بعد لحظة قصيرة، عادت نظرتها إليه، لكنّ آش لم يفوّت تلك الفجوة.
‘نعم، إنها ليست قضيّة سهلة. هناك الكثير من الأمور المخفية، و شيء ما معقود في مكان ما.’
لكنّ لماذا تبدو ممتعة إلى هذا الحدّ؟
سيصدم زملاؤه في قسم الشّرطة لو سمعوا ذلك، لكنّ آش كان يجد هذه القضيّة ممتعة حقًّا. إلى درجة أنّها منعته من الحلم بساحات القتال.
* * *
“سمعتُ أنّ آش جاء في النّهار اليوم.”
قالت ميليندا برو لزوجها و هي ترشف شاي اللّيل الدّافئ.
كانت هيبتها كسيدة منزل قديمة لقصر الكونت برو الواسع لا غبار عليها.
“آش؟ آش ماكالين؟”
“نعم. ذلك الابن غير الشّرعيّ.”
“تسك.”
عبس الكونت برو بين حاجبيه كأنّه رأى شيئًا قذرًا عند سماع كلمة “غير الشّرعيّ”.
“لابدّ أنّه التقى بروزالين.”
“أجل، بالطّبع. منذ أن أدخلنا القمامة إلى المنزل، يتجمّع حولها أشياء مشابهة دائمًا، لهذا مزاجي سيّء جدًّا.”
“أنا أيضًا. لو بعناها بسرعة لكان أفضل.”
جلس على كرسيّ بعيد قليلاً عن زوجته التي ترشف الشّاي، و أشعل سيجارة.
بينما يسحب منه ليشتعل طرفه جيّدًا، حلّ صمت بينهما. لكنّ الزّوجين اللّذين عاشا معًا أكثر من أربعين عامًا كانا يفكّران في الشّيء نفسه دون حاجة للكلام.
“عائلة الفيكونت ترابي أو البارون ديون أكثر حماسًا، لكنّني مهما فكّرتُ أرى أنّ عائلة فيكونت غوتفريد هي الأفضل.”
“أنا أيضًا أفكر بنفس الطريقة. صناعة الورق التي يديرها الفيكونت غوتفريد واعدة جدًّا. ولديه علاقات جيّدة مع الشّخصيّات النّافذة في مجلس المواطنين.”
“لا يروق لي اختلاطه مع العامّة، لكنّ إذا كان ذلك تيّار العصر، فعلينا التّظاهر بالاتّباع.”
رشفت ميليندا الشّاي بوجه عابس.
انتهى عصر يمكن فيه للنّبيل الاستمتاع بكلّ أنواع الرّفاهيّة دون عمل، لمجرّد كونه نبيلاً. ماذا يمكنهم أن يفعلوا بمبلغ الضّرائب المجموعة الءي لا يتجاوز النّسبة القانونيّة؟
في هذا العصر الذي أصبح فيه المعيار الأهمّ لتقييم الآخرين الثّروة و السّلطة، كلّما زاد المال كان أفضل، لذا أصبح النّبلاء يعملون أيضًا.
أساس هذا التّغيير الكبير كان ارتفاع دخل العامّة و مستوى معيشتهم. لم يعد العامّة مجرّد سماد يُبذر ليحيا النّبلاء حياة رخيّة.
“لا مفرّ من ذلك. مع ازدياد قوّة مجلس المواطنين يومًا بعد يوم، يجب أن نصنع روابط مسبقًا.”
“أولئك النّاس مساكين أيضًا. الفيكونت غوتفريد الذي يعتبرونه صديقًا يبذل كلّ ذلك الجهد ليمنح ابنه لقبًا، هل يعرفون ذلك؟”
“كيف لا يعرفون؟ لو عرض عليهم لقبًا، لهرعوا فرحين.”
كان الكونت برو و زوجته يعلمان أنّ البشر يتهافتون على أيّ ذرّة سلطة.
لذا كان بيع و شراء السّلطة عبر زواج تجاريّ أمرًا طبيعيًّا جدًّا بالنّسبة لهما. حتّى لو لم يكن رأس المال ابنهما.
في الواقع، هما من الطّراز الأكثر منطقيًّا و اهتمامًا نسبيًّا. فالطّرف الّذي اختاراه شابّ محترم جدًّا، ليس مسنًّا متزوّجًا سابقًا أو منحرفًا.
“على أيّ حال، اسم الابن الثّاني للفيكونت غوتفريد… أرثر، أليس كذلك؟”
“ربّما. أرثر غوتفريد. شابّ وسيم و لطيف.”
“بالنّسبة لروزالين، انه زواج فوق مستواها. في الحقيقة، لو لم يكن الأمر بفضلنا، هل كانت ستتمكّن من الاقتراب منه؟”
“حقًّا، ذلك الحريق كان حظًّا سماويًّا لتلك الفتاة روزالين.”
هزّ الكونت برو كتفيه و هو ينفض رماد سيجاره.
فجأة، قالت ميليندا كأنّها تذكّرت شيئًا:
“آه! روزالين قالت إنّها ستذهب إلى الإقليم و تعود. هناك الكثير ممّا يجب معالجته، فأذنتُ لها بالذّهاب.”
“أجل، الآن لا أحد غيرها يعالج أمور تيسيس، فيجب أن تذهب. لكنّ عليها العودة قبل بداية موسم الصّيف الاجتماعيّ.”
“قالت أنها لن تستغرق الكثير من الوقت. تلكَ الفتاة نشيطة و سريعة البديهة بشكل غير متوقّع.”
كان ذهاب روزالين إلى إقليمها مجرّد موضوع اهتمام بسيط لهما.
أنهى الزّوجان حديثهما عن ابنة عمّ بعيدة تعيش عندهما، و أكملا يومهما العاديّ مستمتعين بالشّاي و السّيجار.
بالطّبع، روزالين لا تعرف شيئًا عن أنّ زواجها قد تقرّر.
* * *
كان يوم عائلة اليارون تيسيس يبدأ بحركة الخادمات النشيطة. حتّى قبل فترة قصيرة كان كذلك.
لكنّ منذ يومين، أصبح القصر يبقى هادئًا حتّى مع بزوغ الصّباح.
“هاه…”
نهض غلين من سريره و أطلق تنهيدة كعادته دائمًا.
‘يبدو أنّ عائلة البارون تيسيس ستنهار قبل أن أتقاعد أنا.’
حتّى الآن، منع انهيار هذه العائلة بتفكير مكثّف و تحمّل كلّ الأعمال القذرة نيابة عنهم، لكنّه وصل إلى حدّه الآن.
اتّحاد التّجّار، الّذي يدفع أكبر الضّرائب، خفّض المبلغ بحجّة اللّصوص، و الآن يؤجّل الدّفع أيضًا. بهذا قد نتلقّاه العام القادم.
الأكثر قلقًا هو أنّ دافعي الضّرائب الآخرين سيستخدمون نفس الحجّة لتخفيض ضرائبهم.
هذه الأمور يجب أن يقرّرها البارون بنفسه و يشدّد فيها، لكنّ البارون تيسيس يكره ذلك دائمًا و يختار الطّريق السهل.
“التحقيق في عصابة اللّصوص في الغابة و إبادتها؟ هل تعرف كم تكلفة جمع القوى لذلك؟ اتركهم الآن. سيدفعون يومًا ما.”
“سمعتُ أنّ اتحاد التّجّار سيؤسّس فرقة حراسة ذاتيّة. إنهم يطلبون دعمًا ماليًّا، فأعطِهم بعضًا.”
عادةً، يجب الاستعانة بقسم الشّرطة في المدينة الكبيرة لاستعارة الشرطة أو الجيش. إذا لم ينجح، يجب توظيف مرتزقة على الأقلّ من المال الخاصّ.
لكنّ البارون تيسيس قبـلَ طلب اتحاد التّجّار بإنشاء فرقة حراسة لصدّ اللّصوص مقابل دعم ماليّ و تخفيض الضّرائب.
ثمّ أخذ يوبّخ غلين كلّما نفد المال.
“أنتَ وكيلي! ماذا كنتَ تفعل حتّى الآن دون جمع سريع؟”
ليس ذلك فقط. عندما يأتي سكّان الإقليم للشّكوى، كان عليه مقابلتهم نيابة عن البارون.
لو كان الطّرف نبيلاً، لكان السّكّان مطيعين، لكنّهم يظهرون وقاحة أمام خادم رئيسيّ من العامة مثلهم.
‘لو كانت عائلة البارون تساعد في حياة السّكّان، لكنتُ على الأقلّ رفعتُ رأسي، لكنّها على العكس تماما، لهذا أصبح أنا الجاني دائمًا.’
مع ذلك، لم يغادر هذه القلعة، و بذل كلّ جهوده و ولائه منذ شبابه حتّى الآن. لأنّها أرض وطنه، و عائلة السّيّد الّتي رآها منذ الطّفولة، و لأنّ أمّه كانت تفتخر بكونه خادمًا رئيسيًّا فيها.
لكنّه الآن يشكّ في سبب فعل ذلك كلّه. لأنّ أمّه توفيت قبل فترة قصيرة.
‘ربّما أرحل مع عائلتي. أينما عشنا، سيكون أفضل من هنا.’
خرج من غرفته مفكّرًا في ذلك، و أمسك بالمكنسة تلقائيًّا.
الخدم المتبقّون في عائلة البارون الآن ثمانية بما فيه هو، أو أربعة إذا استثنينا الحرّاس، لذا كان على الخادم الرّئيسيّ الكنس بنفسه.
طلب من البارون اختيار مَنٔ يُسرَّح من المتبقّين، لكنّه في الحقيقة سرّح معظمهم بالفعل.
بالنظر إلى الوضع الماليّ الدّقيق لعائلة البارون، لم يكن هناك قدرة أو رغبة في إدارة خدم يتكاسلون طوال اليوم.
لم يخف من التّوبيخ لتحرّكه دون إذن السّيّد.
‘إذا احتاجهم حقًّا، يمكن استدعاؤهم مجدّدًا. سنوفر أجورهم حتّى عودة السّيّد. لكنّ إذا أصرّ على الاحتفاظ بهم بعد رؤية الدّفاتر…’
إذا كان البارون بعيدًا عن الواقع إلى هذا الحدّ، فلن يكون لديه ثقة في مساعدته بعد الآن.
بينما يكنس أمام القلعة ليفرّغ رأسه المعقّد، جاء ساعي البريد من بعيد راكبًا حصانه.
“سيّدي الخادم! وصلت رسالة من العاصمة!”
عند سماع وصول الرّدّ فعليًّا، تنهّد غلين لسبب ما. خوفًا من أن يكون البارون قد كتب شيئًا غريبًا آخر.
لكنّه شكر السّاعي، ثمّ دخل و فتح الظّرف بدقّة بسكّين الرّسائل.
‘إذا ساء الأمر، سأستقيل.’
بذلك العزم فتح الظّرف، فوجد داخلها رسالة بخطّ يدويّ غير مألوف قليلاً.
“… ماذا؟ الآنسة روزالين ستأتي بنفسها؟”
لم يُكتب السّبب، فقط أنّها ستأتي بأسرع ما يمكن، و أن يسرّح الخدم غير الضّروريّين في الفترة تلك، و لا يدفع الدّعم لفرقة الحراسة الذّاتيّة لاتّحاد التّجّار.
السّطر الأخير يطلب تحضير دفاتر الحسابات و الوثائق الماليّة للتّدقيق، بدا له غامضًا بعض الشّيء.
‘إذا كان التّدقيق ضروريًّا، يجب أن يأتي البارون، فلماذا الآنسة روزالين…؟’
كان هذا الشّكّ منطقيًّا.
روزالين تيسيس الّتي عرفها حتّى الآن هي الوريثة الوحيدة لهذه العائلة، لكنّها تجاهلت دائمًا المشكلات الكبرى و الصّغرى فيها.
لماذا تعود وحدها الآن، بينما يفترض أن تكون مشغولة في العاصمة بالبحث عن شريك زواج.
‘هل يعقل أنّها طُردت من المجتمع الرّاقي في العاصمة؟’
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 9"