إيفان، الذي كان رأسه قد انحرف، ظلّ واقفًا دون حراك للحظات، وكذلك جولييتا تجمّدت في مكانها.
رفع إيفان يده ببطء إلى خدّه، وحدّق بها بعينين باردتين. كانت جولييتا في تلك اللحظة مذهولة تمامًا من الفعل الذي صدر عنها لتوّها. فهم إيفان حالتها النفسية في لحظة، فتعمد أن ينظر إليها بازدراء، وعلى وجهه تعبير يفيض احتقارًا، وقال:
“……يبدو أن الطبيعة القذرة لا يمكن إخفاؤها. والدكِ أو أنتِ، لا فرق.”
“هاهك……!”
زفرت جولييتا أنفاسها بعنف، ووجهها شاحب إلى حدّ الزرقة.
لم تكن تنوي هذا. لم تكن تنوي أبدًا، لكن ما إن سمعت كلمات الإهانة حتى سبق جسدها عقلها. كان ذلك أول مرّة تختبر فيها إحساسًا يخون فيه الجسدُ العقلَ تمامًا.
“بهذا الشكل، ألن ينتهي بك الأمر إلى القتل لاحقًا؟”
شعرت وكأن قلبها توقّف.
“لا…… لا……!”
راحت جولييتا تكرّر كلمة “لا” بلا توقف، وهي تغطّي وجهها بيدين مرتجفتين. وحين رأى إيفان حالتها الغارقة في الهلع التام، ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة.
الآن هو الوقت المناسب.
وقت شدّ طوق كلبٍ متمرّد.
هيما: كم تعليق ونفجر ايفان طفح الكيل ازبل بطل
“جولييتا.”
همس إيفان بصوتٍ ناعم وهو يلفّ ذراعيه حول كتفيها. وما إن لامست يده كتفها حتى انكمش جسد جولييتا غريزيًا.
“لا داعي لأن تعتذري لي عمّا حدث قبل قليل. فأنا أصلًا أعرف طبيعتكِ القذرة والمتغطرسة.”
جولييتا، التي كانت ترتجف كغصن شجرةٍ في مهبّ الريح، لم تنطق بكلمة. قرّب إيفان شفتيه من أذنها، وضغطهما عليها بقوة، ثم قال:
“استعيدي عقلكِ الآن، وانظري إلى الواقع كما هو. لا وجود لشيء يُدعى جيرين. أنتِ لم تلتقي قطّ بشخص يُدعى ستيفن. في ذلك اليوم، كل ما فعلتِه أنكِ أردتِ الهروب من أنظار الناس، فاختبأتِ قليلًا في الحمّام. أليس هذا ما حدث؟”
وبيدٍ واحدة، أخذ يمرّر أصابعه برفق على شعرها وهو يهمس. كان صوته منخفضًا، كأنه يُلقي تهويدة.
“لذا، جولييتا، توقّفي عن هذه الأوهام الكاذبة. الحقيقة هي أن والدكِ مجرم قتل عائلتي بأكملها، وأن منفّذ تفجير حفل السفينة ليس جيرين. أما موت صديق والدكِ…… فلا بد أن وراءه مجرمًا آخر. وإن استطعتُ، فسأساعد في العثور عليه.”
‘عند تدريب الكلاب، كن لطيفًا.’
هيما: انت الكلب يا كلب وااااااااا مستفز
بمجرد أن أنهى كلماته، طبع إيفان قبلةً عميقة على جبينها. كانت شفتيه دافئتين على نحوٍ مريب. أرادت جولييتا أن ترفضه، لكن جسدها لم يتحرّك. وبدلًا من ذلك، بالكاد تمكّنت من إخراج صوتٍ خافت لا يكاد يُسمع.
ضيّق إيفان عينيه، ومدّ يده ليقبض بقوة على ذقن جولييتا. ثم واجه عينيها المرتجفتين مباشرة.
“إن تفوّهتِ مرةً أخرى بمثل هذا الجنون…… فسأحبسكِ هذه المرّة داخل الغرفة حقًا.”
“……!”
تلونت عينا جولييتا بالصدمة أمام صوته المنخفض والقاسي بلا رحمة.
“إن لم ترغبي في أن تتعفّني مدى الحياة داخل غرفة، فاستمعي إليّ بهدوء.”
أمام هذا التحذير الذي بدا وكأنه تهديد صريح، دفعت جولييتا جسده بكل ما لديها من قوة. لكنه لم يتحرّك.
حاولت مجددًا، بكل ما بقي لديها من طاقة، أن تدفعه بعيدًا. إلا أن إيفان وجد مقاومتها مثيرة للشفقة.
“تذكّري هذا، جولييتا. جعلُكِ مجنونة أمرٌ سهل للغاية.”
قالها وهو يضحك ضحكة منخفضة قرب أذنها. عندها توقّفت جولييتا عن دفعه.
خارت قواها تمامًا، وسرى القشعريرة في جسدها.
كانت خائفة. خائفة إلى حدّ شعورها بأن الرجل الواقف أمامها قد يزجّ بها في غرفة في أي لحظة. وكان بالفعل قادرًا على فعل ذلك.
غرقت جولييتا في خوفٍ وجزعٍ جنونيين. ارتجف جسدها بعنف، وتسارعت أنفاسها، ولم تستطع التفوّه بأي كلمة. رغم إنكاره لحقيقتها، لم تكن قادرة على فعل أي شيء.
ظلّ إيفان يحدّق بها بصمت. رأى الخوف العاصف في عينيها، وتنبّأ من خلاله بنصره. وكما توقّع، توقّفت جولييتا عن أي مقاومة. تحرّكت شفتيها قليلًا.
“……إي، إيفان. أ، أنا…… أنا لست مجنونة. لا، لا تفعل هذا…….”
عند كلماتها المرتجفة، عقد إيفان حاجبيه. وبردّة فعله تلك، تلوّن وجه جولييتا بالخوف والارتباك، وراحت تهزّ رأسها بسرعة.
“لا، لا…… أنا…… أعني، أنا…….”
“جولييتا.”
ناداها إيفان بنبرة ذات مغزى. حبست جولييتا أنفاسها، وانتظرت كلماته.
“برأيي، أنتِ تفقدين صوابك. لذا، تصرّفي من الآن فصاعدًا بشكلٍ لائق.”
كان جسدها وكأنه يتمزّق إربًا. لم تعد جولييتا قادرة على التنفّس بشكلٍ طبيعي.
بين الألم واليأس، كانت شرارة الأمل الوحيدة التي تشبّثت بها تنطفئ بلا رحمة.
“لماذا تفعل بي هذا…… لماذا حقًا…… آه، لماذا…….”
تمتمت جولييتا وهي تذرف دموعًا غزيرة، غارقة في اليأس. كان صوتها ضعيفًا، بلا أي مقاومة. أمسك إيفان بمعصمها وبدأ يجرّها إلى الأمام. في تلك اللحظة، حبست جولييتا أنفاسها، وتشبّثت بذراعه كما لو كانت حبل نجاتها الوحيد.
عند كلماته، أومأت جولييتا برأسها، ودموعها معلّقة في عينيها.
“هاه…… اطمئني، كل ما في الأمر أننا سنعود إلى القصر.”
أجاب وهو ينشر مجددًا ابتسامة دنيئة قاتمة، قصيرة وحاسمة. لكن لم يكن الوقت مناسبًا للاطمئنان. أمسكت جولييتا بكمّ سترته بيدٍ مرتجفة وأضافت بتوسّل:
“أر، أرجوك… عِدني أنك لن تحبسني في الغرفة…….”
هيما: جولييتا بت الكلب شبيج صرتي طلي صيري مرا خرب بس هذا ايفان يلعب بعقلها
نظر إيفان إلى جولييتا المرتجفة من الخوف، ولوى طرف فمه إلى أعلى. كانت ابتسامته باردة وقاسية.
“إذا كان عقلكِ سليمًا، فلا داعي لحبسكِ.”
ثم لفّ ذراعه بإحكام حول خصرها النحيل، وبدأ بالمشي. لم يكن أمام جولييتا سوى أن تتكئ بجسدها المتمايل عليه، وتساير خطواته.
“هُه…….”
وأثناء خروجها معه، سدّت جولييتا فمها بكل ما أوتيت من قوة لتبتلع بكاءها.
لو استطاعت، لكانت هربت من بين ذراعيه. لكنها لم تستطع.
لم تقدر على المقاومة، ولا على الهرب، ولا على الإفلات.
لم يكن أمامها سوى أن تعيش كدمية داخل حضنه البعيد. أمام هذا القيد الخانق، أطلقت جولييتا ضحكة ساخرة قصيرة. نظر إيفان إليها بطرف عينه، لكنه واصل السير إلى الأمام.
صعد الاثنان إلى السيارة التي كانت بانتظارهما. انطلقت السيارة ببطءٍ منزلق، ثم ما لبثت أن زادت سرعتها.
ماذا لو قفزت من هنا الآن؟
راود هذا السؤال جولييتا وهي تحدّق شاردةً من النافذة. في تلك اللحظة، توقّفت السيارة قليلًا. راحت يدها المرتجفة تتحسّس مقبض الباب لا شعوريًا. إن خرجت من هنا، يمكنني الهرب. سيطر هذا التفكير على جسدها كله. لكن في تلك اللحظة بالذات—
هبطت يد إيفان فوق ظاهر يدها، وأمسك بها بإحكام.
“……!”
انتفضت جولييتا بوضوح وسحبت يدها بعيدًا عن المقبض. التفتت لتنظر إلى جانبه، فرأت إيفان يحدّق بها بوجهٍ بارد. وما إن التقت عيناها بعينيه حتى تجمّدت، عاجزة حتى عن ابتلاع أنفاسها.
في الصمت الخانق، دوّى صوت محرّك السيارة بنعومة. عادت السيارة التي كانت متوقفة إلى السير. عندها حوّل إيفان نظره إلى الأمام.
شعرت جولييتا بيده، التي كانت كالقيد، وحاولت بحذرٍ شديد أن تفلت منها. لكن قبضته لم تلن قيد أنملة.
تنهدت جولييتا أخيرًا تنهيدة ثقيلة، وأدارت رأسها نحو النافذة. وما إن انكشف أمامها مشهد براكسيتر المشؤوم، حتى غثا بطنها فورًا.
كادت أن تتقيأ. حاولت جولييتا جهدها أن تكبح الغثيان المتصاعد، لكن ذلك كان فوق طاقتها.
توقّفت السيارة ببطء أمام المدخل. وما إن خرجت منها حتى اندفعت جولييتا مسرعةً نحو دورة المياه. وهناك، أفرغت كل ما كانت تكابده من ألم.
“هاا…… ها…….”
وهي تلهث بعنف، مسحت جولييتا فمها بكمّ ثوبها بخشونة. في تلك اللحظة، سمعت خلفها صوت بابٍ يُفتح، يتبعه وقع خطواتٍ ثقيلة تدخل إلى المكان.
التعليقات لهذا الفصل " 43"