1
«الحبّ التدميريّ للآخرين ليس في جوهره سوى اسمٍ آخر للنرجسية المفرطة.»
كانت تتبع الجملة التي قرأتها بعينيها مرات لا تُحصى، حين سُمع طرقٌ على باب الغرفة.
«سيدتي راسل. الرئيس يطلب حضوركِ إلى مكتبه.»
بدلًا من أن تجيب الصوت المألوف الذي ناداها بـ«سيدتي راسل»، أسندت فريا ظهرها إلى الأريكة، وراحت تتأمل المشهد من حولها ببطء.
الكتاب بين يديها، وضوء شمس مايو الدافئ المنسكب عليه، ورائحة أزهار اللفت المتدفقة من خلال ستائر الدانتيل البيضاء المتمايلة، وأصابعها البيضاء النبيلة الطويلة، المعتنى بها بعناية، تستقر بخفة على حافة الورق الفاخر…
مرة أخرى، اليوم ذاته، اللحظة ذاتها، والمشهد ذاته الذي بدا مألوفًا تمامًا، مألوفًا كالجملة الأولى في ذلك الكتاب، المقروءة والمعاد قراءتها، المحفورة في ذاكرتها.
«…سيدتي؟»
حثّها صوت الرجل من خلف الباب. في العادة، كان سيكتفي بإيصال الرسالة ثم يختفي. لكنها كانت تعرف جيدًا سبب إصراره هذه المرة على نيل جواب.
«نعم يا لورينزو. أخبره أنني سأكون هناك قريبًا.»
«نعم، فهمتُ، سيدتي.»
تحرّكت خطوات من أنهى مهمته بسرعة مبتعدة عن الباب. وضعت فريا الكتاب جانبًا، نهضت من الأريكة، وتوجهت نحو طاولة الزينة.
في المرآة وقفت امرأة لا تنسجم إطلاقًا مع المشهد الشاعري الذي كانت تغمر نفسها فيه قبل لحظات.
شعر كستنائي داكن، مجعّد بدرجة مبالغ فيها، يتدلى كعناقيد عنب. فستان أحمر فاقع يبرز خصرها وصدرها، أشبه بامرأة شارع، وشفاه حمراء بقدر لون الفستان الذي ترتديه.
في الماضي، كانت جميلة بما يكفي لجذب الأنظار من النظرة الأولى، أما الآن، فلم يكن في وجهها سوى تعابير سامة وكئيبة.
رفعت المرأة في المرآة يدها، ولمست خدّها. كانت ترى هذا الوجه كل يوم، ومع ذلك بدا لها غريبًا.
«لقد كان لديّ هذا الوجه طوال الوقت.»
الشخص الذي رآه هو…
شعرت بمرارة تجتاحها، فشدّت فريا زوايا شفتيها قسرًا. حين ابتسمت المرأة في المرآة ابتسامة متكلفة، خفّ عبوسها قليلًا.
لو كان لديها متسع من الوقت، لأصلحت ملابسها المهرّجة، وشعرها، ومساحيقها. لكن الوقت لم يكن في صفّها.
«حسنًا.»
أدارت فريا ظهرها للمرأة في المرآة، وغادرت غرفة النوم بخطى أخف قليلًا، متجهة نحو الطرف الآخر من الممر.
إلى المكان الذي كان ينتظرها فيه زوجها، الرجل الذي أحبته إلى حدٍّ لم تستطع حتى طبقات الزمن محوَه.
هذه المرة… من أجله.
⋱ ✿ ✤ ✿ ⋰
خدش، خدش.
كان الرجل الجالس خلف مكتب كبير من خشب الماهوغاني قد نسي تمامًا وجود المرأة الواقفة أمامه، مستغرقًا في الكتابة المتواصلة على المستندات الموضوعة أمامه.
«ماكس.»
كما في كل مرة، كانت المرأة هي من كسرت الصمت الصلب بينهما. عند ندائها، رفع ماكس رأسه ببطء.
هل مرّ شهر؟ حين كان يأتي إلى هذا القصر الذي لا يعتبره منزلًا، كان مضطرًا لرؤية المرأة سواء أحبّ ذلك أم لا. لذلك كان يقضي معظم وقته خارجه، إلا إذا كان الأمر ضروريًا للغاية.
واليوم كان واحدًا من تلك الحالات الضرورية.
«اجلسي.»
أشار ماكس إلى الأريكة في المكتب، ونهض ببطء من كرسيه. كان على وشك الجلوس قبالتها، لكنه توقّف للحظة.
المرأة التي رآها بعد أسبوع بدت مختلفة على نحوٍ ما. …أين؟ تساءل ماكس وهو ينظر إليها بعينين باردتين.
ملابسها الصارخة الساعية بيأس إلى لفت انتباهه، شعرها الذي بدا واضحًا أنه استغرق جهدًا كبيرًا، مساحيقها الفجّة، والرائحة القوية لمزيج من أفخم الزيوت والعطور والمساحيق…
كانت بلا شك فريا راسل، المرأة التي بدت وكأن كلمة تجمع بين الفخامة والشهوة قد تجسدت في هيئة إنسان.
«هل هو مجرد وهم؟»
ربما المختلف لم يكن هي، بل هو نفسه. فاليوم كان يومًا خاصًا بالنسبة له.
نعم، المختلف هو أنا على الأرجح. هل أنا متوتر حتى؟ سخر ماكس في داخله، ثم بدأ يتكلم.
«فريا.»
عند ندائه، رفعت عينيها الخضراوين الداكنتين، اللتين كانتا شاردتين فوق الطاولة المنخفضة، ونطقت شفاهها الحمراء، الشبيهة بالكرز.
«تفضل، ماكس.»
مرة أخرى. ما هذا؟ كانت هي المرأة نفسها كما في كل مرة. ومع ذلك، شعر مجددًا بذلك الانزعاج غير المبرر. وسرعان ما أدرك سببه.
تعبيرها.
فريا راسل، كما كان يعرفها، كانت دائمًا غاضبة، يائسة… أو مجنونة.
امرأة مجنونة بماكس راسل.
هكذا كان تقييم من حوله لها، وكان ماكس يوافقهم الرأي. أمامه، بدت فريا دائمًا مكسورة، شاردة، ومضطربة.
لكن الآن، كانت تبتسم بهدوء أمامه. فريا لا تغضب، لا تتشبث، لا تجنّ. هذا هو جوهر انزعاجه.
«هل يمكن أن تكون… تعلم شيئًا وتتصرّف هكذا؟»
للحظة، راوده الشك، لكن حتى لو كان كذلك، فلن يتغير شيء. لن يتراجع بعد الآن.
عشر سنوات من الخطوبة. خمس سنوات من الزواج. لفظ ماكس الكلمات التي أراد أن يقولها لها طوال تلك السنوات.
«لنتطلق.»
في اللحظة التي تردّد فيها صوته في المكتب الصامت، استنشقت فريا نفسًا خفيفًا. هل بدأ الأمر الآن؟ شدّ ماكس ملامح وجهه المتداعية قسرًا، وانتظر رد فعلها.
بكاء هستيري، صراخ، رمي أشياء، ثم التشبث به من جديد. خلال السنوات الخمس الماضية، كان هذا الصمت المرهق، بل الطبيعي، يتكرر دائمًا…
لكن لم يحدث شيء.
على نحوٍ محرج له، كانت المرأة تنظر إلى وجهه بصمت.
ما… ما هذا؟
مهما رغب في الابتعاد عنها، كان يعرفها جيدًا، وهي كذلك.
حتى لو كان التعلّق من طرف واحد، فإن خمسة عشر عامًا اضطرّ لقضائها معها كانت كافية لفهم شخص ما.
لكن في هذه اللحظة، بدت له المرأة أمامه غريبة، وكأن تلك السنوات الخمس عشرة بلا معنى.
«هل كانت حقًا… تعلم؟»
لا، حتى لو علمت مسبقًا، فهذا الرد لا يشبهها.
آه، هل يمكن أن يكون…
في تلك اللحظة، طفت إلى ذهنه الكلمات التي انغرست بقوة في ذاكرته من بين كل هراءاتها السابقة.
«ماكس، أنت في الحقيقة تحبني أيضًا. لماذا لا تعترف أنني الوحيدة لك، كما أنك الوحيد لي؟ لماذا لا تعترف بمشاعرك الحقيقية؟»
التوت شفتا ماكس وهو يسترجع الذكرى المزعجة.
«لماذا لا تجيب؟ لا تقل لي إنك ما زلت تعتقد أن مشاعري الحقيقية مختلفة، حتى في هذا الوضع؟»
«لا، ليس الأمر كذلك.»
على غير المتوقع، جاءه الرد فورًا. بل وواصلت كلامها بهدوء.
«ماكس، هذا صحيح. أعلم أن كلماتك الآن صادقة.»
«ماذا؟»
سأله دون وعي. وعلى عكس ارتباكه الواضح، بقيت فريا هادئة على نحو غريب.
«أنا أصدقك يا ماكس. وسأقبل بذلك. نعم. لنتطلق، نحن.»
عند هذا الجواب غير المتوقع إطلاقًا، بدا الاضطراب جليًا على وجه ماكس. في تلك اللحظة، ارتسمت ابتسامة مشرقة على وجه فريا.
«بعد عامين.»
هي، فريا بلانك، لا، فريا راسل، كانت مهووسة بماكس راسل لمدة خمسة عشر عامًا.
اليوم هو اليوم الذي وضع فيه ماكس راسل حدًا لذلك الهوس المملّ والبغيض، واليوم الذي قبلت فيه فريا مشاعره الحقيقية لأول مرة منذ خمسة عشر عامًا.
لكن… بشروط.
التعليقات لهذا الفصل " 1"