الفصل 19 : أكاديميّة الضُباط الكارثيّة التي حتى النُّخبة تراها لأول مرّة ¹³
انفجرت صرخةٌ حادّة في المكان، فبدأ طلاب الدفعة 87 الذين كانوا ما يزالون يتخبّطون في عالم الأحلام يفتحون أعينهم واحدًا تلو الآخر ويرفعون أجسادهم.
“آه، من الصباح وهي تصرخ وتزعجنا. دعنا ننام قليلًا!”
“لِمَ الصراخ، هه—!”
وما إن استيقظت الدفعة 87 حتى وقع بصرهم مباشرة على—
“يا للجنون….”
كان زميلهم مُعلَّقًا في وسط ساحة النوم، مربوطًا بإحكام إلى صليبٍ ضخم وهو لا يرتدي سوى شورت مربّعات.
وكانت اللوحة الخشبية المعلَّقة حول عنقه، والمكتوبٌ عليها “لِصّ”، تتأرجح كلما حاول أن يخفض رأسه قليلًا، لتُظهر وجوده بشكلٍ أوضح.
ورغم أنّ منظره المُعلَّق على الصليب يوحي وكأنه يتحمّل طقسًا روحيًا مُقدّسًا، إلّا أنّ الحقيقة كانت….
“…صار هكذا لأنه حاول سرقة النقاط؟”
سببٌ مُهين ولا يمكن أن يكون أسخف من ذلك.
هيئة زميلهم المعلَّق على الصليب وهو بالكاد يرتدي شيئًا شكّلت وصمةً لن تُمحى بسهولةٍ من ذاكرة جميع أفراد الدفعة 87.
حتى روزيلين، التي سبق وسحقت ذلك ألفار الذي حاول سرقة نقاطها، بدت الآن وكأنها رحيمةٌ مقارنةً بما حدث.
إذًا، من الذي استطاع أن يُحوِّل زميلًا شاركهم التراب ذاته لأربعة أيام متتالية إلى هذا المشهد المرعب والبائس؟
“هل تُبْتَ بما فيه الكفاية؟”
التُفتَت الأنظار كلّها إلى صاحبة الصوت الناعم.
ذات الشعر الورديّ المجعَّد التي صدمت الجميع خلال الأيام الماضية رغم مظهرها الضعيف الذي لا يوحي بأي تهديد.
اقتربت كلوي ووقفت على أطراف أصابعها، وربّتت على رأس “اللصّ” الذي يهزّ رأسه كجروٍ ينتظر مكافأة، ثم استخدمت قطعة الخشب الحادّة في يدها لقطع الحبال التي تشدّ أطرافه.
كانت آثار التقييد بارزة على معصميه—فنوع العقدة التي استخدمتها كلوي كانت تشدّ أكثر كلما حاول الأسير أن يفلت.
وما إن فُكَّت الحبال حتى سقط “اللّص” أرضًا بشكلٍ يائس، وكأنه دميةٌ مُلقاة بلا حياة.
نظرت كلوي إلى باقي الزملاء وهي تبتسم بعينيها وتقول بلطف:
“يا رفاق، لو أحدٌ منكم أحب أن يُجرّب التعليق على الصليب بدون ثيابه، فليتفضل ويأتِ إلي ليلًا للسرقة مثل هذا المسكين.”
كان ذلك كافيًا ليغرس الرسالة جيدًا في رؤوس أولئك الهمج. وشعرت كلوي بالرضا داخليًا، فقد ظنّت أنها خفّفت أسلوبها لتناسب متوسط مستوى العنف لديهم.
“لوووييد! إنتَ بخير؟ كيف خطرلكَ أن تسرق متجر هذه المجنونة؟!”
“كنت… فقط أردتُ آكل وجبةٍ محترمة مرةً وحدة فقط….”
همس “اللص” وهو يتشبّث ببنطال الزيّ الذي حمله صديقه ويداه ترتعشان.
ثم نزع اللوحة الخشبية من عنقه ورماها أرضًا. كانت تلك اللوحة قد صُنعت من قطعةٍ خشب التقطتها كلوي بنفسها.
حتى طالبةً سبق أن ضُربت بشدةٍ حين حاولت سرقة نقاط روزيلين، اتسعت عيناها فزعًا. فهي يومها اختارت روزيلين بدل كلوي—ولحسن حظها.
لو كانت قد اختارت كلوي، لربما كانت هي الأخرى مُعلَّقةً على الصليب تُرحّب بشمس الصباح.
لمجرّد التفكير بذلك، ارتجفت من الرعب. لم يجرؤ أحد بعد ذلك على مجرد التفكير بسرقة أي متجر.
وهكذا، من دون أن تدرك، أصبحت كلوي في نظر زملائها مخلوقًا لا يملك دمًا ولا دموعًا—كابوسًا حيًّا.
***
وكالعادة، تأخّرت الدفعة 87 عن طابور الصباح وتلقّت عقوبةً جماعية.
وبما أنهم يتأخرون كل يوم حتى دون أي حدثٍ مزعج، لم يجرؤ أحدٌ على لوم كلوي بسبب الضجيج الصباحي.
بالطبع، بالنسبة لكلوي ورفيقاتها، كان سبب التأخير هذه المرة حقيقيًا—فقد سهروا طوال الليل بسبب العقاب الذي أنزلته باللصّ.
دخلت كلوي قاعة الطعام بخطواتٍ أثقل من المعتاد بسبب التعب، ثم لاحظت شيئًا غريبًا: لوسيان كان يأكل وجبة “حساء للكلاب”.
فسألته لماذا يأكل وجبةً بدون نقاط رغم أنّ لديه نقاطًا جاهزًا.
فأجاب بكل فخر:
“قالت لي إحدى الآنسلت إنها ليس لديها نقاط، ولك تستطع الأكل… فاعطيتهم لها. إذا كان لأجل إحدى الآنسات، فهذه ليست مشكلةً أبدًا.”
وفي الجهة المقابلة، كانت إحدى المجنّدات تمضغ قطعة لحمٍ يابسة وترسل له قبلةً هوائيّة جافّة أقرب لإشارة إشعال سيجارة منها لشيء رومانسي.
ومع ذلك ابتسم لوسيـان بسعادةٍ وهو يواصل أكل حسائه. ورغم أنه تقيّأ قليلًا بعد لقمتين لأن الطعم لا يُحتمل، إلا أنّ عزيمته لم تهتز.
“كان واضحًا إنك كنت ستتخلّى عن نقاطك منذ البداية.”
“على الأقل انسرقت منك بطريقةٍ غير عنيفة.”
وتقبّل الجميع الموضوع بسهولة—فهذا بالضبط ما يتوقعونه من لوسيان.
‘هذا يعني لم يبقى شخصٌ غير ماريـيل؟’
بما أن الكل لن يجرؤ على سرقة كلوي أو روزيلين، والأغبياء الكسالى يريدون نقاطًا دون عمل، فهدفهم التالي سيكون ماريـيل بالتأكيد.
وبينما كانت كلوي تغمس خبزها في حساء البطاطا، رمت نظرةً على مارييل—فإذا بها، مثل لوسيـان، تأكل حساء الكلاب أيضًا بدل وجبة النقطة الواحدة.
“مارييل، هل أحدٌ سرق منكِ النقاط؟”
هزّت رأسها ببطء.
“لم انسَرق… تبادلته مع الخمر….”
“وهل حصلتي على الخمر؟”
“لا… قالت لي انها ستُحضره لاحقًا….”
وبهدوئها القاتل المعتاد، تناولت مارييل ملعقةً أخرى.
“يا مارييل، صدّقيني… لو تعدّينه تبرّعًا وينتهي الأمر عند هذا الحد، لكان أرحم لأعصابكِ من انتظار شرابٍ لن يصلكِ طوال عمركِ.”
وكعادتها، أطلقت فيني الحقيقةً بلا رحمة.
لم يكن هناك شك: والدا مارييل أرسلاها إلى نورثفورت كي تفهم واقع الحياة.
“طعمه جيد؟ دعيني أجرّب.”
لم تكن روزيلين قد جرّبت حساء الكلاب من قبل، لكن رؤية مارييل تستمتع به أثارت فضولها، فمدّت الملعقة.
وبعد أوّل لقمة، بدأت تتقيأ بشدّة، ثم شربت حساءها هي دفعةً واحدة لتمحو الطعم.
“كيف تاكلين شي مثل هذا؟!”
“طعمه مثل… شعيرٍ مُخمَّر وزبيبٍ ناضج… ربما أضافوا إليه خبز الشعير قبل أن يفسُد… الخمر من العنب… البيرة من الشعير المُخمَّر….”
إلا أن هذا لم يكن خمرًا ولا بيرة—بل حساء قمامةٍ حقيقية.
ومع ذلك كانت مارييل تأكله وكأنه اكتشافٌ فنّي. وهذا جعلها تبدو بدورها مجنونةً بشكل آخر.
التعليقات لهذا الفصل " 19"