“لا بدّ أن دار سيديل لوريانتس لم تُبقِ أثراً لوجوده. “
“أجل، صدقت. لا ريب أنه السحر. فالسحر الذي يتلاعب بالفراغ رائج بين السحرة.”
إن انعدام أي أثر في الدار التي اعتاد سيديل لوريانتس أن يدخلها ويخرج منها، كان يعني يقيناً أنّ فيها حيلةً ما، أشبه بما في متجر سولَيير.
رأى داميان أنّ مجرد معرفته بالعنوان حصيلة كبيرة في ذاته. أما فليمن، فلبث قليلاً ثم عاد يقول:
“هل ثَمّة ما تضيفونه بعد؟”
“كفى لليوم.”
أومأ فليمان، وانصرف من المقهى دون تردّد، وسرعان ما ابتلعته الجموع.
بقي داميان ومعه الاثنان، يحدّقون في الصورة التي تركها فليمان، تكفهر وجوههم وتقطّب جباههم.
“مقزّز حقاً.”
“كيف يخطر له أمر كهذا؟”
“صدقت.”
تمتم داميان كأنها زفرة: لكن إذ بصوتٍ يهمس من خلفهم، كأن صاحبه كان موجوداً منذ البدء:
“يا لَسعة صدوركم، أيها الزبائن.”
“آاااه!”
صرخت ليليانا بغير وعي وهي تلتفت، فالتفت إليها كل من في المقهى، فما كان من صاحب الصوت إلا أن ضغط قبعته ليُخفي ملامحه.
“وجهي إن عُرف هنا وهناك فلن أجني نفعاً، فلا تُلفتوا الأنظار أكثر من اللازم.”
“السيد تيلمان! كيف جئت إلى هنا؟”
دهش داميان وقد وسّع عينيه، إذ لم يسبق أن تيلمان قصدهم من تلقاء نفسه دون أن يُدعَى.
ابتسم تيلمان متهكّماً وقال:
“كنت أبحث في شأن آخر، فوقع بيدي خبر قد يعجبكم، فإن شئتم بعته إليكم…”
“وقع بيدك؟ ما هو؟”
رمقه كيسي بعين الشك، فأسرّ تيلمان:
“تعرفون شخصاً يُدعى غرين؟ غرين ديلفيس.”
اسمٌ لم يكن في الحسبان، فجعل داميان وكيسي يطرفان بعينيهما دهشة.
“أتشترونه؟”
“غرين؟ ومن يكون غرين؟”
سألت ليليانا، فاضطربت عين كيسي قليلاً. أما داميان فانتظر، مترقّباً ردة فعل كيسي، إذ لم يعرف ما يجيب. لكن كيسي، وقد التزم من قبل بأن يعينها على استرداد ذكرياتها، لم يستطع أن يكتم.
“إنه صديقك.”
“صديق؟ أوَلي صديق؟ وماذا كان يفعل؟”
“إنه ابن عمدة القرية التي كنّا فيها. كان يأنس بنا أحياناً، وهو أصغر منّا سنّاً.”
أشرق وجه ليليانا.
“حقاً؟ وهل كنتما قريبين؟ كيف كان طبعه؟ شكله؟ أيمكن أن يكون ذاك الذي كنت أهواه؟!”
انهالت أسئلتها حتى غدا وجه كيسي مرهقاً:
“كان قريباً لكن مع حدود فاصلة، طبعه متكبّر، وجهه عادي: شعره بلون الجزر، وملامحه كأنها بطاطس. ثم إن ذاك الذي كنت تحبينه، ليس هو. أظن.”
قهقه داميان على نقد كيسي اللاذع.
“أه؟ حقاً؟”
تملّك ليليانا شيء من الخيبة.
“إذا كان يشبه البطاطس، فلعله ليس الذي أحببته…”
“ليليانا، أوَتنظرين إلى الوجوه؟”
“أليس بديهياً؟ الوجه هو التصفيات الأولية.”
لحظةً تردّد داميان: يا تُرى، هل يمرّ وجهي بامتحانها؟ ومع أنّه شعر بالحياء أن يعترف، إلا أنّ ليليانا كانت دوماً تنظر إلى محياه بعين الجد، فتقوّى قلبه قليلاً.
قالت ليليانا لتيلمان هامسة:
“ما رأيك أن نتعامل أنا وأنت وحدنا؟ إن ساعدتني على استرجاع ذاكرتي، دفعت لك ضعفي الأجر.”
لكن تيلمان ردّ بأسف:
“للأسف، عقدي مقيّد بشرط الكتمان. وما أنا إلا رجل تحكمه الثقة قبل المال!”
“تبّاً!”
زمّت ليليانا شفتيها غيظاً.
“أوَتتواطأ يا أخي على أن أمنع حتى من الاستعانة بتاجر المعلومات؟!”
تيلمان تدارك:
“لستُ متعاقداً مع كيسي، بل مع داميان. فلا بد من إذنه.”
“داميان!”
حدّجته ليليانا بعتاب، لكن داميان تجاهل، وسأل تيلمان:
“فلنترك هذا. ما خبر غرين إذن؟”
داميان وكيسي لم يقويا على ردّ الطُعم. فمسح تيلمان إصبعيه إيذاناً بالثمن، فما كان من كيسي إلا أن وضع رزمة نقود على الطاولة. خطفها تيلمان مسرعاً ثم تهيّأ للحديث:
“ذاك الغرين يعمل في شركة التجارة التابعة لوالد يوجين رَوْود.”
“يا للصدف!”
تهلّلت ليليانا، بينما انتفض كيسي صارخاً:
“إذن هو من سرب أمرنا إلى الماركيز سوردين؟! أهو من رجاله؟”
“كلا، إنه ليس من رجال زيغسمونت* سوردين. لكن مع ذلك، الأمر مريب.”
م. غيرت الاسم حسيته كذا اسهل في الحفظ
زمّ كيسي عينيه:
“لطالما لم يرق لي…”
فأمسك داميان بذيله وأجلسه:
“اجلس. ليس الأمر مؤكداً.”
“لكنه وحده الجاني المحتمل!”
“قلت اجلس.”
جلس كيسي متبرماً. سأل داميان بهدوء:
“غير هذا، أفي جعبتك مزيد من الأخبار؟”
“في الوقت الحاضر لا. أسرعت إليكم حباً في إفادتكم!”
ضحك تيلمان، لكن كيسي تمعّر:
“وهذا فقط؟ ردّ المال إذن!”
“ألا يكفي ما دفعت؟!”
“سوى عمله هناك لم تأتنا بشيء! فأيّ ثمن يستحق؟!”
تشاجر كيسي معه، لكن داميان هز رأسه موافقاً:
“مع ذلك، فهذه معلومة قيّمة. خيط محتمل.”
انتفخ وجه تيلمان نشوةً، فيما كيسي ظلّ متذمراً. ثم قال تيلمان:
“وإن عرضتم شيئاً من أخباركم الخاصة، اشتريته بسعر حسن.”
“ذلك محال.”
بادره كيسي، فقال تيلمان متحسّراً:
“ولو مجرد التحقق إن كنتم حقاً أرواحاً أو لا؟”
فأشار داميان بيده:
“لم نسمع شيئاً.”
لم يُلحّ تيلمان أكثر، وانصرف قائلاً:
“نادوني متى شئتم.”
فلما غاب، التفت كيسي إلى داميان بشك:
“أتراه جديراً بالثقة؟ يقترب من أسرارنا ومن شأن الأرواح يوماً بعد يوم!”
“أنيت هي التي عرّفتنا به، فلا بأس. ثم إنه أحرص على جمع الأخبار من بيعنا نحن.”
قطّب كيسي جبينه:
“لكن غرين، لمَ تمنعني من القضاء عليه؟”
“أقتله الآن؟ وما الفائدة؟ لقد نسي حتى وجه ليليانا.”
“أيعني أن تعويذة ‘مطر النسيان’ جعلته ينساني أيضاً؟”
“نعم.”
أطرقت ليليانا حزينة، لكن كيسي تمعّن وقال:
“وماذا إن زال السحر؟ ليس أبدياً.”
“ننظر في حينه. ولو بالمنطق، لوجب علينا إفناء كل من عرفها.”
“همم، أيضاً…”
صرّ كيسي أسنانه غيظاً:
“كان ينبغي ألا أتركه يرافق ليلي. لقد كانت تبدو سعيدةً معه، فلم أقدر أن أمنعها…”
وضرب جبينه بكفه. فقالت ليليانا متذمرة:
“غريب! كنا مقرّبين، ثم تمحون ذكرياته عني؟!”
أما داميان فظلّ غارقاً في فكر آخر: لِمَ لم أكن أنا مكان ذاك الغرين؟ لو كنت معه لحميت ليليانا وأنستها… ثم تساءل فجأة: لماذا لم تذكر قطّ في رسائلها ذاك الذي أحبته؟ لو كانت غرين، لكانت قصّت عليّ كل تفصيل. فما الذي وقع بينهما؟
التعليقات لهذا الفصل " 163"