلم، إلا أنني كنت محظوظاً لا غير.”
“حُسن طالع إذن. ولكن، ما الذي جعلك في موقفٍ تتلقى فيه قنبلة يدوية؟ أكنت جندياً؟”
“نعم.”
“لا عجب، فحديثك يدلّ على ذلك.”
فأمال رأسه وقال:
“أتَرَين كلامي كلام جندي؟”
قالت:
“بل هو عينه، تختم جملك بـ’دا’ و’كا’ على عادة العسكريين.”
م. ملحقات لفظية كورية
فتذكر داميان قليلاً، ثم قال:
“حقاً، لم يكن لساني كذلك من قبل. لكن لم يمضِ زمن طويل على تسريحي من الجيش، وأظنني سأعود إلى طبيعتي عما قريب.”
“وهل كان تسريحك بسبب الإصابة؟”
“نعم.”
“أفي أي حربٍ خضتَ؟ ما أذكر أن جيشنا استُدعي هنا.”
“كنتُ مرسلاً إلى ليف.”
“إذن كنتَ جندياً محترفاً؟”
فقال بوجهٍ كئيب:
“لم أكن كذلك، لكنني إذ بلغت رتبة الملازم، كنتُ أنوي الاستمرار. غير أن الإصابة عجّلت بتسريحي.”
فوضعت ليليانا فنجانها ونظرت إليه مليّاً وقالت:
“ملازم؟ لا خبرة لي بالجيش، لكنك تبدو أصغر من ذلك. كم عمرك؟”
“إحدى وعشرون سنة.”
فقالت مبهورة:
“وا عجباه! ملازمٌ في مثل هذا العمر؟ لم تبلغ حتى سن التخرّج من الكلية الحربية! وأنت أصغر منّي بعام! إنّها لعظمة.”
فتجمّد وجه داميان قليلاً، إذ كان قد سمع مثل هذا من قبل،
«أنت أصغر مني بعام… ومع ذلك بلغت هذا المقام…»
قال متثاقلاً:
“إنما نلتُ هذه الرتبة لأني أنهيتُ دروساً في العلوم العسكرية في الأكاديمية العليا، فبدأتُ من رتبة رقيب. ثم قُتل قادتي في القتال، فارتقيتُ سريعاً. وما كنتُ متميّزاً في ذاتي.”
فلم تُدرك ليليانا ثقل كلامه، بل ارتشفت قهوتها وقالت:
“ومع ذلك، ما كانوا ليسندوا إليك المسؤولية لولا كفاءتك.”
“لا فخر، لكنني نلت وسامين.”
قالت ضاحكة:
“أرأيت؟”
ثم سألها:
“أفأنتِ إذن يا سيّدة كانيل في الثانية والعشرين؟”
فتغيّر وجهها وقالت على نحوٍ مريب:
“يقولون ذلك.”
فتحيّر وقال:
“كيف؟ إمّا نعم وإمّا لا.”
فحكّت ذراعها وقالت:
“ودعك من سيّدة كانيل. لستُ من النبلاء، فلا تنادني بتلك الألقاب المضحكة. قُل لي فقط: ليليانا.”
عندها تذكّر أنّها نادته بالاسم لا باللقب.
فقال في نفسه:
‘وها قد تبيّن أنّها في الثانية والعشرين… هممم…’
وبدأ يقارن بينها وبين لينتري: ‘العطر واحد… العمر واحد… والحديث يشبه حديثها…’
ثم قال متعمداً:
“على ذكر ذلك، أيُّ عطر هذا الذي تضعينه يا سيّدة كانيل…”
التعليقات لهذا الفصل " 21"