رفعت جولييتا صوتها وهي في حالة ارتباك. تقدّمت خطوة إضافية نحو المحققين وسألت بصوتٍ مرتجف:
“تعرّض لحادث……؟! كـ، كيف……!”
“عُثر عليه مقتولًا بعد أن أُصيب بستّ رصاصات من مسدس، وقد اكتشفت ابنته الأمر وأبلغت الشرطة.”
“……!”
اتّسعت عينا جولييتا من شدّة الصدمة، وعجزت عن النطق بكلمة. وبقيت فترة غير قصيرة عاجزة عن الإفاقة من وقع الصدمة. عندها خاطبها المحققون بصوتٍ رسمي خالٍ من أي مشاعر:
“سيدتي، نرجو أن ترافقينا فورًا إلى غرفة التحقيق.”
لم تعد تسمع شيئًا. شحب عقلها حتى صار أبيض تمامًا، وانحدر العرق البارد على طول عمودها الفقري. اصفرّ المشهد أمام عينيها وتشوه مجال رؤيتها، وحتى قلبها أخذ يخفق بعنفٍ وجنون.
وقفت جولييتا، وقد شُلّت من هول الصدمة، عاجزة عن الحركة. كان موت بالمر المفاجئ كافيًا ليغرقها في فوضى كاملة.
“سيدتي؟”
عند سماعها نداء المحققين، أبدت جولييتا ردّة فعلٍ خفيفة أخيرًا. تجمّعت الدموع لا إراديًا في عينيها الشاردتين.
جيرين.
لم يبقَ في ذهنها الذي ابيضّ سوى كلمة واحدة فقط.
“جيرين……!”
لا شكّ أنهم هم من فعلوا ذلك!
“هاهك……!”
شهقت جولييتا فجأةً بعنف. انقبض صدرها، وكأن رئتيها فقدتا قدرتهما على العمل، فلم تعد قادرة على التنفّس. أخذت أطراف أصابعها وقدميها ترتجف بوخزٍ مؤلم.
“هاهك……! ههك……!”
تلاحقت أنفاسها السطحية السريعة. أمسكت جولييتا صدرها وترنّحت. ففزِع المحققون من حالتها المفاجئة وأحاطوا بها.
“سيدتي، اهدئي من فضلك!”
لكن جولييتا لم تكن تسمع أصواتهم. راحت رؤيتها تزداد ضبابية، ومع ذلك ظلّ اسم “جيرين” يعصف في ذهنها بلا توقف. امتزج الخوف والغضب تجاههم في آنٍ واحد، ومزّقا روحها إربًا.
“لن أسامحهم أبدًا……!”
ارتجف جسد جولييتا بعنف. تسارع تنفّسها أكثر، وارتعشت عيناها بقلقٍ شديد. بدت على وشك الانهيار، فبادر أحد المحققين إلى الإمساك بها بسرعة.
“سيدتي، تنفّسي ببطء، لا بأس.”
حاول المحققون تهدئتها، لكن دوارًا حادًا اجتاحها فجأة.
“……!”
خانتها ساقاها، وفقدت توازنها، فسقطت جالسة على الأرض الباردة. وفي اللحظة التي ارتبك فيها المحققون من حولها—
“……ما الذي يحدث هنا؟”
وصل إلى مسامعها صوت مألوف.
رفعت جولييتا عينيها المرتجفتين لترى رجلًا يدخل من باب المدخل بخطوات واثقة. كان يقف عكس ضوء الشمس… إنه إيفان.
وما إن وقع بصرها عليه، حتى استعادت وعيها بصعوبة. بدأت أنفاسها المضطربة تهدأ تدريجيًا.
“آه، تشرفت بلقائك. الماركيز هارتفيلد.”
تقدّم أحد المحققين نحوه، وهمس شارحًا له مجمل ما حدث. تصلّب وجه إيفان للحظة وهو يستمع.
“……ماذا قلت؟”
سأل بنبرةٍ لا تخلو من عدم التصديق، فتابع المحقق الشرح وأضاف:
“لذلك نحتاج إلى اصطحاب السيدة مؤقتًا إلى غرفة التحقيق. لقد تأكدنا من أن السيدة زارت مقهى السيد بالمر مساء أمس.”
ظلّ إيفان صامتًا وهو ينظر إلى جولييتا الجالسة على الأرض، ثم تقدّم نحوها.
لفّ ذراعه حول خصرها ليسند جسدها المرتجف. ومع الإحساس بذراعه القوية التي تحيط بها بإحكام، تمكنت جولييتا من التمسك ببقايا وعيها.
انسابت دمعة خفيفة على خدّها. وما إن سقطت تلك القطرة، حتى كادت الدموع التي كبتتها أن تنفجر.
“لا تبكي……”
قالتها لنفسها، لكن شفتيها أخذتا ترتجفان، وسقطت دمعة أخرى بصمت.
عندها همس إيفان قرب أذنها:
“تماسكي. قولي الحقيقة فقط، أنك خضعتِ للتحقيق العسكري مساء أمس. سينتهي الأمر سريعًا. وإلا فقد يطول التحقيق.”
أومأت جولييتا برأسها بخفة. لم تجف الدموع بعد من عينيها.
ركبت جولييتا وإيفان سيارة المحققين. ساد الصمت داخل السيارة، وبقيت جولييتا شاردة بلا كلمة. نظر إليها إيفان من المقعد المجاور بقلق، وقطّب حاجبيه.
________
بعد انتهاء التحقيق، أُفرج عن جولييتا لعدم كفاية الأدلة. غمر ضوء الشمس الساطع وجهها وهي تخرج من غرفة التحقيق. رفعت عينيها الباهتتين نحو السماء، وتحت ذلك الأفق المشرق بدا الواقع غير قابل للتصديق.
وقفت في مكانها فترة من الزمن، عندها اقترب منها إيفان ببطء، بعدما كان ينتظر متكئًا على السيارة. لم تستطع جولييتا التفوّه بكلمة، واكتفت بالنظر إليه بعينين فارغتين. ظلّ إيفان صامتًا أيضًا.
وبعد لحظة طويلة من التحديق المتبادل، كانت جولييتا أول من كسر الصمت، وقالت بوجهٍ شارد:
“كل هذا بسبب جيرين.”
“……ماذا؟”
قطّب إيفان حاجبيه، ثم أمسك معصميها بقسوة.
“ما الذي تشكّين فيه؟ لا تقولي لي إنك تزعمين أن هذا أيضًا من فعل جيرين؟”
راح إيفان يضغط عليها وهو يهزّ جسدها بعنف. نزعت جولييتا يديها من قبضته، ثم صرخت كأنها تلفظ صرخةً مكتومة:
“إن لم يكن فعلهم، ففعل مَن إذن؟! السيد بالمر قُتل……! قُتل على أيديهم!”
تجمّد إيفان في مكانه للحظة عند سماعه كلماتها. ذلك المشهد أشعل غضب جولييتا حتى آخره، فدفعت صدره بقوة.
“أنت……! لو أنك صدّقت كلامي……! لما كان هناك ضحايا آخرون مثل هذا……!”
رفعت جولييتا صوتها وكأنها تصرخ من أعماقها، وهي تصبّ جام غضبها عليه. عندها انخفض صوت إيفان فجأة.
“جولييتا، أفيقي. الجاني في حادثة حفل السفينة قد أُلقي القبض عليه بالفعل. هذا ليس من فعل جيرين. اخرجي من هذه الأوهام.”
تراجعت جولييتا خطوة إلى الخلف وهي تلهث بأنفاس متسارعة. كانت عيناها محمرّتَين من شدّة الانفعال.
“لا……، ليس صحيحًا……!”
وفي اللحظة التي صرخت فيها مجددًا وكأنها تنازع، امتدّت يد إيفان فجأة. قبضت يد الرجل الخشنة على ياقة جولييتا دفعةً واحدة.
“……!”
انجذب جسد جولييتا قسرًا نحوه. انحبس نفسها من شدة الصدمة، فلم تستطع متابعة الكلام. كانت عينا إيفان، اللتان واجهتهما عن قرب، حادتين وباردتين كالنصل.
“ألم أقل لكِ ألا تتفوهّي بمثل هذا الهراء مرةً أخرى؟”
كانت عينا إيفان، المملوءتان بالجنون، تطبقان على جولييتا. برزت العروق على ظهر يده وهو يمسك بياقتها، وبدأت يده المرتجفة تهتز بعنف. بدا وكأنه يكبح غضبه الهائج بصعوبة بالغة.
“…….”
شدّت جولييتا على أسنانها ونظرت إليه بتحدٍّ. كان من الطبيعي أن ترتعب، لكن نظرتها كانت على العكس تمامًا، حيّة وملتهبة.
تبادل الاثنان نظرات حادّة، يلفظ كلٌّ منهما أنفاسًا خشنة ومتقطّعة. ثم هزّت جولييتا جسدها بعنف محاولة الإفلات، غير أن إيفان شدّ قبضته على ياقة ملابسها أكثر.
“موت السيد بالمر كلّه بسببك!”
صرخت جولييتا وهي تحدّق به بعينين محتقنتين بالدم.
كان ذلك لومًا جائرًا.
كانت جولييتا تعلم في قرارة نفسها أنها تجبر الأمور قسرًا، لكنها في تلك اللحظة كانت تستشيط حقدًا على الرجل الواقف أمامها حدّ الجنون.
اعوجّ فم إيفان وهو يستنشق نفسًا عميقًا حتى ارتفعت كتفاه بقوة. بدا وكأنه يحاول استعادة رشده، فأخذ يتنفس بعمق عدّة مرات. ثم، بصعوبة، أرخى قبضته أخيرًا.
ما إن تحرّرت، حتى راحت جولييتا تلهث بأنفاس متقطّعة، وتراجعت عنه بضع خطوات.
“فلننتظر نتائج تحقيق الشرطة. لنتأكد إن كان حقًا قد قُتل شخص يُقال إنه من معارف والدك بسببي.”
كان صوته باردًا، لكن سخرية واضحة اختلطت به.
“هاه……، جيرين؟ والدك بريء؟ من أين لكِ هذا الهراء السوقي؟”
وفي النهاية، ضحك إيفان ضحكة قاسية وهو يرفع زاوية فمه بازدراء.
“مجرد ابنة مجرم قذر.”
فتحت جولييتا عينيها على اتساعهما، وحدّقت فيه بصمت.
ثم—
صفعة!
بلا وعي، صفعته جولييتا على خدّه بكل ما أوتيت من قوة. ومع الصدمة التي انتقلت إلى يدها، انحرف رأس إيفان بقسوة إلى الجانب.
التعليقات لهذا الفصل " 42"