كانت فينيت تودّ لو تهدّدها قائلةً. إن أردتِ سحبه فافعلي، غير أنّ نظراتها كانت قد تشابكت مع نظرات ريجينا تشابكًا خطيرًا خانقًا، حتى كأنّ الجسد انقبض من حدّة التوتّر.
“لـ، ليس هذا ما أعنيه.”
على أقلّ تقدير، كان ينبغي ألّا تصل تلك النظرات القذرة إلى روزي الصغيرة التي لم تبلغ سنّ الرشد بعد.
وبالغضب المتّقد في صدرها الآن، كانت ريجينا قادرةً فعلًا على سحب سيفها.
“الدوق موجود في هذا الاتّجاه.”
جاء الصوت وكأنّه يسعى لتهدئة ريجينا الغاضبة.
كان ذلك آلين.
أمسك بكتف فينيت بحذر، وأبعدها عنها.
“سيّدة بايمين، سأصطحب الاثنتين إلى الدوق بنفسي. بما أنّني المعالج المسؤول عنه، فلن يكون هناك ما يدعو للقلق.”
“نعم، نعم، افعل ذلك. راقب هاتين الاثنتين المريبتين جيّدًا!”
لم تجرؤ على رفع بصرها، واكتفت بإلقاء نظرة سريعة على ساقي ريجينا اللتين ما زال الغضب يتدفّق منهما، ثمّ غادرت المكان مسرعة.
أخرجت روزي لسانها بسخط وهي تحدّق في ظهر كبيرة الخدم المزعج.
“سنأخذ ما تبقّى من الأجر ونغادر فورًا.”
تنفّست ريجينا زفيرًا طويلًا، ولم يكن الضيق قد زال عنها بعد، ثمّ أسدلت الرداء على جسدها.
“هاها، تفضّلوا من هنا.”
كان الابتسام العميق مرتسمًا على شفتي آلين وهو يتقدّمهم.
ظلّ يبتسم إلى أن قاد المرأتين أمام غرفة فالنتاين.
في الحقيقة، كان يراقب المشهد منذ أن خاطبت فينيت ريجينا.
‘يبدو أنّها أفضل ممّا توقّعت.’
***
قبل قليل، أسكتت روزي حين علّقت على أنّ قصر أسرة دوق يوليوس أفقر من قلعة بارون عادي، غير أنّ ريجينا كانت توافقها الرأي جزئيًّا.
لم يكن في غرفة فالنتاين أيّ قطعة زينة تُذكر.
حتى ورق الجدران كان ممزّقًا على نحوٍ فوضويّ.
“كنت أنوي تقاضي بقيّة الأجر وتعويض الطريق، فلماذا يتعيّن على رفيقتي الانتظار في الخارج؟“
سألت ريجينا وهي تنظر إليه الجالس على الأريكة بتمعّن.
لم تتمكّن روزي من الدخول بسبب آلين الذي منعها.
“تعويض الطريق؟“
“استدعيتُم شخصًا من أجل المال، ومن الظلم ألّا أتقاضى المزيد.”
أمال فالنتاين رأسه قليلًا.
كان أسلوب حديثه قد أصبح، على نحوٍ غريب، أكثر وقاحة ممّا سبق.
“هل أنتِ لطيفة فقط مع أصحاب المهمات؟“
“نعم، هذا صحيح. لم تعد هدف الحماية بعد الآن.”
وكان مزاجها أصلًا في الحضيض.
“فه. كهكهك.”
فكّرت ريجينا في حسّها الفكاهي الذي لم تكن تعي امتلاكه أصلًا.
فها هو الدوق الجليل تهتزّ كتفاه من شدّة الضحك.
‘إذًا هو قادر على التواصل بعد كلّ شيء.’
وهي تحدّق في عينيه البنفسجيّتين الصافيتين، تأكّدت ريجينا أنّ ادّعاءات السيّدة قبل قليل لم تكن سوى تعسّف.
تملّكها شعورٌ بالغبن، وكأنّها لو لم تكن مرتزقة لما لقيت هذا النوع من المعاملة، لكنّه ما لبث أن خمد سريعًا.
“أنتِ حقًّا مرتزقة يمكن الاعتماد عليها. كلّما نظرتُ إليكِ ازددتُ قناعة.”
“متى سأتقاضى المال؟ عليّ العودة إلى النقابة.”
كانت قد ألقت بنفسها دون تردّد أمام الخنجر الطائر، تضحيةً وإخلاصًا، ومع ذلك بدا وجهها الآن لامباليًا إلى حدّ يثير التساؤل إن كانت الشخص ذاته.
وجد فالنتاين ذلك مثيرًا للاهتمام للغاية.
“هل تفكّرين في تلقّي مهمه جديدة؟“
مهمة جديدة؟
تلألأت عينا ريجينا.
صحيح أنّه لورد مدينة فالمين المعرضة للسقوط، لكنّه قبل ذلك من العائلة الإمبراطوريّة، ومقدار ما يستطيع دفعه من أجر ليس هيّنًا.
“دفعة مقدّمة 3500 ريل. والباقي 45000 ريل.”
كادت الكلمات أن تُفرغ رأسها من كلّ فكرة.
فمبلغ 3500 ريل وحده لا يُنال إلّا إذا ظفر أحد التُجّار بعقدٍ طويل الأمد يعبر به القارّة.
وكان كذلك كافيًا لسدّ الفراغ إلى أن يعود أعضاء النقابة الراقدون على الأسرة.
ومع ذلك، لم تُغوِها الأرقام، بل أثارت شكّها.
ففي هذا المجال، كلّما كبر المبلغ، ازداد الخطر.
“ما طبيعة هذه المهمة بالضبط؟“
“كبيرة الخدم هي من أرشدتكِ، أليس كذلك؟“
“نعم.”
“ألم تجديها فظّة متقلّبة المزاج؟ كانت تحاول جهدها أن تعرف سبب مجيئكِ إلى هنا.”
لم تستطع ريجينا إنكار ذلك، فأومأت بعينيها.
“غادرتُ القصر الإمبراطوري لأبقى على قيد الحياة. مكانٌ مجنون، حتّى أميرٌ مختلّ العقل يتعرّض فيه للمؤامرات. لكن يبدو أنّ بقائي حيًّا هنا أيضًا أمرٌ عسير.”
“إذًا تحتاج إلى حارس يحميك هنا؟ مع تلك الخادمة المتغطرسة والفئران المختبئة في الظلال؟“
أطبق فالنتاين شفتيه وهو يتفحّصها من أعلى إلى أسفل ببطء، وكأنّه يمضغ السؤال.
مرّ في ذهنه فجأة سؤال توماس. هل تثق بها حقًّا؟
لا.
لم يكن يثق بالمرأة الواقفة أمامه.
لكنّ طريقة تعاملها مع المهمة، وكبرياءها، راق له.
وفوق ذلك، كونها أداةً يمكن استخدامها عند الحاجة فقط.
هزّ فالنتاين رأسه ببطء.
“لا أحتاج إلى حارس بقدر ما أحتاج إلى زوجة. امرأة تحميني وأنا فاقد الاتّزان، وتطهّر القصر من الفئران التي تنخره.”
“لا تقل إنّك تقصد…”
“مضمون المهمة أن تصبحي زوجتي. لمدّة عام تقريبًا.”
“……”
رغم أنّ ريجينا سمعت في حياتها شتّى القصص والمهمات العجيبة، فإنّ ما قيل لتوّه تجاوز قدرتها على الاستيعاب.
كان الأمر صادمًا إلى حدّ شعرت معه أنّ عقلها تعطّل.
“أتمزح معي؟“
“هل يبدوا انني امزح؟“
كانت ملامحه وقد مُحي عنها كلّ أثر للابتسام كأنّها منحوتة من حجر.
لم تجب.
حين يبتسم لا يبدو الأمر واضحًا، أمّا حين يعبس فيغدو حضوره قارسًا.
“أنا جادّ.”
“…لم أتلقَّ يومًا مهمة كهذه. سأرفض.”
تردّدت لحظة، ثمّ جاء الرفض حاسمًا، رغم ارتجاف عينيها.
“همم، لا ترفضي بهذه السرعة. فكّري جيّدًا.”
“……”
كأنّه توقّع الرفض، فلم يُلحّ.
وحين فتح الصندوق الخشبي، على ما يبدو ليُعطيها بقيّة الأجر، رغبت ريجينا فقط في الرحيل سريعًا.
زواجٌ من مرتزقة؟
كان رجلًا مجنونًا، ومهمة أكثر جنونًا.
***
اهتمّ آلين بروزي التي مُنعت من الدخول.
قدّم لها كعكةً حلوة وشايًا، محاولًا أن يخفّف عنها ما لاقته من إهانة.
كان طعم الحلوى يجعل قدميها تتحرّكان تلقائيًّا من شدّة اللذّة، وارتسمت ابتسامة عريضة على شفتيها.
“هل أعجبكِ الطعم؟“
“نعم، شكرًا لكَ. بعد ما يقارب نصف يوم على ظهر الحصان، كنت بحاجة إلى شيءٍ حلو.”
ضحك آلين بخفّة وهو يتأمّلها.
وجهٌ طفوليّ منثور بالنمش، لطيفٌ إلى حدّ يصعب معه تصديق أنّها مرتزقة.
بل إنّ ريجينا روفمان نفسها لا تمتلك مظهر المرتزقة.
لو وضعت السيف جانبًا واهتمّت بمظهرها، لكانت بوجهها الشبيه بالقطّة محطّ أنظار المجتمع الأرستقراطي.
“في سنّكِ هذا وتعملين كمرتزقة؟ هذا مدهش.”
ابتسمت روزي بخجل.
“في الحقيقة، ما زلت أفتقر إلى الخبرة، ولا أتولّى عادةً المهمات الفرديّة أو الخطرة. حتّى مهمّة الحراسة حصلتُ عليها بعد إلحاح. أمّا الآنسة ريجينا، فقد تولّت أخطر المهمّات منذ الثالثة عشرة.”
“همم، هل هي قويّة إلى هذا الحدّ؟“
“نعم، قويّة. في الخامسة عشرة أسقطت ثلاثة فرسان كانوا يستفزّونها. الجميع يمدحها بإجلال…”
توقّفت شوكة روزي في منتصف الطريق.
وحين جمدت يدها التي كانت تتحرّك بنشاط، راقبها آلين بقلق.
“هل تغيّر الطعم؟“
“لا! كلّ شيء بخير.”
“لكن، أيّ نوعٍ من الأشخاص هي ريجينا روفمان؟“
تساءلت في سرّها عن سبب السؤال، ونظرت إلى آلين بابتسامته الودودة.
ومع ذلك، لم يكن من اللائق أن تكون فظّة مع من أحسن ضيافتها.
“إنّها تعاملني كأختٍ صغرى، وتعدّ جميع أفراد النقابة عائلة لها.”
“إذًا فهي قويّة وحنونة.”
“…هاها، نعم. لكن يبدو أنّ الحديث طال. لقد أقلقني تأخّرها.”
كانت قد فرغت من طبقين من الكعك، ولم تظهر ريجينا بعد.
وبينما همّت روزي بالذهاب نحو الباب، ظهرت ريجينا من بعيد، تسير مع فالنتاين المتّكئ على عصاه السوداء.
“آنستي.”
“شكرًا لاعتنائك بروزي.”
انحنت ريجينا قليلًا حين رأت الكعك على الطاولة، شاكرةً آلين بأدب، ممّا أظهر صدق ما قيل عن عنايتها بأفراد نقابتها.
لكنّ نظرات من قالت ذلك اتّجهت إلى فالنتاين.
كانت قد رأت وجهه جيّدًا حين أزاحت الريح خصلات شعره الكثيف.
“سنغادر الآن. روزي، هيا.”
“لكن… يبدو أنّ صوتك لم يرتح بعد.”
“هناك قرية صغيرة في الطريق. سنتوقّف هناك.”
تبعت روزي ريجينا على عجل.
وما إن امتطت جوادها حتّى انطلقت بأقصى سرعة، على غير عادتها.
أسرعت روزي للحاق بها وسألتها.
“عن ماذا تحدّثتِ مع الدوق؟“
“أمرٌ سخيف. طلب منّي أن أتزوّجه قليلًا. قال إنّه بحاجة إلى زوجة تحميه.”
“ماذا؟! إنّه جميل حقًّا، كأنّه جوهرة، لكن يبدو أنّه أمير مجنون فعلًا.”
تمتمت روزي وهي تنظر إلى القصر الذي يبتعد.
“من المؤسف جماله، رغم عرجه.”
“أنتِ ثابتة على ذوقكِ حقًّا.”
قالت ريجينا وهي تربّت على رأسها.
كانت تعرف أنّ روزي ضعيفة أمام الوجوه الجميلة.
فالطفلة التي فقدت والديها في التاسعة، وانضمّت إلى النقابة دون أن تبتسم، كان أوّل من جعل قلبها يخفق هو غايل، الذي اعتاد تلقّي اعترافات النساء.
“ربّما لأنّكِ رفضتِ المهمة، بدوتِ متعجّلة هكذا؟“
“بالطبع رفضته. كلامٌ لا يُعقل.”
“صحيح، لكنّه مغرٍ قليلًا.”
“بمَ؟“
“نحن مرتزقة وضيعون، وخصوصًا النساء منّا. متى نحظى بفرصة أن نصبح آنسات نبيلات، ولو مؤقّتًا؟ أمّا أنا، فبقبحي هذا، سيصعب حتّى أن أتزوّج رجلًا مناسبًا.”
التعليقات لهذا الفصل " 7"