2
رفعتُ رأسي، فاستبان لي في عتمة الليل بريقُ قضبان مظلة صقيلة ممتدة. لم يكن المطر قد انقطع، بل كانت مظلةً قد حطت فوقي.
“يا إلهي، لقد غمركِ البلل تمامًا. هيا بنا سريعًا.”
الرجل الذي أظلنا بمظلته أزاح بلطف ورقة شجر كانت عالقة بوجنتي، ثم أحاط كتفي بيده في حنون.
“آه!”
لم تكن قبضته قوية، لكن ضغط سحبته على كتفي أيقظ ألمًا لاذعًا في الموضع الذي ارتطم بهيكلية السيارة منذ قليل. وبسبب صيحتي التي خرجت أعلى مما كنت أتوقع، جفل الرجل ورفع يده عني على الفور.
“لم أعتقد أنني أمسكتُ بكِ بتلك القوة.”
“لا بد أنه بسبب الارتطام الذي حدث في السيارة قبل قليل.”
“ارتطام في السيارة؟”
“لقد تعطلت فجأة واهتزت بعنف.”
“أهنا يؤلمكِ؟”
لمس الرجل ذلك الموضع بخفة وكأنه يضغط بقطعة من القطن، فأومأتُ برأسي إيجابًا.
“إذًا، هل هذا المكان بخير؟”
انزلقت يده على طول خط الكتف لتستقر عند عضدي.
العضد : الساعد (ما بين المرفق والكتف)
“آه…. أجل، إنه بخير، ولكن….”
كنتُ على وشك أن أطلب منه أن يرفع يده، حين تجمعت حروف متألقة تحت ذقن الرجل.
[ ؟؟؟ ]
لماذا تظهر ثلاث علامات استفهام؟ وبالحديث عن ذلك، فإن كلمات هذا الرجل لم تظهر كترجمة نصية أسفل الشاشة كما حدث مع السائق. وبينما كنتُ أشعر بوقوع أمر غريب….
“حسنًا إذًا.”
جذب الرجل عضدي الذي كان يحيطه، وقرّبني منه حتى كاد يعانقني. لستُ أدري لِمَ يتصرف بهذا القرب ونحن نلتقي للمرة الأولى!
تحركتُ بتململ لعدم ارتياحي، فما كان منه إلا أن نظر إليّ بطرف عينه وأمال المظلة نحوي أكثر. وتحت المظلة المائلة، رأيتُ كتفه وهو يبتل سريعًا بقطرات المطر.
“عذرًا، كتفك يبتل.”
“علمتُ ذلك.”
أمال الرجل المظلة نحو جهتي بشكل مفرط. لم يكن هذا ما قصدته!
“كلا، لستُ أقصدني أنا، بل أقصد كتفك أنت.”
دفعتُ عصا المظلة بخفة نحو جهته.
أطلق الرجل “آه” خافتة وهو ينظر للمظلة، ثم أعاد إمالتها نحوي مرة أخرى.
“لستُ مصنوعًا من قطع السكر.”
قالها ببساطة وكأنه ينطق ببديهية، رغم غرابة قوله. من البديهي أن البشر ليسوا من السكر، لكن هل يعني كلامه أنني أنا المصنوعة من السكر؟
“هيا بنا، سيكون أمرًا عصيبًا إن أصبتِ بنزلة برد.”
حثني الرجل على السير وأنا لا أزال مذهولة من غريب أطواره.
‘هل من الصواب أن أتبعه؟’
خطوتُ خطوة مترددة وأنا أراقبه بحذر. كان الليل حالكًا بلا ذرة ضوء واحدة، مما جعل ملامحه عصية على التمييز. في الظروف العادية، لم أكن لأتبع هذا الشخص أبدًا.
أمن الحماقة أن تتبع امرأة رجلًا غريبًا؟ إنهم يحذروننا من ذلك منذ الابتدائية. وفوق ذلك، فإن الرمز الذي يظهر فوقه مريب؛ ثلاث علامات استفهام؟ لا بد أنه شخص غريب الأطوار.
في مثل هذه المواقف، يكون الحل الأمثل هو انتهاز الفرصة لإسقاط الرجل وسلب مظلته ثم الفرار سريعًا.
لكن، لسبب ما، لم تكن لدي رغبة في فعل ذلك الآن. في هذه الليلة المظلمة والمطيرة، ورغم كونه غريبًا لا أعرف وجهه ولا اسمه، شعرتُ بسكينة غريبة تخلو من الخوف. هل كان ذلك بسبب المظلة المائلة نحوي، أم بفضل يده القوية التي تحيط بذراعي؟
ربما لأنني وجدتُ نفسي في موقف لا يصدق، أو لأن المطر أرهقني حتى غامت بصيرتي وضعف منطقي.
“هل التصقت ورقة شجر بوجهي أنا الآخر؟”
في عتمة الليل، لمعت عينا الرجل ببريق خافت. حينها فقط أدركتُ أنني كنتُ أُحدق بتمعن في الموضع الذي يُفترض أن يكون وجهه.
وبدلًا من المراوغة، سألته بصدق:
“كنتُ أتساءل…. لِمَ تساعدني؟”
“أنتِ ضيفة عزيزة حلت بمنزلي، ولا أجد سببًا يمنعني من مساعدتكِ.”
“هل تعرفني؟”
“وكيف لي ألا أعرفكِ، يا سوزي.”
لحظة…. سوزي؟ هذا اسمي!
اتسعت عيناي بذهول وأنا أنظر إليه. وفي وسط الظلام، لمحتُ طرف شفتيه يرتفع في ابتسامة طفيفة.
“يبدو أنكِ لم تعرفيني. حسنًا، لقد مضى وقت طويل حقًا.”
في تلك اللحظة، ضرب برقٌ صامت الأفق.
وفي ذلك الضوء الخاطف، تجلت ملامح الرجل لبرهة. تجمدتُ في مكاني وكأن صاعقة قد أصابتني.
شعر أشقر كثيف تكلله قطرات المطر، ورموش طويلة تظلل عينيه المنكسرتين، وتحتهما عينان بلون أرجواني عميق. أما الخط الممتد من جبهته مرارًا بعظمة الحاجب وصولًا إلى الأنف، فكان انسيابيًا كمنحوتة رخامية صقيلة، وفكه تحت أذنه يتسم برقي بالغ. لقد كان وجهًا جمع أجمل الخطوط والملامح في هيئة واحدة….
‘كيف لهذا الوجه أن يكون واقعًا؟’
كانت لحظة قصيرة كدوران مشهد في منظار، لكن تلك الثواني كانت كافية لأدرك أن هذا الرجل وسيم لدرجة تسلب الألباب.
كلمة “وسيم” وحدها لم تكن تنصفه. كان هذا الوجه أشبه بنتيجة جهد إلهي لصياغة أجمل وأنفس ما يمكن تكوينه.
ربما كان شعوري بالراحة رغم ارتيابي نابعًا من إحساسي الفطري بهالة الجمال التي تنبعث منه.
شكرًا لك أيها البرق، لقد أعلمتني أن اتباعي لهذا الرجل لم يكن خيارًا سيئًا. ولدي رجاء واحد، هل يمكنك أن تضرب مرة أخرى؟ لفترة أطول قليلًا….
وما إن فكرتُ في ذلك حتى دوت صرخة السماء بصوت كأنه زلزال يزلزل الأركان. وفي تلك اللحظة، تشتتت علامات الاستفهام الثلاث التي كانت تطفو أمامه، لتتشكل حروف جديدة:
[ لقد التقيتِ بـ ‘كيليان كلايك’ ! ]
“كيليان….”
تمتمتُ باسمه، فمرر أصابعه المكسوة بقفاز جلدي ليزيح شعري المبلل الذي التصق بوجهي.
“أخيرًا عرفتِني.”
توقف عن السير وهو يتحدث بنبرة يملؤها الارتياح. التفت بجسده الذي كان يتجه للأمام نحوي تمامًا….
“يسرني رؤيتكِ مجددًا، سوزي هافتون.”
قالها وهو يمد يده لي.
كنتُ أتساءل كيف عرف اسمي، واتضح أن اسمي يطابق اسم شخص يعرفه. لقد تغير اسم عائلتي فقط، لكنني شعرتُ فجأة وكأنني أصبحتُ امرأة أجنبية.
“….أجل، لقد مضى وقت طويل.”
صافحتُ يده بارتباك. ومن وراء القفاز الجلدي الناعم المبتل، أحاطت يده القوية بيدي بالكامل.
ومع وميض آخر، أضاء العالم ثم غرق في الظلام مجددًا. كان برقًا أقصر من سابقه.
“سيكون من الأفضل أن نكمل التحية بعد دخول المنزل.”
أفلت كيليان يدي بشيء من الأسف وحث خطاه. تخليتُ عن شكوكي وتبعته طواعية. كان الطريق لا يزال رطبًا، والأجواء تزداد وحشة وسكونًا كلما تقدمنا.
وبعد دقائق، أرجع كيليان المظلة التي كانت تميل بشدة نحوي إلى الخلف. فظهرت أمامنا بوابة حديدية شاهقة بقضبان مدببة.
“لقد وصلنا. هذا هو الكوخ المتواضع لعائلة كلايك.”
مد يده مشيرًا إلى القصر القابع خلف تلك البوابة الحديدية الضخمة التي تجاوز ارتفاعها ثلاثة أمتار على الأقل.
“متواضع؟”
البناء الذي أشار إليه كيليان كان أضخم من أن يوصف بالمتواضع. فمن واجهته الأمامية فقط، يمكن رؤية أكثر من عشر نوافذ كبيرة، ناهيك عن برج قوطي شاهق يرتفع في زاويته اليسرى. وحتى نصل من البوابة الحديدية إلى المبنى الرئيسي، كان علينا اجتياز حديقة واسعة تتوسطها بركة مياه.
هذا لا يبدو كوخًا، بل هو..
“أليس هذا حصنًا؟”
“الكلب الذي يحاول تقليد الذئب لن يصبح ذئبًا أبدًا.”
بهذه الكلمات المختصرة دحض اعتراضي، ودفع البوابة الحديدية بيده الواحدة. دفعها هكذا ببساطة، رغم أنها تبدو ثقيلة للغاية. يبدو أنها ليست بتلك الثقل الذي تصورتُه.
لمستُ العمود الحديدي وخطوتُ أولى خطواتي داخل الحديقة الفسيحة. وفي اللحظة التي اقترب فيها ذلك المبنى الذي يشبه تراثًا ثقافيًا من قرون غابرة..
[ تمت تصفية المرحلة 〈الدليل: الطريق إلى قصر الأحلام〉! ]
لم يخبرني أحد بهذا من قبل. ما الذي تمت تصفيته هكذا من تلقاء نفسه؟ وأيضًا هذا الاسم….
“قصر الأحلام؟”
“من أين سمعتِ بهذا الاسم؟”
بمجرد أن نطقتُ باسم القصر، ارتفع طرف شفة كيليان في ابتسامة غامضة. لا أدري لِمَ، لكن الأجواء المحيطة به تبدلت تمامًا. بدأت أجراس إنذار الخطر، التي صقلتُها في عملي، تقرع في رأسي. فانهمرتُ في اختلاق الأعذار سريعًا.
“ذاك.. السائق. هو من أخبرني أن اسم هذا المكان هو ‘قصر الأحلام’. ربما كان مخطئًا في شيء ما؟”
‘عذرًا أيها السائق لاستخدامك في أعذاري، لم يكن باليد حيلة.’
ضحكتُ ضحكة زائفة وأنا أرقب رد فعله. أطلق كيليان “آه” خافتة، وعاد إلى هيئته اللطيفة السابقة.
“قوله ليس خاطئًا. قديمًا، كانوا يطلقون عليه هذا الاسم… ‘قصر الأحلام’.”
في تلك اللحظة، انبثقت ذكرى لم تكن في الحسبان.
***
ليلة تعصف فيها الرياح والمطر. رؤية منعدمة لا تكشف ما أمامك. وفي نهاية الطريق، يبرز قصر قديم وجميل كأنه جرف صخري شاهق.
في هذا القصر الباذخ الجمال، الذي يبدو وكأنه مستل من حلم، ما سيتجلى هو..
‘ستموتين هنا.’
لعنة.
‘ما هذا؟ هناك من يتحدث…. من أنت؟ من هناك! ألم يكن المكان خاليًا؟’
ظواهر غامضة.
‘أنقذوني! لا أريد الموت!’
و”شيء ما” يتربص بحياتك.
أهلاً بك.
هنا، قصر الأحلام.
يوليو 20XX. ندعوك إلى داخل الكابوس.
***
تذكرتُ الآن.
“قصر الأحلام”. كانت هذه اللعبة التي رأيتُ إعلانها في المترو قبل أن يغلبني النوم مباشرة.
التعليقات لهذا الفصل " 2"