الفصل 14 : أكاديميّة الضُباط الكارثيّة التي حتى النُّخبة تراها لأول مرّة ⁸
على الرغم مِن أنّ الأمر لم يكُن تدريبًا وحشيًّا يُطلَق فيه الرصاصُ الحيّ على الأشخاص المتحرّكين كما خطر ببال كلوي بلا قصد، إلّا أنّ إيقافَ شخصٍ بجانب الهدف كان أمرًا صادمًا بما يكفي.
كانت كلوي تتمنّى ألّا يكون السلاح الجديد الذي استلموه بندقيةً حقيقيّة.
فإنْ كان السافلُ الخسيس الواقفُ بجانبها يبتسم برضا هو شريكها، فاحتمال أن يتظاهر بالخطأ ويُفرغ رصاصةً في رأسها بدلًا من الهدف كان احتمالًا مرتفعًا للغاية.
“تقدّم أولًا؟”
“لِمَ لا تتقدّمين أنتِ أولًا؟”
دفعها ثيودور من ظهرها بشكلٍ طبيعي جدًّا.
وبالطبع، كانت كلوي مصمّمةً على ألّا تتعرّض للموقف نفسه مرّتين، فشدّت قدميها على الأرض وحاولت أن تدفعه هي الأخرى—
“خمس ثوانٍ!”
وبمجرّد سماعها صراخَ المدرّب الأحول، تحرّكت ساقاها بلا وعي منها وانطلقت نحو الهدف.
لقد كان ذلك مجرّد عادة راسخة في جسدها لا تُقاوَم.
وقفت تمامًا بجانب الهدف كما طُلِب منها، فسمعت مِن يمينها صوت أسنانٍ ترتجف وهي ترتطم ببعضها.
‘مَن يكون شريك هذا الشخص بحقّ الجحيم ليخاف هكذا؟’
ضيّقت عينيها ونظرت إلى الشريك الواقف بجانب زميلها على اليمين، فرأت الشعر الفضيّ الرماديّ.
‘حسنًا، مجنونٌ واحد أفضل من هذا الخسيس.’
“هل تودّ أن أبدّل لك شريكك؟”
بمجرّد ما قالتها، رأى زميلُها شريك كلوي فهزّ رأسه بعنف وهو يتراجع في نفور.
يبدو أنّه تعرّض لسرقة حقيبة الإمدادات خاصّته على يد جماعة ثيودور.
ولعلّه شعر ببعض المواساة لأنّ شريكه لا يزال أفضل من شريك كلوي، فانفرجت ملامحه سريعًا.
قبل قليل، إنْ أخطأ أحدهم في إصابة الهدف، فكان عليه فقط أن يتحمّل بضع شتائم من المدرّب وينتهي الأمر.
لكنّ الوضع الآن مختلف.
في اللحظة التي يختلّ فيها تركيز التصويب، ستنغرس الرصاصة في جسد الشريك.
ومع إدراكهم أنّ حياة شريكهم معلّقة بإصبعهم، أصبح الجميع أكثر جدّيّة بكثير مِمّا كانوا عليه قبل قليل.
حتى روزيلين التي كانت مفرطة الثقة بمهارتها، محَت ابتسامتها المتعجرفة.
طبعًا، باستثناء الاثنَين الواقفين أمام كلوي.
كان ألتير يصوّب نحو الهدف بوجهٍ بارد متبلّد، فيما كان ثيودور لا يزال يحتفظ بتلك الابتسامة المزعجة وهو ينظر إلى كلوي بدلًا من الهدف.
“ابدأوا الرماية!”
طاااق—!
كانت المسافة بين نقطة سقوط رصاصة الطلاء التي أطلقها ثيودور وبين ذراع كلوي الملتصقة بالهدف لا تتعدّى طول عقل إصبع واحد.
‘هذا الحقير يفعلها عن قصد، بلا شك.’
حدّقت كلوي في ثيودور رافعةً حاجبها.
كانت تعرف أنّ هذا السافل يجيد الرماية جيّدًا.
لقد رأته بوضوح يُصيب العشرة في جميع الطلقات باستثناء طلقة واحدة أصابت التسعة.
وبما أنّها الآن تعلم أنّ الرصاص ليس حقيقيًا بل طلقات طلاء، فلن تهتزّ من محاولاته الترهيبيّة.
لكنّ تلقّي رصاصةٍ ثانية تُصيب الهواء الملاصق لذراعها لم يكن تجربةً مُمتعة إطلاقًا، خصوصًا وهي تعرف بالضبط ما الذي ينوي هذا الوغد فعله.
الطلقة الثالثة.
اصطدمت رصاصة الطلاء بحافة الهدف بصعوبة وكادت تنحرف نحوه لو اختلّت بقدرٍ يسير.
تناثر الطلاء الأحمر من الرصاصة مُلطّخًا كمّ زيّها العسكري.
وبينما كانت كلوي تضحك ضحكةً قصيرة بلا معنى، رأت ألتير يتوقّف عن إطلاق النار ويسير بخطواتٍ ثابتة نحو ثيودور.
أمسك ألتير مؤخرة عنق ثيودور ودفعه دفعًا قويًّا ليعود إلى موقعه الأصلي، ثمّ وجّه سلاحه نحو الهدف الملاصق لكلوي بثبات هادئ.
ثلاث طلقات دوّت على التوالي.
أصابت كلّها مركز الهدف تمامًا.
‘إلى متى ينوي هذا الأحمق ردّ الجميل الذي لم يكن يعلم أصلًا أنّني منحتُه إيّاه؟’
وبفضل استيلاء ألتير على باقي الستّ طلقات، لم يحصل ثيودور على أيّ فرصةٍ جديدة لترويعها.
وأخيرًا، حان وقت تبديل الأدوار.
فعلت كلوي كما فعل ألتير واستبدلت موقعها بشكل طبيعي مع زميلها الواقف بجانبها.
كانت كلوي عازمةً على أن تُري ثيودور مهارة الرماية الحقيقيّة التي يملكها النخبة، وأن تُدوس كبرياءه الذي لا يتوقّف عن القفز مهما سُحِق.
ضحكت بخفّة وهي تنظر إلى ثيودور الواقف بجوار الهدف، ثمّ وجّهت فوهة البندقية نحو مركز الهدف.
وبمجرّد تلقّيها إشارة بدء الرماية، أدارت فوهة البندقية فجأة.
وكانت إصبعها على الزناد بلا أدنى تردّد.
طاااق!
لم تلمس رصاصة الطلاء الهدفَ إطلاقًا.
بل عبرت الهواء لتلامس الجلد تحت أذن ثيو مباشرةً.
ورغم أنّ الريح لم تهب، تطاير شعر ثيودور بتأثير مرور الرصاصة.
حمل يده إلى خده وأذنه في ذهول بسبب الحرارة التي لامست فكّه وأذنه، ثم رمق كلوي بوجهٍ شاحب قبل أن تهوي به قدماه ويجلس على الأرض.
“لم أتوقّع أن يتأثّر إلى هذا الحدّ من مهارتي.”
هزّت كلوي كتفيها وهي تسحب الزناد مُجدّدًا.
بعد الأذن، جاء الدور على الرقبة.
مرّت رصاصة الطلاء هذه المرّة أيضًا قرب خطّ فكّه ورقبته بطريقةٍ مخيفة دون أن تصيب الهدف.
وبدأ ثيو يُدرك أنّ التحرك سيزيد احتمالية إصابته، فظلّ جسده متجمّدًا وشدّ قبضته بعنف.
‘رائع… لو كان هذا في الأكاديمية الملكيّة المركزيّة، لطُردتُ فورًا. لكن هذه نورثفورت… طبعًا يسمحون بهذه الحماقات. هذا المكان فعلاً ليس سوى معسكر للمجانين.’
أطلقت كلوي في داخلها شهقة إعجابٍ صغيرة وهي تعرض مهارة النخبة من منظور “المجانين” الذي تؤمن أنّه طبيعي هنا.
لكن كلوي، المقتنعة بأنّ هذا المستوى هو المتوسّط الحقيقي لمجانين نورثفورت، لم تُدرك أنّ “المجانين الحقيقيّين” حولها كانوا ينظرون إليها برعب.
“أيتها السافلة! ألا تصوّب بشكلٍ صحيح؟ قلتُ لكِ اضربِ الهدف! هل أنا الهدف؟ هاه؟”
وفي اللحظة نفسها التي أخذت فيها روزيلين، التي أصابتها رصاصة طلاء طائشة من مارييل، صرخت ولعنت بأعلى صوتها، تحوّلت كلّ الأنظار إليها وإلى مارييل.
وبالتالي، فُوّتت على كلوي فرصة إعادة تقييم معيار “المجنون” في نورثفورت.
أطلقت كلوي بقية رصاصات الطلاء على مركز الهدف بشكلٍ متتالي، ثمّ مدّت يدها نحو ثيودور وهي تبتسم بلُطف.
ارتعش جسده للحظة، ثم صرف ثيودور وجهه عنها ونهض وحده وهو يعضّ على أسنانه.
كان زيّ كلوي متّسخًا ببقع الطلاء الأحمر، بينما كان زيّ ثيودور نظيفًا، لكنّ الذي بدا مُهانًا وواضحًا عليه آثار الهزيمة كان ثيودور بلا منازع.
“مؤسفٌ قليلًا أن السلاح ليس بندقيةً حقيقيّة. تشعر بالأمر أنت أيضًا، أليس كذلك؟”
سؤال كلوي اللطيف تحوّل تلقائيًا في آذان جميع الحاضرين—بما فيهم ثيودور —إلى معنى آخر:
“مؤسف أنّني لم أستطع إطلاق رصاصةٍ حقيقيّة على رأسك.”
كانت تلك اللحظة التي انتقل فيها تقييم كلوي مِن “مجنونة يُفضّل عدم استفزازها” إلى “مجنونةٍ خطيرةٍ تمامًا”.
***
بعد إنهاء التدريب النهائي بالرماية الحقيقيّة على مسافة 250 مترًا، انتهى أخيرًا كل تدريبهم العسكري الأساسي.
وبدءًا من الغد، سيتمكّنون أيضًا من حضور المحاضرات في قاعة الدروس.
وعلى الرغم من أنّ كلوي تفضّل التدريب العمليّ على المحاضرات المملّة، إلّا أنّ مواجهة تدريبات نورثفورت المجنونة جعلها تشتاق تلقائيًا إلى صفوف المحاضرات الهادئة.
“آه… سأموت….”
كان الإرهاق ينهش أجسادهم بعد سلسلة من التدريبات القاسية، فتمتم الجميع بشكاوى وهم ينهارون في ساحة المعسكر.
وبفضل ما نقله طلاب دفعة 87 خلال الأيام الماضية من النفايات إلى مكبّ القمامة، عاد مكان سكنهم من مكبّ قمامة صغير إلى مساحة شبه خالية.
لكن حياتهم لم تتغيّر كثيرًا.
بدلًا من النوم فوق النفايات، صاروا ينامون فوق التراب مباشرةً.
بحثت كلوي لمدّة يومين كاملين عن مواد تبني بها مسكنًا مؤقتًا، حتى نبشت مكبّ القمامة بنفسها، لكن كل ما وجدته كان عِصيّ خشب عديمة الفائدة.
كانت كلوي تُجفّف زيّها العسكريّ المبتلّ من الماء بعد غسله يدويًا، تهزّه بيديها وتعلّقه ليجفّ، بينما تضع خطط الغد بعناية.
‘غدًا بعد المحاضرات، سأجوب المحيط للبحث عن مواد يمكن استخدامها…’
وكذلك لألتقط أي معلومات مفيدة قد أرفعها للقيادة العليا.
والآن بعد انتهاء التدريب العسكري الأساسي، سيكون لديهم بعض الوقت لتفقّد محيطهم.
“إلى متى عليّ أن أرجّ هذا الشيء؟”
“إلى أن يجفّ طبعًا، يا هذا. إن وضعته على الأرض وهو رطب، سيلتصق به التراب والغبار.”
كان زيّ روزيلين، المتّسخ مثله مثل زيّ كلوي بالطلاء، يُجفَّف بالطريقة نفسها بعدما غسلته مارييل.
وهذا هو السبب في أنّ كلوي ومارييل كانتا تُجفّفان زيّهما رغم امتلاكهما بدلًا إضافيًا.
“اللعنة… غدًا، سأستخدم خمس نقاط كاملة لأكل قطعة لحم. إن اكتفيتُ بالخبز فقط فلن تزول هذه الكدمات.”
تمتمت روزيلين وهي تُدلّك ذراعها وبطنها المكسوّة بالكدمات الزرقاء بعدما أصابتها رصاصتا طلاء من مارييل.
“ألم تكن قطعة اللحم بنقطتَين؟”
“تلك القطعة اليابسة؟ اللعنة، إن أكلتُ تلك المهزلة مقابل نقطتَين فسأفضل أن أضيف نقاطًا لأحصل على الوجبة المميّزة.”
“ستستخدم خمس نقاط لوجبة واحدة؟”
“ماذا لو احتفظتُ بالنقاط ثم لم أتمكّن من استخدامها؟ لديّ ستّ نقاطٍ كاملة! يجب أن أستخدمها بسخاء الآن.”
وصلت كلماتهم إلى آذان بعض الزملاء القريبين، فجعلتهم ينظرون إلى مجموعة كلوي بنظراتٍ غير مريحة.
تلك الليلة.
بمجرد انطفاء أضواء المعسكر وخلود الجميع للنوم، تحرك ظلّ غريب بهدوء في العتمة.
كان الظلّ يمشي على رؤوس أصابعه وهو يقترب من روزيلين النائمة، تمامًا مثل فأرٍ صغير.
وبعد أن تحسّس الأرض في عدّة أماكن حوله، رفع بلطف طرف المعطف الذي كانت روزيلين تتغطّى به.
التعليقات لهذا الفصل " 14"