[م.م : ملاحظة لمن قرأ الفصول السابقة. قبل نزول هذا الفصل. أسم الأميرة إليفينلا تم تحويله إلى إليفليرا وتعديل الفصول السابقة.. استمتعت]
“ديانو! هل أنتِ بخير؟”
كانت كورا جالسةً على الحصيرة، وما إن لمحت ديانو حتّى أسرعت نحوها على عَجَل.
كانت ديانو تمشي بتثاقل، ولم تُدرك إلّا في تلك اللحظة أنّ ذيل فستانها قد اتّسخ بالطين.
“لم يحدث سوى أنّني تعثّرت قليلًا.”
“يا إلهي. ألستِ مُصابةً في أيّ موضع؟”
هزّت ديانو رأسها نفيًا.
حينها، وبعد أن ظلّ يتبع ديانو بصمت، أخذ السيّد لويسِن يبدّل نظره بين السماء وساعة الجيب، ثمّ قال:
“إن لم نتحرّك الآن، فستغيب الشّمس قبل أن نغادر أرض الصيد.”
“حسنًا. فلنبدأ بالحركة.”
“هل ستكونين بخير؟ تبدين مُجهَدةً جدًّا.”
“إنّه مجرّد ارتخاء بعد توتّر.”
“أأحملكِ على ظهري؟”
نظرت ديانو وكورا إليه في الوقت نفسه.
وكان السيّد لويسِن يحدّق فيهما بوجهٍ خالٍ من أيّ تعبير.
تنحنحت ديانو.
“لا، كيف لي وأنا غير متزوّجة أن أفعل أمرًا كهذا…….”
“في الحالات الطارئة، هو أمرٌ واردٌ تمامًا.”
قال السيّد لويسِن ذلك بنبرةٍ جادّةٍ للغاية.
عندها فقط أدركت ديانو أنّه يحاول بطريقته الخاصّة أن يُعوّض عمّا اقترفته الأميرة.
فأطلقت نصفَ شهقة.
“شعرتُ بذلك قبل قليل أيضًا، لكن يبدو أنّك قريبٌ جدًّا من سموّ الأميرة.”
بدا الانزعاج على وجه السيّد لويسِن.
“أهكذا بدا لكِ؟”
“نعم. لقد ناديْتَ سموّها باسمها.”
“…كنتُ في طفولتي رفيق لعبٍ لجلالة الإمبراطور. ومنذ ذلك الحين، صحيحٌ أنّني بقيتُ إلى جوارهما.”
ولمّا رأت ديانو أنّ كورا لم تُبدِ أيّ دهشة، بدا أنّ الأمر ليس سرًّا ولا خبرًا جديدًا.
ومع ذلك، لم يكن الحذرُ مضرًّا.
قالت ديانو لكورا:
“كورا. أتذكرين الطريق الذي سلكناه؟ عودي أنتِ أوّلًا وبلّغي الخبر.”
وكما يليق بخادمةٍ في القصر الإمبراطوري، كانت كورا سريعة الفطنة.
رتّبت السّلّة بسرعة، ثمّ انحنت بخفّة لديانو والسيّد لويسِن، وبدأت تعود من حيث أتت.
وبعد أن ابتعدت كورا مسافةً كافية، قالت ديانو للسيّد لويسِن:
“يبدو أنّك تُكنّ الكثير من العناية لسموّ الأميرة.”
أجابها السيّد لويسِن بوجهٍ متحفّظ، كأنّه يتحرّى مقصدها:
“إنّما بصفتهنّ سيّدةً جليلة، وبوصفها الأختَ الوحيدة لسيّدي.”
“لا تُسيء الفهم. إنّما أنا، بوصفي المعلّمة الخاصّة، يهمّني رأي شخصٍ مقرّب من الطالبة.”
“وما الذي يثير فضولكِ؟”
“يبدو أنّ سموّ الأميرة عازمةٌ على عدم قبول زواجها من وليّ عهد آراسيس، مهما كان الثمن.”
كان التعبيرُ مُفرِطًا في التلطيف.
فعبارة ‘اقتلوني وألبسوا الجثّة فستانًا وأرسلوها’ يصعب تصديق أنّها خرجت من فم أرقى نبيلة في كاتالوس.
نظرت ديانو مباشرةً في عيني السيّد لويسِن وسألته:
“هل يتمنّى جلالة الإمبراطور أن أُغيّر قلب سموّ الأميرة؟”
ظلّ الفارس صامتًا طويلًا.
وظنّت ديانو أنّه قد لا يجيب.
ألم يرفض من قبل محاولة استشفاف نيّة الإمبراطور؟
لكنّه، وقد بدا أنّه توصّل إلى قرارٍ ما، أطلق جوابًا ممزوجًا بزفرة:
“أظنّ ذلك.”
“…شكرًا لصدقك. إذن دعني أسألك سؤالًا آخر. كيف توصّلت إلى أنّني أستطيع إقناع سيّدةٍ تفضّل الموت على الزواج؟”
“لأنّ الآنسة أورتِنسا نجحت في إقناع وريث دوقية إيربينجِل.”
خرجت ضحكةٌ جافّة.
لم يكن سببُ تمكّن ديانو من فتح قلب إيرين أنّها أقنعت طفلةً في السادسة ببلاغةٍ لامعة.
بل لأنّها، وعلى مدى زمنٍ طويل، كسبت ثقة إيرين، وحصلت على فرصةٍ لمداواة قلبٍ مجروح.
لكنّ الأميرة إليفليرا لم تكن في السادسة.
كانت بالغةً أعلنت بوضوحٍ استعدادها للدوس على أيّ مُعترِض.
“لو كان الإقناع المنطقيّ مجديًا، لكان جلالة الإمبراطور قد نجح.”
“معذرةً على جسارتي، لكنّ سموّ الأميرة لا تثق بجلالة الإمبراطور.”
ضيّقت ديانو ما بين حاجبيها.
ألا تثق بأعظم أصحاب السلطة في القارّة، وبأخيها الوحيد؟
غطّى السيّد لويسِن وجهه المُتعَب بكفٍّ واحدة.
“لا أستطيع إخباركِ بالسّبب. ينبغي أن تسمعيه من جلالة الإمبراطور أو من سموّ الأميرة شخصيًّا.”
“…….”
“لا جلالة الإمبراطور ولا مَن حوله قادرون على إقناع سموّ الأميرة. لذلك نحتاج إلى شخصٍ من خارج الدائرة.”
حاولت ديانو استجلاء المعنى، لكنّ السيّد لويسِن اكتفى بهزّ رأسه.
وفي النهاية، تخلّت ديانو عن محاولة انتزاع مزيدٍ من المعلومات، ووصلت إلى استنتاجٍ بديهيّ ومشؤوم في آنٍ واحد.
‘لا بدّ من مقابلة جلالة الإمبراطور.’
فعلى الأقلّ، لن يحاول الإمبراطور سحق ديانو بحوافر الخيل.
—
لكنّ ديانو لم تتمكّن من لقاء الإمبراطور حتّى بعد مرور خمسة أيّامٍ أخرى.
وكان ذلك، من وجهٍ ما، أمرًا طبيعيًّا.
فهي لم تكن تملك مكانةً تخوّلها طلب المثول بين يدي الإمبراطور مباشرةً.
حاولت التردّد على مكتبة قصر البلوط لعلّها تصادفه، لكنّ لقاءً عابرًا آخر لم يحدث.
وفي النهاية، قصدت الكونتيسة أورنين.
“ألا توجد طريقةٌ لمقابلة جلالة الإمبراطور؟”
لم تُبدِ الكونتيسة أورنين، التي كانت تقرأ في الحديقة الخلفيّة لقصر البلوط، أيّ دهشةٍ من سؤال ديانو المفاجئ.
“سمعتُ أنّكما التقيتما بالفعل في المكتبة.”
تمنّت ديانو ألّا يكون وجهها قد احمرّ.
فأن تعلم هذه السيّدة النبيلة أنّها لم تتعرّف على الإمبراطور وتصرّفت بوقاحة، كان أمرًا مُحرِجًا للغاية.
“في ذلك الوقت… كانت الظروف مختلفة قليلًا. هناك ما أحتاج إلى سؤاله.”
“ما رأيكِ في كتابة رسالة؟”
“لا. يجب أن أسأله بنفسي. ولو لوقتٍ قصير.”
بدت الكونتيسة أورنين وكأنّها تفكّر قليلًا.
“جلالته يتولّى شؤون الحكم الآن في الجناح الشرقيّ من القصر الإمبراطوري.”
“نعم.”
“وعندما ينتهي، غالبًا ما يتمشّى في حديقة الورود الشرقيّة. لكن لا أحد يعرف التوقيت بدقّة.”
إن قصدت القصر ثمّ انتظرت هناك حتّى يظهر الإمبراطور، فلن يكفي اليوم المتبقّي.
وبينما كانت ديانو تُسرع الخطى، أضافت الكونتيسة أورنين من خلفها:
“كوني حذرة. قد يكون لكِ منافسون.”
* * *
ما إن وصلت ديانو إلى حديقة الورود في القصر الإمبراطوري، حتّى فهمت كلام الكونتيسة أورنين تمامًا.
فلم تكن ديانو الوحيدة التي تحاول مصادفة الإمبراطور في وقت استراحته.
بعد أن عرّفت بنفسها للحرس ودخلت الحديقة،
صادفت مرارًا أشخاصًا يتجوّلون بوجوهٍ متطلّعة.
بعضهم بدا من كبار المسؤولين، وبعضهم الآخر سيّداتٍ نبيلاتٍ متأنّقات.
‘صحيح، فهو غير متزوّج…….’
بلغ الإمبراطور ريشيون هذا العام السادسة والعشرين.
وكان من النادر أن يبقى حاكم دولةٍ في مثل عمره دون زواج.
لم يكن له أبناء غير شرعيّين، ولا سيّدة تتظاهر علنًا بكونها عشيقته وتستعرض نفوذها.
وبكلّ الأحوال، بدا أنّ جميع النبيلات الطامعات في أعظم عريسٍ في القارّة قد اجتمعن هنا.
وكانت ديانو على استعدادٍ للمراهنة بكلّ ما تملك أنّها الوحيدة بينهنّ بلا نيّةٍ خفيّة.
غير أنّ المشكلة كانت أنّ الإمبراطور لم يظهر أصلًا، وكأنّه يعلم بترصّدهنّ له.
وفي النهاية، دقّ جرس السّاعة السادسة بلا أيّ حصيلة.
خرجت ديانو من الحديقة، وقد أرهقها التجوال ولم تحصد سوى مشاهدة الورود.
بل كادت تخرج.
إلى أن سمعت صوتًا مألوفًا عند أحد المخارج القليلة.
“أتحاول أن تُبدي رأيك في شأن أختي، أيّها الدوق؟”
كان الصوت القادم من خلف شجيرات الورد العاليّة صوتَ الإمبراطور بلا شكّ.
لكنّه لم يكن كصوته حين تحدّث مع ديانو.
كان منخفضًا وحادًّا كالنصل.
رغم أنّ الكلام لم يكن موجّهًا إليها، شعرت ديانو بقشعريرةٍ باردة.
هكذا، أمكنها بسهولة تخيّل الإمبراطور بوجهٍ باردٍ كوجه الأميرة.
لكنّ مخاطب الإمبراطور لم يُظهر أدنى خوف.
أجاب بصوتٍ يبدو محترمًا، لكنّه واثق أكثر من اللزوم:
“كيف لي أن أتجرّأ على ذلك؟ إنّما تنتشر بين الخدم شائعةٌ عن اعتكاف سموّ الأميرة. ووصولها إلى مسامع سفير آراسيس مسألةُ وقت.”
“…….”
“وإن تسرّب ‘ذلك الأمر’ إلى الخارج، فلن يقبل إمبراطور آراسيس بسموّ الأميرة أبدًا.”
لم تسمع ديانو ردّ الإمبراطور بوضوح.
فتقدّمت بحذر نحو مصدر الصوت.
صحيحٌ أنّ التنصّت فعلٌ غير لائق، لكنّها لم تستطع تجاهل كلمتَي ‘الأميرة’ و’آراسيس’.
ربّما عرفت سبب رفض الأميرة للزواج دون أن تسأل الإمبراطور مباشرةً.
لكن قبل أن تُتمّ ثلاث خطوات، انكسر غصنٌ تحت قدمها بصوتٍ مدوٍّ.
أغمضت ديانو عينيها بإحكام.
استدار الإمبراطور ومحادِثه ونظرا مباشرةً نحوها.
وبخلاف ما كان عليه في المكتبة، كان الإمبراطور في كامل حلّته الرسميّة.
غير أنّه فكّ رباط عنقه، فكشف القميص المفتوح قليلًا عن صدرٍ صلب.
اضطرّت ديانو لصرف نظرها سريعًا نحو ‘الدوق’ الواقف بجانبه.
لولا لقبه، لظنّته رجلًا عاديًّا.
كان طويل القامة، لكنّ بطنه البارز قليلًا حمل آثار سنواتٍ من الرفاه.
رمق ديانو بنظرةٍ عابرة، ثمّ قال بوجهٍ متجهّم:
“مَن أنتِ؟”
كان سؤالًا فظًّا على نحوٍ مدهش.
حدّقت به ديانو، وقد نسيت حتّى أن تحيّي.
فالرجل المهذّب يخاطب السيّدات باحترام.
تعرف ذلك إيرين ذات الستّ سنوات، ويعرفه الإمبراطور، لكن يبدو أنّ هذا الدوق لا يعرفه، أو يتجاهله عمدًا للإهانة.
غير أنّ ديانو لم تجد فرصةً للردّ.
إذ تقدّم الإمبراطور ووقف أمامها.
“انصرف. سأتغاضى عمّا قُلتَه.”
“لكن، جلالتكَ—”
ابتلع الدوق ما كان سيقوله حين رأى وجه الإمبراطور الجليديّ.
انحنى له، ثمّ غادر نحو المخرج، دون أن يحيّي ديانو ولو بإشارة.
حينها فقط انحنت ديانو للإمبراطور.
“ديانو أورتينسا تتشرّف بلقاء جلالة الإمبراطور.”
“مرّ وقتٌ طويل. يبدو أنّكِ تعرّضتِ لتجربةٍ غير مريحة.”
وكان واضحًا أنّه يقصد معاملة الدوق.
لكنّ ديانو تظاهرت بالجهل.
“شرفٌ عظيمٌ لي لقاؤكَ، لكن لا أعلم عمّا تتحدّثُ.”
“…إذًا فلا بأس. ارفعي رأسكِ.”
رفعت ديانو رأسها، وهمّت بخفض بصرها احترامًا، ثمّ سارعت لتعديله.
فالرجل أمامها كان ممّن يفضّلون الحديث مع تبادل النّظر.
من قرب، بدا الإمبراطور مُرهقًا.
كان وجهه أشدّ شحوبًا ممّا رأته سابقًا.
غطّاه بيده وزفر زفرةً قصيرة، ثمّ أنزلها.
اختفى البرود الذي واجه به الدوق، وعاد الوجه الوديع الذي تتذكّره ديانو.
عندها فقط أدركت.
‘هذا وجه المجاملة.’
شعرت ديانو بغرابةٍ من كون شخصٍ في مكانة الإمبراطور يتعمّد ضبط تعابيره أمامها.
لكنّه، في النهاية، رجلٌ مهذّب، وربّما رأى أنّ إظهار الغضب أمام سيّدة أمرٌ غير لائق.
سألها الإمبراطور بصوتٍ لطيف:
“إلى أيّ حدّ سمعتِ؟”
وبما أنّها كانت قد تنصّتت فعلًا، لم تجد ما تقول.
فانحنت معتذرةً.
“أعتذر.”
“أخبرتكِ الكونتيسة أورنين بوجودي هنا، أليس كذلك؟”
“أرجو ألّا تلم سيّدة الوصيفات. أنا مَن أصرّ على لقائكَ.”
“بما أنّ تردّدي إلى هنا بات معروفًا، فلا داعي للوم الكونتيسة.”
تذكّرت ديانو النبيلات المتربّصات في الحديقة، فابتسمت دون قصد.
“كان السيّدات الجميلات يتنزّهن وهنّ مستعدّات لإسقاط مناديلهنّ في أيّ لحظة.”
بدا الإمبراطور محرجًا.
وكأنّ أذنيه قد احمرّتا قليلًا.
وبرغم علمها بأنّها فكرة جريئة، وجدت ديانو أنّه لطيف بعض الشيء.
‘لو كان السيّد لويسِن هنا، لزاد في مضايقته.’
لكنّها لم تمتلك جرأة مزاح الإمبراطور.
فمهما بدا متساهلًا معها، يبقى إمبراطورًا.
فابتلعت المزحة التي كادت تخرج، ودخلت في صلب الموضوع.
“قبل أيّام، التقيتُ بسموّ الأميرة. في أرض الصيد.”
“…سمعتُ بالأمر.”
“لديّ سؤال. هل يمكنكَ منحي بعض الوقت؟”
لم يظهر على وجهه المرتّب أيّ شعور.
استدار الإمبراطور وسار نحو المخرج.
فسارعت ديانو خلفه.
“جلالتكَ؟”
“ليس هذا مكانًا مناسبًا للحديث. اتبعيني.”
أطاعت ديانو وسارت خلفه بهدوء.
وأدّى الحرس عند البوّابة التحيّة العسكريّة بانضباط.
شعرت بنظرات النبيلات اللواتي كنّ يغادرن الحديقة بعد انتهاء ‘النزهة’.
كانت العيون التي اجتمعت أوّلًا على الإمبراطور، تمرّ بعدها على ديانو من رأسها إلى قدميها.
واستطاعت أن تقرأ فيها فضولًا وحذرًا وشيئًا من الاحتقار الخفيّ.
لأوّل مرّة منذ دخولها القصر الإمبراطوري، انتبهت ديانو إلى مظهرها.
كان فستانًا عاديًّا، ولا مجال لمقارنته بملابس النبيلات اللواتي تأنّقن بكلّ ما أوتين.
‘ألهذا السبب احتقرني ذلك الدوق؟’
ربّما حكم عليها بأنّها ليست سيّدةً نبيلة من مظهرها.
كان الطعم مُرًّا، لكن لا حيلة لها.
فالإمبراطور، على أيّ حال، لن يهتمّ بما ترتديه.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 6"