دوّى صراخٌ متقطّع داخل الغرفة. أخذت جولييتا تصرخ بيأس وهي تحاول الإفلات منه بكل ما أوتيت من قوة. عندها، أمر إيفان الخدم الواقفين خلف الباب، الذين كانوا يراقبون المشهد بعيون قلقة، أن يبتعدوا. لم يكن أمامهم سوى إغلاق باب الغرفة والتراجع على مضض.
بعد ذلك، أمسك إيفان ذراعي جولييتا بكلتا يديه بقسوة وقال ببرود:
“هل تظنين أن هذا التصرف البائس سيغيّر شيئًا؟”
حدّقت جولييتا فيه وصرخت بصوتٍ مرتجف:
“اتركني! لا تلمس جسدي!”
“هاه……”
ضحك إيفان بسخرية وكأن الأمر يثير اشمئزازه، ثم قال بنبرة قاسية:
“الآن صرتِ تتقمصين دور الضحية أيضًا؟ حقًا، لا أمل منك.”
واصل إيفان حديثه بلا رحمة، وعلى شفتيه ابتسامة باردة:
“أتذكرين ما قلته سابقًا؟ إن واصلتِ التظاهر بالجنون سأحبسك في الغرفة. إن كنتِ تريدين أن تبقي محبوسة هنا، فافعلي ذلك مدى الحياة. سأجعل من المستحيل عليك حتى الخروج من هذه الغرفة.”
أطبقت جولييتا شفتيها بإحكام.
لم تحبس نفسها في هذه الغرفة إلا لمعارضة إرادته. مهما فكّرت، لم تستطع تقبّل فكرة إنجاب طفله. كان هذا إكراهًا قاسيًا لا يُطاق.
“……المجنون لستُ أنا، بل أنتَ.”
كانت خائفة منه، لكنها جمعت شجاعتها وتكلمت. نظر إليها إيفان وهو يقطّب حاجبيه.
“ما الذي تريده حقًا من إنجاب طفل معي؟ لا أستطيع تفسير هذا إلا بالجنون.”
“آه، إذًا هذه هي المشكلة؟”
ابتسم إيفان بخفة غير متوقعة. ارتبكت جولييتا للحظة؛ فتصرفه كان مختلفًا تمامًا عن قسوته المعتادة، هادئًا بشكل مريب.
أفلت يديه من كتفيها وضمّها بلطف إلى صدره. ارتعشت جولييتا بدهشة عند إحساسها بلمسته.
“منذ متى تزوجنا؟ حان وقت إنجاب طفل. لكِ ولي.”
همس قرب أذنها وهو يمرّر كفّه الكبيرة على مؤخرة رأسها.
“قد يكون هذا ما تريده أنت، لكنني لا أريده. لا أريد طفلًا.”
رغم وضوح موقف جولييتا وحزمها، لم يبدُ على إيفان أي ارتباك. اكتفى بأن يطبع قبلة عميقة على عنقها.
كلما لامست شفاهه عنقها ازداد الإحساس لزوجة وثقلاً. حاولت جولييتا دفعه، لكنها ارتعشت رغماً عنها، فضحك إيفان بصوتٍ منخفض.
“جولييتا، من أجل الطفل الذي سيولد، لا تبقي في مكان مظلم كهذا. اخرجي إلى مكان مضيء، واعتني بطعامك جيدًا.”
لم يُعر كلامها أي اهتمام، وتصرف وكأنها حامل بطفله بالفعل. شحُب وجه جولييتا وهزّت رأسها بنفور.
“لماذا هذا الآن؟ متى اهتممتَ بحالتي أصلًا……”
بينما كان يقبّل عنقها، انتقلت شفاه إيفان إلى عظم ترقوتها. راحت جولييتا تتلوّى محاولة الابتعاد عنه. عندها، رفع إيفان تنورتها وقال بنبرة ذات معنى:
“حسنًا…… قد لا أكون زوجًا حنونًا، لكنني أنوي أن أكون أبًا عطوفًا.”
تجمّدت حركة جولييتا عند كلماته.
لم يكن تهديدًا، ولا إغواءً معسولًا. بدا وكأنه يقول الحقيقة فحسب، وهذا ما جعله أكثر قسوة.
عضّت جولييتا شفتها السفلى بقوة. أرادت أن تبعد يده الفظة المتسللة تحت تنورتها، لكنها لم تجد في جسدها القوة.
“……هل يمكن لطفل يولد بلا حب أن يكون سعيدًا؟”
قالت جولييتا ذلك بصوتٍ واهن. وما إن انتهت، حتى انقضّت شفاه إيفان عليها، يغمرها بقبلٍ متعطشة، ويجذب الجزء السفلي من جسدها إليه. وعندما ابتعدت شفاهه قليلًا، سمعت صوته المنخفض:
“لا تحكمي على سعادة طفلي بتهوّر.”
“آه…… آ، أُه.”
وقف إيفان كما هو، وفي الوضعية نفسها، وامتلك جولييتا. انهمرت الدموع بلا توقف على وجنتي جولييتا.
وهكذا انتهت مقاومة جولييتا.
بعد تلك المقاومة البائسة، صار إيفان كلما سنحت له الفرصة يمتلك جولييتا، وتوالت الأيام التي كانت ترتجف فيها جسدًا تحت وطأة اللذة القسرية بلا انقطاع.
______________
شـاااا―
منذ عدة أيام، كان المطر يهطل بغزارة كأنه يفرغ السماء دفعة واحدة. في براكسيتر، ابتلعت أصوات قطرات المطر الثقيلة كل الأصوات الأخرى، فغرق المكان في صمت خانق. بل بدا وكأن براكسيتر نفسها محاصرة داخل ذلك الصوت.
في وسط غرفة المعيشة، جلست جولييتا على كرسي هزّاز، تحدّق في الفراغ بعينين خاويتين.
حتى صوت المطر العنيف القادم من خلف النافذة لم يتمكن من اختراق قلبها المنغلق بإحكام.
ولم يكن ذلك مستغربًا، فواقعها المرعب كان مستمرًا بلا توقف.
إيفان انتزع منها حبوب منع الحمل وأجبرها على الحمل. كانت جولييتا ترفض بشدة في كل مرة، لكن النهاية كانت دائمًا علاقة قسرية تتكرر مرارًا. حتى هذا الصباح، كان الأمر قد تكرر من جديد.
كل شيء كان يسير وفق إرادة إيفان وحده. وسط هذا الوضع البائس، شعرت جولييتا بأنها على وشك الجنون حقًا.
وفوق ذلك، بعدما فقدت هدفها في كشف حقيقة جيرين، بدأت جولييتا تذبل يومًا بعد يوم. أخذ وزنها ينخفض تدريجيًا، وجسدها النحيل أصلًا صار أكثر هزالًا وضعفًا.
كان إيفان يأمرها، ولو بالقوة، أن تتناول الطعام، لكنها بعد كل وجبة مقززة كانت تتقيأ كل ما ابتلعته.
بدت جولييتا وكأنها تموت ببطء. وإيفان، الذي كان يراقبها عن قرب، لا بد أنه كان يدرك حالتها جيدًا، ومع ذلك تركها وكأنه يتجاهل الأمر عمدًا.
هيما: هو هذا البطل؟
‘إذا حملتِ بطفل، فكل شيء سيصبح على ما يرام.’
تذكرت جولييتا الكلمات التي سمعتها منه ذات يوم. كان يعلّق آمالًا كبيرة على الطفل بشكل غريب. وربما لهذا السبب، كان هوسه موجّهًا نحو جولييتا وجسدها، ونحو ‘الطفل’ الذي سيولد منها.
كلما قرأت ذلك الهوس الشاذ، تراكمت الكراهية في قلب جولييتا أكثر فأكثر. والكراهية المتراكمة سرعان ما تحولت إلى فكرة الهرب. منذ اليوم الذي قررت فيه التخلي عن مشاعر الحب، بدأت تفكر بجدية في كيفية الفرار من براكسيتر. وبمجرد أن تجد أي احتمال ممكن، أرادت الهرب من هذا المكان. قبل أن تحمل بطفل.
‘هناك طريقان للخروج من براكسيتر… أحدهما ممر مشاة مُعبَّد جيدًا، والآخر طريق مختصر غير ممهد.’
وهي تحدّق في الفراغ بنظرة شاردة، استحضرت جولييتا المشاهد التي اعتادت رؤيتها أثناء تنقلها داخل براكسيتر.
‘إذا تسللتُ عبر الطريق المختصر غير الممهد المليء بالأشجار… فهناك احتمال ألا يُكشف أمري.’
كانت غارقة في أفكارها الآلية بنظرة فارغة، حين انفتح باب غرفة المعيشة فجأة. تجمد جسد جولييتا توترًا، لكن لحسن الحظ، دخلت إيما بهدوء. انحنت إيما تحيةً بأدب لجولييتا، ثم اتجهت نحو الراديو وأدارته.
عند الضجيج المفاجئ، عقدت جولييتا حاجبيها وسألت:
“…ما هذا؟”
أجابت إيما بهدوء على سؤال جولييتا المشحون بالتوتر:
“السيد قال إنه وجد محطة إذاعية مفيدة للتربية الجنينية، وأمرني بتشغيلها لكِ، سيدتي. الترددات هي 873 كيلوهرتز و981.2 كيلوهرتز. قمتُ بتشغيل 873 كيلوهرتز الآن.”
عند سماع ذلك، أطلقت جولييتا زفرة قصيرة. وبعدها، انساب لحن بيانو هادئ من الراديو.
‘يعاملونني كأنني حامل فعلًا.’
كان هذا التعامل المبكر مزعجًا لها. تصاعد الضيق في صدرها، وأرادت إطفاء الراديو فورًا، لكنها لم تشأ إهدار طاقتها بلا جدوى.
بعد أن طلبت منها إيما أن ترتاح، انسحبت بهدوء.
فامتلأ الصمت من جديد بصوت المطر، ممتزجًا بلحن البيانو.
حدّقت جولييتا في الراديو، ثم أصغت بهدوء إلى النغم الهادئ الذي يبعث على تهدئة النفس. وفجأة، خطرت لها فكرة.
‘الآن وقد فكرت بالأمر… كان أبي يستمع إلى الراديو كل يوم أيضًا.’
عند الساعة الرابعة عصرًا تمامًا.
بشكل اعتيادي، أعمى، لا يتغير.
ما إن خطرت الفكرة ببالها، حتى لمع بريق حاد في عينيها الخاويتين. رفعت جولييتا نظرها فورًا إلى الساعة. كان الوقت يقارب الثالثة والنصف بعد الظهر.
التعليقات لهذا الفصل " 47"