انطفأ نور الأمل، ولم يبقَ في مكانه سوى واقعٍ باردٍ قاسٍ.
وبمرور الوقت، انتهت الجنازة.
دُفن تابوت بالمر عميقًا في باطن الأرض، وراح المعزّون يترددون قليلًا أمام المكان الذي وُري فيه الجثمان، ثم بدأوا يغادرون تباعًا.
نظرت جولييتا بأسى إلى ظهر مارثا، التي كانت جالسة أمام قبر بالمر تبكي وتنوح.
“هيا، لنذهب نحن أيضًا.”
جاء صوت إيفان منخفضًا وباردًا. لفّ ذراعه حول كتفي جولييتا محاولًا أن يغادر المكان بهدوء. وفي تلك اللحظة تحديدًا—
نهضت مارثا فجأة، التي كانت جالسة على الأرض، واتجهت نحو جولييتا. وفي اللحظة التي استدارت فيها جولييتا بدهشة بسبب الحركة المفاجئة، قبضت مارثا على ياقة ثوبها بعنف.
“قالت الشرطة إن أبي قُتل بعد زيارتك له مباشرة.”
“ا– انتظري لحظة…!”
“أنتِ من قتل أبي، أليس كذلك أيتها الحقيرة؟!”
كان صوت مارثا يرتجف بجنونٍ من شدة الغضب. شحبت جولييتا وهزّت رأسها بسرعة نافية، لكن مارثا لم تُفلِت قبضتها.
“أه… آه…”
كانت جولييتا تطلق أنينًا متألمًا، حين أمسك إيفان بذراع مارثا ودفعها بقوة بعيدًا دفعة واحدة. عندها فقط استطاعت جولييتا الإفلات من قبضتها. تراجعت مارثا بضع خطوات، وقد شحب وجهها حتى صار أبيضَ كالموت.
“هل أنتِ بخير؟”
سأل إيفان وهو يضمّ جولييتا إلى صدره.
“نـ… نعم، أنا بخير…”
وبمجرد أن أنهت جولييتا إجابتها، أشارت مارثا إليها بإصبعها وصرخت بجنون:
“كل هذا بسببها…!!”
عندها، نظر إيفان إلى مارثا الصارخة نظرةً باردةً صامتة. لم يكن في عينيه أي أثر لمشاعر. ومع ذلك، ارتجف جسد مارثا لا إراديًا أمام نظرته القاسية. وبعد أن أخضعها بنظرةٍ جليدية واحدة، صرف بصره أخيرًا وقال لجولييتا:
“يبدو أن الكلام معها بلا فائدة. اتركيها ولنذهب.”
كان في صوته حكمٌ قاطعٌ لا يقبل النقاش. لم تستطع جولييتا قول أي شيء، واكتفت بالنظر إلى مارثا بعينين قلقتين. أما مارثا، التي تُركت خلفهما، فقد انهارت ببطء وجثت على الأرض، ثم انفجرت مرة أخرى في بكاءٍ مرير.
“إي… إيفان…”
نادته جولييتا بصوتٍ مرتجف من شدة القلق، لكنه لم يجبها، بل اكتفى بأن يضمّ كتفيها ويتابع السير وهو ينظر إلى الأمام فقط.
وهكذا، أخذ صوت العويل يبتعد شيئًا فشيئًا.
_ ‘كل هذا بسببها…!!’
ظل صراخ مارثا قبل قليل يتردد في رأس جولييتا دون انقطاع.
‘لو أنني… لم أذهب لزيارة السيد بالمر… هل كان سيبقى حيًا؟’
اجتاح جولييتا شعورٌ جنوني بالذنب، فبدأت تلهث بعنف وأسرعت خطواتها. لكن مع كل خطوة كانت تخطوها، كان الذنب يزداد ثقلًا. كادت تركض عائدةً إلى مارثا لتعتذر منها على الفور.
‘كل شيء بسببي… لأنني لم أكن حذرة بما فيه الكفاية…’
راحت جولييتا توبّخ نفسها بلا رحمة، وقبضت بيدها على رأسها. كان الألم يعصف برأسها، وأنفاسها تزداد اضطرابًا.
“……جولييتا؟”
ترنح جسدها مرة، فناداها إيفان. رفعت جولييتا نظرها إليه بضعف محاولة أن تقول إنها بخير، لكن الكلمات لم تخرج.
سحبت نفسًا عميقًا مرة أخرى، وقالت بصعوبة:
“أنا بخير… بخير.”
تأمل إيفان حالتها للحظة، ثم شدّ ذراعه حول كتفيها بإحكام أكبر.
وقد أوشكت على الإغماء، اعتمدت جولييتا على ذراع إيفان وتمكنت بالكاد من الصعود إلى السيارة التي كانت تنتظر.
كان وجهها شاحبًا، وأنفاسها لا تزال غير منتظمة. راقبها إيفان باهتمام وهو يجلس إلى جانبها، ثم قال:
“إلى براكسِتِر. بأسرع ما يمكن.”
وبمجرد أن انتهى من كلامه، انطلقت السيارة.
نظرت جولييتا إلى المنظر خارج النافذة بعينين جافتين، ثم فتحت فمها فجأة بدافعٍ مفاجئ.
“إيفان…”
عند ندائها الجاف، لم يُجب، بل نظر إلى جانب وجهها بصمت. شعرت بنظرته، فسكتت قليلًا قبل أن تقول فجأة:
“اعثر على من قتل السيد بالمر… أنت قادر على ذلك، أليس كذلك؟”
وكأنه كان ينتظر هذا الطلب، أجاب إيفان فورًا:
“حسنًا، سأفعل.”
بعد ذلك، غرق داخل السيارة في صمتٍ ثقيل. كان إيفان يحدّق بإصرار في جانب وجه جولييتا الصامت، كأنها ابتلعت كل ما تريد قوله، ثم حوّل نظره نحو النافذة.
راح يتأمل المشهد العابر في الخارج، ويواصل أفكاره بصمت.
في الحقيقة، كان قد بدأ التحقيق في قاتل بالمر قبل أن تطلب منه جولييتا ذلك أصلًا، بل وضمّ إليه التحقيق حول جيرين أيضًا.
أمام جولييتا، تحدّث وكأن لا مجال للتفكير أو الشك، لكن إفادتها في ذلك اليوم تركت في داخله شيئًا مريبًا.
ومهما فكّر، لم يستطع التخلص من الشعور بأنه يفوّت عنصرًا مهمًا في موت بالمر.
المشكلة كانت في التوقيت.
حقيقة أن بالمر مات في اليوم نفسه الذي ذهبت فيه جولييتا لرؤيته، كانت أكثر ما أقلقه.
بعد تفكير طويل في موت بالمر ووجود جيرين، اضطر إيفان في النهاية للاعتراف بإمكانية وجود صلة وثيقة بين الأمرين.
لكنه لم يكن يصدق كلام جولييتا.
كان يعتمد فقط على حدسه المهني الخالص.
حين وسّع دائرة التحقيق، ولم يحصر قضية بالمر في عداوة شخصية، بل وضع احتمال كونها عملًا إرهابيًا، أصبح سير التحقيق أسهل بكثير.
نتائج تشريح جثة بالمر هاوود حصل عليها بسهولة عبر الشرطة.
تبيّن أنه أُصيب بست طلقات نارية، اثنتان منها استقرتا في جسده.
وعند فحص الرصاص، لاحظ وجود أخاديد غريبة محفورة فيه.
في اللحظة التي رأى فيها تلك الأخاديد، اجتاح جسد إيفان شعورٌ بارد.
كانت مشابهة بشكل مخيف للرصاص الذي أباد عائلته.
والسلاح الذي عُثر عليه في مسرح الجريمة، كان من النوع نفسه الذي استُخدم في قتل عائلته.
كانت مصادفة غريبة… أكثر من اللازم.
وفي اللحظة التي واجه فيها تلك المصادفة وتلك الحقائق، لم يعد إيفان قادرًا على إنكار وجود جيرين.
كما أصبح من الصعب استبعاد احتمال أن يكون إرهابي حفل السفينة تابعًا لجيرين.
صحيح أن الجاني في حادثة الحفل البحري قد أُلقي القبض عليه.
وكانت الجريمة تُنسب إلى فعل فردي.
لكن إن كان ذلك الشخص قد اعترف عمدًا لإخفاء وجود جيرين، فالقصة تصبح مختلفة تمامًا.
بدا وكأن القضية قد حُلّت، لكن ما دام هناك حقيقة خفية مرتبطة بجيرين، فإن جوهر الحادثة لم يُفك بعد.
أراد إيفان أن ينبش أمر جيرين فورًا، لكن الأمر لم يكن سهلًا بعد القبض على متهم حفل السفينة.
كما أن احتمال تجاهل القيادة العليا لشكوكه كان كبيرًا، تمامًا كما تجاهلوا شهادة جولييتا.
وفوق ذلك، فإن إثارة شبهات غير مؤكدة قد تؤدي فقط إلى تعقيد الأمور أكثر.
وفي النهاية، لم يكن أمامه سوى مواصلة التحقيق وحده، دون إخبار أحد.
بدأ بمصادرة سجل جهات الاتصال، وسجلات المكالمات، والمراسلات الشخصية، بحجة البحث عن قاتل بالمر هاوود.
لكن لم يظهر أي دليل يُذكر.
منذ البداية، واجه التحقيق صعوبات جمة.
بحث عن ستيفن الذي قالت جولييتا إنها التقت به، لكن عدد الأشخاص الذين يحملون هذا الاسم في الإمبراطورية كان هائلًا.
اضطر في النهاية لتغيير الاتجاه، وبدأ التحقيق في شبكة علاقات برامس.
ومن خلال ذلك، نجح في العثور على شخص يُرجّح أنه ستيفن الذي التقى بجولييتا.
لكن المفاجأة كانت أنه مسجّل كمتوفى منذ عدة سنوات.
فكّر إيفان أن سؤاله المباشر لجولييتا قد يكون أسهل.
أن يسألها عمّا سمعته من بالمر، وما إن كانا قد تحدثا عن منظمة جيرين.
التعليقات لهذا الفصل " 45"