لمّا فرغ من أمر بول، عاد داميان إلى الثكنة وهو ينشّف شعره بمنشفة، وقد ازداد لون خصلاته البنية القاتمة قتامةً إذ بللها الماء.
وكان رفاقه على خلاف عادته في النوم المبكر والاستيقاظ مع الفجر، فقد تفرّقوا في أرجاء المعسكر مع أنّ المساء قد أرخى سدوله، فوجد نفسه وحيداً في الثكنة، فاكتفى بإرتداء ثيابه وجلس على حافة السرير.
وبينما هو يدلك عضلات عنقه المتشنجة، لاحت له على طاولة في زاوية الثكنة رسالة مهملة على مكتبه في زاوية الثكنة.
“يجب أن ترد. فإن لم ترد، ظنّوا أنّك قُتلت قبل أن تكتب، فلا تخيّب أمل أحد.”
كاد يعرض عنها، غير أنّ كلمات بول ترسّخت في ذهنه، فمدّ يده وأخذ الرسالة.
وكان قد انتقاها عشوائياً من بين ما عرضه عليه بول دون روية، غير أنّه الآن يلحظ أنّ الظرف فاخر، مصنوع من ورق نفيس، وعليه ختم شمعي أزرق قد بدا عليه أثر الفتح ثم الإلصاق.
ولم يكن عجيباً أن تُفتح الرسالة، فالمراسلات العسكرية الخارجية كلّها تقع تحت رقابة صارمة اتقاءً لتسرّب الأسرار أو تسرّب الجواسيس.
فلما أزال الختم الشمعي وفتح الظرف، انبعثت منه رائحة أزهارٍ لطيفة، فحنى داميان رأسه غريزياً وشمّها، فإذا هي عبيرٌ طيّب لم يعرف مصدره.
وقد سمع أنّ بنات جيله يرششن العطور على رسائلهن، ولكنّه لم يسبق له أن تلقّى مثلها، فكانت هذه أول رسالة معطّرة تصله.
“امرأة إذن.”
وإن كان في الجيش نساء، إلّا أنّ جلّه من فتيانٍ يتشوقون لمجرد ذكر الأنوثة، ففكرة رفع المعنويات برسائل نسائية لم تكن بعيدة عن صواب.
غير أنّ الإشكال أنّ المتلقي هو داميان ستيرن، الذي لم يكن يكترث في الحقيقة.
أخرج الورقة المطوية بعناية، فإذا برائحة الأزهار قد أشتد وضوحها.
وكان الورق جيّداً لكن دون فخامة الظرف، وحين فتحهة استقبلته خطوط مستديرة أنيقة، والرسالة قصيرة، مبينة واضحة.
[سلامٌ عليك أيها الجندي المجهول الاسم والوجه،
لقد سُررت إذ جمعتنا الصدفة. إنما أنا فتاة من أسرة متواضعة، أعيش في ريفٍ جميل، ولستُ ذات شأن، فلا أملك ما أتباهى به عند التعريف بنفسي]
“أرستقراطية؟”
قبل عشرين عاماً، حين كانت إيستاريكا تحت سطوة سوفيلز، أُبيد معظم نبلائها، ومنهم العائلة المالكة، أو جُرّدوا من ألقابهم.
ورغم انحدارهم إلى مرتبة العامة، تمسّك بعضهم بكبرياءٍ زائف، كما يفعل ماركيز جيسكا.
أرستقراطية خرقاء تلتمس اللهو.
استهجن داميان ما ظنه تكبّراً، وأكمل القراءة:
[يُقال إن هذه المراسلات لرفع معنويات الجنود، فاعذرني إن بدوت مملة. والحق أني لا أدري إن كنت أقدر على تسلية من يحاربون من أجلنا، ولو في أرضٍ غريبة.
فإن لم يكن في نفسك بأسٌ من مراسلة مثلي، فهل تتكرم بالرد متى سنحت لك الفرصة؟
وإن لم يرق لك أمري فأعرضتَ عن الرد، فلن ألومك، غير أنّ القلق سيلازمني إن لم أسمع منك، مخافة أن تكون قد لقيت حتفك.
3 يوليو 1878،
وأنا أرقب البجع يسبح في البحيرة،
-لينتري]
موروها. نطقها مثل ري ورين الياء مشدده مفتوحه.
لم تحوِ الرسالة ما هو جوهري، وما علمته عن المرسلة أنّها امرأة تدعى لينتري، ولم أدرِ أهو اسمها الأول أم لقبها، غير أنّي لم أسمع به كاسم عائلة.
وأيُّ حديث يُرتجى مع مجهولة؟
ولكن لم يكن لديه ما يشغله، وهو من النوع الذي يفرغ من مهامه باكراً، جلس داميان إلى الطاولة، وأخرج ورقة الرد والظرف المرفقين، وأخذ قلمه الحِبري.
عندها تبيّن له لمَ كانت رسالة لينتري قصيرة، فهي أيضاً لم تعلم ماذا تقول.
فاستحضر قواعد المجاملة وبدأ يكتب:
[سيدتي لينتري،
شكراً على رسالتك، وتشرفنا بهذا التعارف.
نحن في ليف شمال إستاريكا، فطقس يوليو ليس حاراً. كيف الجو عندكم؟ لا شك أنّ الحر بدأ يشتد الآن. لم يمضِ على غيابي عن الوطن غير عام ونصف، غير أنّ ذكراه بدأت تخبو.]
وبما أنه لم يجد موضوعاً آخر، جعل الحديث عن الطقس مفتتحاً، ثم ضاقت به الحيلة.
فأخذ يقبض على قلمه ويضغطه على جبهته، ثم اندفع يكتب:
[والحق أني لا أحسن رواية الأخبار، فأنا قارئ جيّد لكن كتابتي بالكاد تجتاز حد النجاح، وأؤكد لك أنّ حديثي سيكون أملّ من حديثك، فلا حاجة بك للقلق من أن تكوني مملة.
وحتى لو كنتِ كذلك-أي مملة-، فما أنا في موضع يؤهلني للشكوى. لقد عرض عليّ قائدي اختيار رسالة، ولسوء حظك وقع اختياري على رسالتك.
وإن رغبتِ في مراسلة جندي آخر، فسأعطي رسائلك لرفيق في الفصيل، وهو وسيم محبوب عند النساء، وسيكتب لك بأسلوب أمتع من أسلوبي.]
ولمّا ضاق صدره عن المزيد، همّ أن يختم الرسالة، لكنه توقّف عند التوقيع، إذ إن السيدة لينتري لم تصرّح باسم عائلتها، فلمَ يصرّح هو؟ واسم “ستيرن” قد يلفت الانتباه، فآثر أن يكتب اسماً مستعاراً.
[14 يوليو 1878،
من ثكنة موحشة،
الملازم الأول ماكورد.
ملاحظة: “ماكورد” اسم مستعار، فاسمي الحقيقي غير حسن الوقع، فاعذريني.]
وفي صباح الغد، سلّم داميان الرسالة للمسؤول بعد الفطور.
وكان مقدَّراً أن تبلغ منزل لينتري بعد ستة أيام أو عشرة.
وتذكّر داميان بطء البريد العسكري، فرآه غير فعّال، إذ لن تتبادل المراسلات مع قرينته أكثر من مرتين شهرياً، أي أربع رسائل في الشهر، فأيُّ حوارٍ متصل يكون هذا؟
ثم لم يلبث أن نسي الأمر برمّته.
وبينما نجا من الموت مرتين، وتلقّى أربع توبيخات من بول، وصلته رسالة من السيدة لينتري.
ولم يعرف في البدء أنّها له، إذ لمّا كانت تجهل اسمه كُتب على الظرف “الملازم الأول ماكورد”، فظلّ في صندوق البريد ثلاثة أيام قبل أن يُكتشف أمره.
ومرّة أخرى، جاءه الظرف الفاخر وفيه خطوط مستديرة بهيّة، غير أنّه خلا من العطر هذه المرة.
[إلى الملازم الأول ماكورد، الذي يظنّ نفسه أملّ منّي،
سلام عليك، أيها السيد. لقد آن لنا أن يكون لنا اسم ندعوك به، وإن كنا نجهل اسمك الحقيقي. ولا أدري ما عنيت بقولك إنه غير جميل، ولكني فهمت أنك لا تحبه، ولن أسألك عن السبب.
التعليقات لهذا الفصل " 2"