قادَ الإمبراطورُ ديانو إلى مكانٍ كان في الحقيقة صالونَ الاستقبال الخاصّ في القصر الإمبراطوري.
وأثناء سيرهما في ممرّات القصر الإمبراطوري التي لا نهاية لها، شعرت ديانو بشيءٍ من الارتباك.
فصالون الاستقبال، باستثناء غرفة النوم، يُعَدّ أكثر الأماكن خصوصيّة.
وهو مكانٌ لا تطؤه الأقدام إلّا إن كان المرء من عائلة الإمبراطور أو من أصدقائه المقرّبين جدًّا.
ولعلّه شعر بتردّد ديانو، فقال الإمبراطور بنبرةٍ مطمئنة:
“لا توجد آذانٌ تتنصّت هنا. إنّ الأرشيدوقة الكبرى لإيربينجل والكونتيسة أورنين يتردّدن إلى هذا المكان كثيرًا، فلا داعي للقلق.”
كان أكثر ما أربك ديانو هو أنّ الإمبراطور يضعها في المقام نفسه مع وصيفة عمّته وأخته الصغرى.
لكن مهما كان السبب، لم يكن بوسعها أن ترفض دعوة الإمبراطور.
كان صالون الاستقبال وفيًّا لغايته.
أي إنّه، مقارنةً بضخامة القصر الإمبراطوري، كان صغيرًا نسبيًّا وذا أجواءٍ عائليّة.
ومع ذلك، لم يتغيّر كون كلّ كرسيٍّ وكلّ مزهريّة قطعةً تقترب من كونها عملًا فنّيًّا.
تولّى كبيرُ خدم الإمبراطور بنفسه تقديم الشاي.
وفكّرت ديانو أنّه من حسن حظّها أنّ هناك رجلًا يسحب لها الكرسيّ.
فلو أنّ هذا السيّد المفعم بالحيويّة أصرّ على خدمة ديانو بنفسه، لربّما أغمي عليها في مكانها.
انحنت ديانو بخفّةٍ نحو كبير الخدم الذي ملأ فنجانها بيدٍ خبيرة.
“شكرًا لكَ.”
“لا حاجة لأن تشكرني سيّدةٌ مثلكِ.”
وبعد أن انحنى كبير الخدم للإمبراطور بانحناءةٍ عميقة، تراجع حتّى باب الغرفة.
كان على مسافةٍ لا يمكن معها ألّا يسمع أصوات الإمبراطور وديانو.
وكان واضحًا أنّ الإمبراطور يثق به ثقةً كبيرة.
ساد الصمت قليلًا، ولم يُسمَع سوى صوت تحريك الملعقة الصغيرة ورشف الشاي.
وكان الإمبراطور أوّل من كسر الصمت.
“هل نكهة الشاي مناسبة؟”
“نعم. إنّها غير مألوفة، لكنّها رائعةٌ جدًّا.”
“إنّه شايٌ أرسله وليّ عهد آراسيس. ففي أقصى جنوب آراسيس، تُنتَج أنواع شاي ذات روائح فريدة كهذه.”
تفاجأت ديانو قليلًا.
كانت تعلم طبعًا أنّ كاتالوس تسعى سرًّا إلى مصالحة مع آراسيس، لكنّها لم تتخيّل أن تصل العلاقة إلى حدّ تبادل الهدايا الشخصيّة بين الإمبراطور ووليّ العهد.
وفوق ذلك، كانت هديّةً تُؤكَل وتُشرَب.
فأن يضع المرء في فمه شيئًا أرسله وليّ عهد دولةٍ كثيرًا ما اشتبكت مع بلاده على الحدود، كان دليلًا على ثقةٍ عظيمة.
ولمّا رأى الإمبراطور تعبير وجه ديانو، ابتسم ابتسامةً مرّة.
“أُجريَت جميع اختبارات التذوّق، فلا تقلقي.”
“آوه، لم أقصد ذلكَ.”
“قلتُ إنّه لا بأس، لكنّهم لم يقدّموه إلّا بعد أن تذوّقه اثنا عشر خادمًا باستمرار. ومع ذلك أفهمكِ. فلا أحد في هذا البلد يثق برافيلان آراسيس بقدري.”
كان رافيلان آراسيس الابنَ الأكبر للإمبراطور العجوز الذي يحكم إمبراطوريّة آراسيس، ووليّ عهدها.
وكان أيضًا زوج إليفليرا كاتالوس المستقبلي، والرجل الذي سيصبح صهر ريشيون كاتالوس.
‘…إن استطعتُ أن ألبّي توقّعات جلالته.’
وحين تذكّرت وجه الأميرة المشتعل غضبًا، ثقل قلبها.
قالت ديانو بحذر:
“لم أكن أعلم أنّ لجلالتكَ علاقةً شخصيّة بوليّ عهد آراسيس.”
نظر الإمبراطور إلى ديانو بعينيه الخضراوين نظرةً ساكنة.
وأثناء مواجهتها لذلك النظر، خطرت ببال ديانو فكرةٌ لا علاقة لها بالموضوع:
كان ينبغي لها أن تعتني بتصفيف شعرها أكثر هذا الصباح.
لو أنّها لم ترفض أسلوب الموضة الجديد الذي اقترحته كورا بحجّة الإزعاج، هل كانت لتقف بثقةٍ أكبر أمام الإمبراطور، وأمام نبيلات حديقة الورود؟
كانت فكرةً سخيفة.
فمن واجب المعلّمة المنزليّة، أصلًا، أن تكون بسيطة وغير لافتة للنظر.
وما أخرج ديانو من أفكارها المعقّدة كان سؤالًا مفاجئًا بعض الشيء.
“هل قرأتِ «الأميرة أوليانا والسير جايلز»؟”
“نعم. كانت روايةً عاديّة.”
في اليوم الذي التقت فيه الإمبراطور في المكتبة، سهرت ديانو الليل تقرأ «الأميرة أوليانا والسير جايلز».
كانت قصّة أميرةٍ جميلة وفارسٍ شجاع يتغلّبان على شتّى المحن، وينجحان في الهرب معًا بدافع الحبّ.
وكان انطباع ديانو أنّها رواية حبّ بلا أيّ تميّز.
لكنّ الإمبراطور قال إنّه يكره هذه الرواية.
بسبب هروب الأميرة مع الفارس.
‘أميرة… فارس… هروب بدافع الحبّ؟’
شعرت ديانو وكأنّ أحدهم ضربها على مؤخرة رأسها.
أومأ الإمبراطور برأسه، كأنّه يحثّها على الكلام.
“جلالتكَ، لا تقلَ إنّ….”
“ما تفكّرين فيه صحيح.”
“إن كنتُ أتخيّل أمرًا فظًّا، فوبّخوني من فضلك.”
“يبدو أنّ الآنسة أورتينسا تخشى كثيرًا أن أنتهرها. في المكتبة أيضًا كان الأمر كذلك.”
قال ذلك بنبرةٍ بدت مستمتعة حقًّا، لكنّ ديانو لم تستطع أن تبتسم بالمثل.
اتّكأ الإمبراطور بعد ذلك بعمقٍ على مسند الكرسيّ، كأنّه كيسٌ فرغ من الهواء.
وكانت أصابعه الضاغطة على صدغيه مشدودة بقوّة.
“نعم. كما كان للأميرة أوليانا السيرُ جايلز، كان لـ إليفليرا حبيبٌ أيضًا. وكان هو الآخر فارسًا.”
وكان ذلك وحده كافيًا لإثارة الصدمة.
لكنّ كلام الإمبراطور لم ينتهِ عند هذا الحدّ.
“إيدريك لويسِن، الفارس الذي كان على علاقةٍ بـ إليفليرا، توفّي العام الماضي.”
وضعت ديانو فنجان الشاي جانبًا.
فلو استمرّت في حمله، شعرت أنّه سيسقط من يدها.
لم تكن تدري كيف ينبغي لها أن تتعامل مع هذا الجمع الصادم من الكلمات.
ولحسن الحظّ، بدا أنّ الإمبراطور توقّع ردّة فعلها، فشرح الأمر بلطف:
“إنّه شقيق السير مارِك لويسِن، الذي يتولّى الآن حراسة الآنسة أورتينسا.”
“…….”
“أتتذكّرين أنّ نزاعًا كبيرًا وقع في منطقة الحدود الغربيّة العام الماضي؟ جنودٌ من قوّات حراسة حدود آراسيس ارتكبوا جريمة قتل في مقاطعة الكونت بالدين.”
كانت ديانو تتذكّر حادثة مقاطعة بالدين بالطبع.
فبعدها اندلع اشتباكٌ محدود بين قوّات حراسة حدود آراسيس وميليشيا الكونت بالدين.
وسقط عددٌ لا بأس به من الضحايا، حتّى إنّ الرأي العام تجاه آراسيس أصبح باردًا لأوّل مرّة منذ بدء مسار السلام.
حوّل الإمبراطور نظره إلى خارج النافذة.
كان آخر ضوءٍ من ضوء النهار يتسلّل عبر الزجاج، ويلقي بظلالٍ على وجهه.
“أرسلتُ وسيطًا لمنع سائر اللوردات من الانخراط في القتال واتّساع رقعة الحرب.”
“إذًا، ذاك هو….”
“نعم. كان إيدريك لويسِن. لكنّه وخدمه تعرّضوا لهجومٍ وقُتلوا قبل أن يصلوا إلى مقاطعة بالدين.”
تذكّرت ديانو وجه الأميرة وهي تطلب أن تُقتل وتُرسل جثّتها إلى آراسيس.
لم تكن قد اعتقدت قطّ أنّ ذلك مجرّد تمرّدٍ أحمق من نبيلةٍ لا ترغب بزواجٍ سياسيّ.
بل إنّ ديانو جاءت إلى الإمبراطور وهي تتوقّع وجود دوافع أعمق.
لكنّها لم تتخيّل قطّ أن تكون الظروف بهذه الفداحة.
توجّهت نظرة الإمبراطور القلقة إلى ديانو.
“يبدو أنّ أليفليرا تعتقد أنّ آراسيس هي من قتلت إيدريك لويسِن.”
“وهل يعني هذا أنّ جلالتكَ لا تعتقدُ ذلك؟”
“أنا بالطبع أعرف من هو الجاني الحقيقي.”
وعندما قال ذلك، أظلمت عينا الإمبراطور لوهلة.
شعرت ديانو بتعاطفٍ عابر مع ذلك الشرير المجهول.
فمن يكون وأين يعيش، لا تدري، لكنّها أيقنت أنّ نهايته لن تكون سهلة.
فما مرّ في عيني الإمبراطور للحظة لم يكن سوى غضبٍ عميق ورغبةٍ في الانتقام.
“تعتقد إليفليرا أنّني وقفت متفرّجًا على مقتل إيدريك لويسِن. ولهذا لا تريد الإصغاء إلى كلامي.”
أنزل الإمبراطور رموشه الطويلة برمشةٍ وامضةٍ معتقدَ أنها ستزيلُ تلكَ الحكايةَ الحزينةَ التي تحكيها عيناهُ.
“ما رأيكِ؟ هل حصلتِ على إجابةٍ عمّا كنتِ تتساءلين عنه؟”
تعلّمت ديانو من هذا الحديث أمرين.
أوّلًا، أنّ الأميرة لن تتزوّج وليّ عهد آراسيس أبدًا.
وثانيًا، أنّ ديانو أورتينسا، بعد أن عرفت كلّ شيء، لن تتمكّن من العودة إلى حياتها السابقة قبل حلّ هذه المشكلة.
‘لقد خطوتُ بعيدًا جدًّا.’
من واجب المعلّمة المنزليّة أن تكون بسيطة وغير لافتة للنظر.
وكانت تعتقد أنّها تعيش ملتزمةً بهذا الواجب.
‘كيف انتهى بي الأمر إلى هذا؟’
لكن بعد أن عرفت كلّ شيء، لم يعد أمامها سوى المضيّ قدمًا.
* * *
“لقد كانت لجلالته علاقةٌ برافيلان آراسيس منذ أن كان وليًّا للعهد. تلقّيا التعليم على يد الكاهن الأكبر نفسه.”
“لم أكن أعلم ذلك.”
“ليس كثيرون من يعرفون. فالعلاقة مع آراسيس مسألةٌ حسّاسة سياسيًّا داخل البلاد.”
وضعت الكونتيسة أورنين فنجان الشاي جانبًا.
وكان في عينيها، وهي تنظر إلى ديانو، عمقُ تفكيرٍ واضح.
“جلالته صارمٌ مع الأقوياء، ورحيمٌ مع الضعفاء. وهي خصلةٌ نادرة في حاكمٍ ذي سلطةٍ عظيمة.”
“نعم…….”
“ومع ذلك، يبقى الحاكم حاكمًا. فهو لا يميّز أتباعه كأفرادٍ عند اتّخاذ القرارات المصيريّة. فعدد التابعين أكثر من حبّات الرمل على الشاطئ، ولا يمكنه إلّا أن يكون كذلك.”
“…….”
“أفلا تظنّين أنّ إصرار جلالته على إبقاء الآنسة أورتينسا إلى جانبه إنّما له سببٌ وجيه؟”
كان أسلوب الكونتيسة أورنين لطيفًا كعادته، لكنّ ديانو شعرت وكأنّها تتلقّى توبيخًا من معلّمتها.
عبثت ديانو بفنجانها وقالت بنبرةٍ أشبه بالاعتذار:
“صحيح أنّني شعرتُ بشيءٍ يشبه التعاطف مع سموّ الأميرة. لكنّ المشكلة الأكبر هي أنّني لا أملك القدرة على إقناعها.”
“لكنّكِ لم تلتقي بها إلّا مرّةً واحدة، أليس كذلك؟”
“في تلك المرّة الوحيدة، قفزت الأميرة فوقي بحصانها.”
تذكّرت ديانو تلك اللحظة المقلقة، فعقدت حاجبيها بقوّة،
لكنّ الكونتيسة أورنين اكتفت بابتسامةٍ هادئة.
“الآنسة أورتينسا. جلالة الإمبراطور رجلٌ تحيط به العداوات.”
“ماذا؟”
“القوى المعارضة للمصالحة مع آراسيس قويّة. وبعد حادثة مقاطعة بالدين، ازدادت جرأةً. ورفض سموّ الأميرة للزواج علنًا يضع جلالته تحت عبءٍ سياسيٍّ كبير.”
“آه، هل يمكن أن….”
تذكّرت ديانو ‘الدوق’ الذي جادل الإمبراطور في حديقة الورود.
‘…تنتشر بين الخدم شائعةٌ عن اعتكاف سموّ الأميرة، ووصول نواياها إلى أذن سفير آراسيس مسألة وقت.’
كان واضحًا لكلّ ذي عينين أنّه يستخدم الأميرة وسيلةً للضغط على الإمبراطور.
“هل يوجد دوقٌ ضمن القوى المعارضة؟ يبدو في الخمسين من عمره تقريبًا، وضخم البنية….”
قطّبت الكونتيسة أورنين حاجبيها بخفّة.
وكانت تلك أوّل مرّة ترى فيها ديانو على وجهها امتعاضًا صريحًا، فشعرت بالدهشة.
“…لا بدّ أنّكِ تعنين دوق بيلوا، رودريك.”
“رأيته في حديقة الورود يحاول التدخّل في شأن سموّ الأميرة. وكان جلالته مستاءً جدًّا.”
“نعم، إنّه دوق بيلوا. يمكن اعتباره زعيم التيّار المعادي لآراسيس.”
كانت ديانو تعرف من هو دوق بيلوا، وإن كانت تسمع لأوّل مرّة عن التيّار المعادي لآراسيس.
كان من سلالةٍ إمبراطوريّة جانبيّة، ومن أعظم نبلاء كاتالوس نفوذًا.
وكانت دوقيّة بيلوا الجنوبيّة أغنى الأقاليم في كاتالوس.
وفي صوت الكونتيسة أورنين الصارم كان احتقارٌ لا يمكن إخفاؤه.
“دوق بيلوا رجلٌ طموح. لا يريد تعزيز السلطة الإمبراطوريّة عبر المصالحة مع آراسيس، ولا يريد سلامًا دائمًا، ولا ازدهارًا للتجارة عبر الحدود الغربيّة.”
“…….”
“تفهمين الآن، أليس كذلك؟ هذه القضيّة تتجاوز حزن سموّ الأميرة. ولهذا لا يستطيع جلالته التخلّي عنها.”
قالت الكونتيسة أورنين:
“جلالته يعلّق آمالًا كبيرة على الآنسة أورتينسا. ولو أمرها أن تحفر بئرًا بيديها العاريتين، لكان من واجب التابع أن يواصل الحفر حتّى تتآكل يداه.”
لم تجد ديانو بدًّا من الإيماء برأسها في النهاية.
كان قلبها مثقلًا.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 7"