4 - كيف تحمي المرتزقه مَن وُكِّلت بحمايته
استمتعوا
لم تفتح ريجينا عينيها إلّا بعد نحو أربعة أيّام.
كان أوّل ما وقع عليه بصرها سقفًا مألوفًا، ثمّ وجوهًا محبّبة تحيط بسريرها.
“ريجينا!”
“أوخ… أختنق.”
وقبل أن ينجلي عنها ثقل الغيبوبة، راحت تضرب ذراع ماوت الغليظة وهو يعانقها بقوّة.
وبصفته الرجل الثاني في بيرسونا، لم يكن يفتقر إلى القوّة حقًّا.
“عـ، عمّي… لا أستطيع التنفّس.”
“يا صغيرتي، هل تعلمين كم أقلقتِنا؟“
“هييه، آنستي…”
انفجر المرتزقة في البكاء، وكلٌّ أخذ يثرثر بطريقته، حتى شعرت ريجينا بأنّ أذنيها تؤلمانها.
لم تكن هذه أوّل مرّة تُصاب فيها أثناء عملها مرتزقة، وفي كلّ مرّة كان المشهد يتكرّر هكذا.
مهما وبّختهم أو هدّأتهم، لم يتغيّر شيء.
ومع ذلك، كانت هذه الفوضى نفسها مشهدًا تشتاق إليه كلّما ابتعدت عن نقابة بيرسونا.
“لكن قبل ذلك… ماذا عن المهمّة؟ وأين غايل؟“
“يا لكِ من فتاة، تقلقين على هذا حتّى في مثل هذا الوقت.
المهمّة أُنجزت بنجاح، وغايل ذهب ليشتري لكِ الـبودنغ المفضّل خاصتك.”
مع توبيخ ماوت، تنفّست ريجينا الصعداء.
رغم أنّ الطريق لم يكن سهلًا، إلّا أنّ المهمّة انتهت بسلام، وهذا يكفي.
‘كنتُ أخشى أن نفشل.’
فالفشل يعني غراماتٍ باهظة.
وكانت ريجينا تبذل قصارى جهدها دائمًا لتحمي بيرسونا، العائلة التي اختارتها لنفسها.
“إذًا، هل استلمتم المبلغ المتبقّي؟ علينا دفع الغرامة لتجّار كور.”
“قالوا إنّ شخصًا معنيًّا سيأتي لتسليم المال. لا أدري لماذا يماطل.”
“…قولوا له أن يأتي فورًا.”
عقدت ريجينا حاجبيها بغيظ.
أكثر ما تكرهه أمران.
من يحتقر المرتزقة، ومن لا يدفع الأجر المتّفق عليه كاملًا.
ولولا أنّ ماوت وعدها بالاتصال فورًا، لنهضت بنفسها لتُثير ضجّة.
“آه، كان يجب ألّا نقبل أصلًا بحراسة أحد من العائلة الإمبراطوريّة. منذ البداية كان الأمر مريبًا. مرتزقة لحراسة أفراد من السلالة الحاكمة!”
“يجب أن نعثر أوّلًا على أولئك القتلة. كيف يتجرّؤون ونحن نحرس الهدف؟“
“من الذي تجرّأ على مهاجمة أحد أفراد العائلة الإمبراطوريّة أصلًا؟“
“شؤون النبلاء المعتادة. يتظاهرون بالنُّبل، لكنّهم محاطون بالأعداء. حتى ذلك الأمير المجنون لا بدّ أنّه كذلك، أليس كذلك يا ريجينا؟“
ابتسمت ريجينا ابتسامةً خفيفة.
وتسلّل إلى ذهنها، لوهلةٍ، مشهدُه وهو يشرب الماء من كفّها.
‘لكنّه لم يكن مجنونًا إلى ذلك الحدّ. على أيّ حال، لن ألتقيه مجدّدًا.’
“بالمناسبة، هل يعرف أحد أين أبي؟ ما زال هاربًا ولم يعد، أليس كذلك؟“
ما إن سألت حتّى أدار الجميع وجوههم في اتّفاقٍ مريب.
عاد العبوس إلى جبينها الذي كان قد انفرج قليلًا.
“تكلّموا. حالًا.”
“…جاء إلى النقابة لبرهة. لكن بينما كنّا خارجين في المهمّة، يبدو أنّ القائد فتح الخزنة مرّةً أخرى وأخذ المال. حتى مدّخرات الطوارئ.”
آه… تذكّرت ريجينا فجأة أمرًا آخر تكرهه بشدّة.
غيلّان حين يقع في الحبّ.
“ماذا؟! مرّةً أخرى؟! لماذا تقولون هذا الآن؟!”
وبانفجار غضبها، دفعت ماوت عنها ونهضت من السرير دفعةً واحدة.
كان ينبغي لها أن تُخفي مفتاح الخزنة في أحشائها بدلًا من الإسطبل.
لم يعد بوسعها التغاضي عن أبيها الطائش.
قرّرت أنّها، هذه الليلة، ستضع حدًّا نهائيًّا لغيلّان.
ستمنعه من الوقوع في الحبّ مرّةً أخرى… بل ومن التصرّف كرجل أصلًا.
“ريجينا، أنتِ مريضة! إلى أين تظنّين نفسك ذاهبة؟“
“القائد اختفى بالفعل. غالبًا لن تجديه. وللعلم، حاولنا جميعًا إيقافه.”
“هاه…”
تحوّل غضبها إلى زفرةٍ ثقيلة.
وبما أنّ غيلّان عبث بالخزنة، فلا بدّ أنّ المال قد نفد.
وحتى سبائك الذهب على الأرجح.
والأسوأ أنّه، خوفًا من التوبيخ، قد يختفي لأشهر.
وفي تلك الأثناء، قد تنهار النقابة بأكملها.
‘لماذا يصبح أحمق إلى هذا الحدّ كلّما وقع في الحبّ؟‘
غيلّان، ملك المرتزقة، كان شهوانيًّا، ويضعف ضعفًا مُخزيًا أمام الحبّ.
لو طلبت امرأةٌ قلبه، لشقّ صدره بسيفه وقدّمه لها دون تردّد.
“ريجينا، صوت تنهّدك وصل إلى بهو الطابق الأوّل.”
دخل غايل الغرفة دون طرق، وقدّم لها الـبودنغ.
كان من الحلويّات الفاخرة التي لا تُؤكل إلّا في المناسبات الخاصّة.
اغتنم أعضاء بيرسونا الفرصة، ودفعوا البودنغ إليها أكثر، بعد أن أرعبهم صراخها.
“هيا، كُلي هذا واهدئي قليلًا.”
“لاحقًا.”
أوه… هذا سيّئ.
حين ترفض ريجينا البودنغ، فهذا يعني أنّ مزاجها لم يبلغ القاع فقط، بل تجاوزه إلى ما تحته.
فغرامة كور التجاريّة وحدها كانت تعادل ثلاثة أضعاف أجر المهمّة.
وفوق ذلك، كانت خزائن النقابة ضعيفة أصلًا بسبب التوسّع المتهوّر.
غير أنّ غيلّان، الذي يكره الحسابات، كان لامباليًا رغم كونه القائد.
ولهذا، كانت ريجينا وحدها من يتحمّل الضغط.
‘بهذا المعدّل، سنفلس حتمًا. لكن لا يمكنني أيضًا إجبار الأعضاء، الذين بدأوا يطمئنّون، على قبول مهمّاتٍ مميتة.’
لم يمضِ على تأسيس بيرسونا سوى عشر سنوات.
تاريخٌ قصير مقارنةً بغيرها، وجذور لم تترسّخ بعد في وجه العواصف.
“وحتّى لو زدنا عدد المهمّات…”
توقّفت كلماتها، وبدأ الغضب يتسلّل مجدّدًا إلى ملامحها.
فالهجوم الذي شنّه أصحاب الأقنعة السوداء على قوافل كور التجاريّة أسقط عددًا كبيرًا من أعضاء بيرسونا طريحي الفراش.
وكانوا بحاجةٍ إلى شهرٍ على الأقلّ للتعافي.
“هيه، ايتها الأميرة ريجينا، ما كلّ هذا القلق؟ نحن هنا.”
“لا تنادِني بالأميرة، أرجوك.”
“هاها! وإن لم تكوني أنتِ أميرة، فمن يكون؟ لا أحد في عالم المرتزقة يجهل اسمك. ولا امرأة أقوى منك!”
ضحك الجميع بصوتٍ عالٍ، يبالغون في الانحناء إلى الوراء.
والعجيب أنّ مزاجها تحسّن فعلًا.
“بما أنّ ريجينا قد أفاقت، فلنحتفل!”
قاد ماوت الجميع إلى مخزن الخمر.
أما غايل، فحمل البودنغ ووضع ذراعه على كتفها.
“وأنتِ يا ريجينا؟“
“لن أشرب. استيقظتُ للتوّ، وقد يزورنا ضيفٌ ليليّ.”
اختطفت ريجينا البودنغ، ونظرت من النافذة.
كانت الشمس قد غربت، والليل يوشك أن يحلّ.
وحان وقت قلب قناع بيرسونا.
‘ليت ضيفًا ليليًّا يأتي بالفعل.’
فالقناع له وجهان. ظاهر وباطن.
وكذلك كانت نقابة بيرسونا.
في قلب العاصمة المتألّقة لإمبراطوريّة مانيمو، احتلّت بيرسونا أبعد بقعة في المنطقة سي.
وكان زوّارها في النهار غير زوّارها في الليل.
عند حلول الظلام، يصبحون مرتزقةً لزبائن آخرين.
يرتدون أقنعةً مختلفة، وينسلّون في العتمة لتنفيذ مهمّاتٍ سريّة وخطيرة.
حينها، كانوا أفاعي سامّة لا تُرى.
وريجينا، في ليالي كهذه، كانت أشرس تلك الأفاعي.
“في الآونة الأخيرة، قلّ زوّار الليل.”
“نعم، وهذه هي المشكلة. ليت مهمّةً كبيرة أخرى تسقط علينا.”
“على أيّ حال، هذه المرّة كانت شاقّة فعلًا. بفضلكِ نجا الأمير.”
ابتسمت ريجينا ابتسامةً قصيرة وأومأت.
قبل أن تغمض عينيها بفعل السُّمّ، ظنّت أنّ كلّ شيء انتهى.
كانت متأكّدة أنّ المهمّة فشلت، وأنّها جرّت بيرسونا إلى ثالث إخفاقٍ متتالٍ.
‘لكن بما أنّ الجميع وصلوا سالمين، فلا بدّ أنّ النجدة جاءت سريعًا.’
“هل أنتِ من قضى على بقيّة القتلة؟“
“هم؟ عندما وصلتُ، كان ذلك الفارس الإمبراطوري… توماس أم طماطم… قد أنهى الأمر. لم يبدُ قويًّا إلى هذا الحدّ.”
حتى ريجينا وجدت الأمر غريبًا.
أن يقضي فارسٌ واحد على كلّ القتلة في تلك المدّة القصيرة.
لكن بما أنّ المهمّة انتهت، قرّرت ألّا تُمعن التفكير.
فهو، في النهاية، دوقٌ نبيل لن تراه مجدّدًا.
حرّكت كتفها الذي كان قد خُلع، فلم تشعر بألم يُذكر.
يبدو أنّ العلاج تمّ أثناء إغمائها.
“بالمناسبة، كيف كان ذلك الأمير المجنون؟“
“همم… بدا شخصًا عاديًّا أكثر ممّا توقّعت. وكان وسيمًا.”
لماذا قالوا عنه مجنونًا أصلًا؟
آخر ما سمعته أنّ حريقًا هائلًا اندلع في قصره، وأنّه أصيب بصدمةٍ نفسيّة دائمة.
لكنّ الرجل الذي قابلته بدا، مقارنةً بما حوله، طبيعيًّا تمامًا.
“وسيم؟“
“نعم، لم أرَ ملامح كهذه من قبل.”
“أوسم منّي؟“
اقترب غايل حتّى لامس أنفاسه طرف أنفها.
رمشت بعادة، ثم غرست أصابعها بين أضلعه حين شدّ ذراعه حول عنقها.
“أوخ.”
“قلتُ لك لا تمزح هكذا.”
“أغار، فحسب.”
عبثت ريجينا بشعره الأحمر ضاحكة، قبل أن يصلها صوتٌ جهوريّ من خارج الغرفة.
“هيه! ريجينا! غايل! تعالَا بسرعة!”
****
في ليلةٍ ارتفع فيها القمر عاليًا، امتلأت الغرفة بأصوات التحطّم والصراخ الحادّ.
ارتبكت كبيرة الخدم، فينيت بايمان، أمام نوبة فالنتاين العنيفة.
طوال أربعين عامًا من الخدمة، لم تشهد سيّدًا كهذا.
تحطّم!
“آآآه!”
“سمو الدوق! اهدأ، أرجوك!”
كانت قد سمعت أنّ الأمير المجنون يُصاب بنوبات، لكن ليس بهذا الجنون.
كان يحطّم كلّ ما في الغرفة، ويجري كأنّ النار تشتعل في جسده.
“الحريق! النار تحاول أن تلتهمني! أطفئوا هذه النار!”
وخوفًا من أن تطأ قدمه شظايا الزجاج، صرخ توماس في وجه فينِيت.
“لا تنظري إليه! إنّه حسّاس للنظرات!”
“سـ، سأساعد. سير توماس.”
تقدّمت فينِيت، الواثقة بخبرتها، وأمسكت كتف فالنتاين بقوّة.
لكن لمس جسدٍ في نوبة جنون كان محرّمًا.
فالنتاين، المبتلى بالجنون، كان يرفض أيّ لمس بعنف.
وكيف لا، وجسده العلويّ مغطّى بندوب حروقٍ شاسعة.
“لا تلمسيني!”
“آه! أعتذر!”
تلقت فينِيت ضربةً جعلتها تتأفّف في سرّها، ثمّ انحنت معتذرة.
فمهما كان مجنونًا، يظلّ سيّدها.
—يتبع.
(\ (\
(„• ֊ •„) ♡
━━━━━━O━O━━━━━━
– تَـرجّمـة: شاد.
~~~~~~
End of the chapter
Chapters
Comments
- 4 - كيف تحمي المرتزقه مَن وُكِّلت بحمايته 2026-01-03
- 3 - كيف تحمي المرتزقه مَن وُكِّلت بحمايته 2026-01-03
- 2 - كيف تحمي المرتزقه مَن وُكِّلت بحمايته 2026-01-03
- 1 - كيف تحمي المرتزقه مَن وُكِّلت بحمايته 2025-12-31
التعليقات لهذا الفصل " 4"