“ماذا؟ ن ، نعم بالطبع. ألم تـرهم البارونة بنفسها قبل قليل؟ بالطبع هذه المرّة دخل أشخاصٌ آخرون ، لكن……!”
“بيكر.”
“ن ، نعم!”
“فكّر جيّدًا و أجـب. هل كان هناك قُطّاع طرق في غابة غراسيكو؟”
طرحتُ السؤال نفسه مرّةً أخرى.
بيكر ، الذي كان قد ألقى بالإجابة فور انتهاء كلامي قبل قليل ، تردّد هذه المرّة.
“لماذا ، لماذا تفعلين هذا…….؟”
“فكّر جيّدًا ، جيّدًا جدًّا قبل أن تُجيب. لقد أضعتَ بالفعل فرصتين سابقتين.”
مرّةً عندما جئتَ لتطلب منّي زيادة إعانة فرقة الحراسة ، و مرّةً عندما جئتَ تقول إنّكم تعرّضتم لهجوم من عصابة قُطّاع طرق و طلبتَ الحلّ.
كان لديك فرصة لقول الحقيقة و طلب الصفح ، لكنّك اخترتَ الاستمرار في خداعي.
لذا فهذه هي الفرصة الأخيرة.
“هل كان هناك حقًّا قُطّاع طرق في غابة غراسيكو؟”
“…….”
شحب وجهه و أخذت شفتاه ترتجفان. انتظرتُ بصمت دون أن أقول شيئًا حتّى يُجيب.
في النهاية ، عندما لم يحتمل ذلك الصمت ، ارتمى بيكر أرضًا و توسّل.
“لـ ، لقد أخطأتُ ، أيتها البارونة! أرجوكِ ، حياتي فقط ، أرجوكِ اعفي عن حياتي!”
كان يرتجف من رأسه إلى أخمص قدميه أمام فتاة لا يبلغ حجمها نصف حجمه. لعلّ عرقه البارد كان يتساقط كقطراتٍ على الأرض.
“لو لم تظهر عصابة حقيقيّة ، إلى متى كنتَ ستستمرّ في خداعي؟”
“لً ، لقد ارتكبتُ ذنبًا يستحقّ الموت! أعمتني الدراهم القليلة فحسب……! آآآه.”
“تقتطع من الضرائب ، و تقتطع باسم دعم فرقة الحراسة ، و هذا وحده مثير للسخريّة ، ثمّ تتصرّف داخل الإقليم كأنّ لك شأنًا عظيمًا…. هل تظنّ أنّ أبي لم يكن يعلم؟”
“سـ ، سيّدتي البارون…….”
“أنتم ، مَنٔ تظنّون أنفسكم؟ هل منحتكم الدولة صكّ غفران مثلًا؟”
كان كثيرون يأخذون منهم البضائع و يعالجونها ثم يبيعونها في السوق ، لذا كان توريد الموادّ الخام لاتّحاد التّجّار مسألةً بالغة الأهمّيّة في تيسيس.
و حين اعترفنا لهم بتلك النقطة ، بدأوا يظنّون أنّهم شيءٌ عظيم و حاولوا أن يصبحوا سلطةً جديدة في تيسيس. و في بعض النواحي ، كانوا سلطةً أشدّ ضررًا على سكّان الإقليم من النبلاء.
‘كان هناك الكثير من الأشخاص الذين يشعرون بالإستياء من عائلة البارون تيسيس ، لكنّ عدد مَنٔ يشعرون بنفس الشيء تجاه اتّحاد التّجّار لم يكن أقلّ.’
التّاجر الذي كان يتصرّف بتعالٍ كلّما ذهبتُ لشراء مستحضرات التّجميل كان أيضًا من قيادات اتّحاد التّجّار. لا أستطيع القول إنّ الضيق الذي شعرتُ به آنذاك لم يؤثّر في هذه القضيّة.
على أيّ حال ، حان الآن وقت إسدال الستار على هذا العرض الباذخ.
أصدرتُ حكمي على بيكر ، الذي كان ما يزال يضمّ يديه و يتوسّل بحرارة.
“أوّلًا ، سنلغي تخفيف الضّرائب أو تأجيل موعد السّداد. و بالإضافة إلى ذلك ، ستُعيد خلال أسبوع إعانة فرقة الحراسة التي أخذتها منّي.”
“ط ، طبعًا!”
“و الإعانة التي انتزعتموها من أبي أيضًا ستُسدَّد على مدى ثلاث سنوات. مع احتساب الفائدة.”
“ن ، نعم ، سنفعل ذلك!”
“هذا أمرٌ بديهيّ ، أمّا العقوبة فتبدأ من الآن.”
عندئذ رفع عينيه الغائرتين. و لأنّني أعلم أيّ خوفٍ يكمن في تلك العينين ، شعرتُ بقليلٍ من الأسف لإخافته هكذا.
تحمّل القليل فقط ، لقد أوشك الأمر على الانتهاء.
“بجرم الاحتيال على أحد النّبلاء ، عليكَ بدفع تعويض قدره 600 مليون غيلدن. ليتقاسم أعضاء اتّحاد التّجّار المبلغ فيما بينهم. و من الآن فصاعدًا ، كلّما تم انتخاب أحد لمنصب قياديّ في الاتّحاد ، يجب أن ينال موافقتي.”
“نعم.”
“آه! و أفضل أنواع الفواكه التي تُجلب من إيراندور يجب أن تُقدَّم أوّلًا إلى القصر.”
“ح ، حاضر.”
حتّى بعد أن انتهيتُ من الكلام ، ظلّ بيكر يرتجف و يداه متشابكتان.
يبدو أنّه يظنّ أنّ هناك المزيد.
صحيح أنّ ستمائة 600 غيلدن مبلغٌ كبير ، لكن إذا قُسِّم بين عشرين عضوًا في الاتّحاد فلن يكون عبئًا هائلًا.
لكنّي كنتُ قد قرّرتُ أن أُظهر سعةَ صدرٍ كالبحر.
لم يكن من المناسب أن أُعادي سكّان الإقليم منذ البداية ….لو قتلتُهم فقد ينهار حيّ تيسيس التّجاري فعلًا. و إن سحبتُ الكثير من المال الذي يجب أن يدور داخل الإقليم فستكون تلكَ خسارةً على المدى البعيد.
“إن كنتَ قد فهمتَ كلّ شيء ، فغادر الآن.”
“ماذا؟ حـ ، حقًّا؟”
“ألا ترى أنّ العقوبة خفيفة جدًّا؟ لكن ماذا سيحدث لأجواء الإقليم إن أصدرتُ عقوبةً قاسية فور أن أصبحتُ السيدة الجديدة؟ إنّني أتحمّل فقط لهذا السّبب.”
انحنيتُ قليلًا إلى الأمام و قلت.
“لن تحصل على مثل هذا الحظ مرّتين في حياتك ، فتصرف جيّدًا من الآن فصاعدًا. هل فهمتَ؟”
“شكرًا لكِ ، يا بارونة! شكرًا لكِ!”
سقط بقيّة القادة الذين كانوا يرتجفون بجانبه على الأرض تأثّرًا.
نعم ، هكذا يتم إنزال العقوبة و نيل الشّكر في الوقت نفسه.
في يومٍ ما ، أنا أيضًا شكرتُ إنسانًا كان يعذّبني.
شكرته لأنّه كان يستطيع أن يؤذيني أكثر لكنّه اكتفى بهذا القدر.
و أنا الآن أستخدم ذلك الأسلوب بطريقةٍ أخرى….لن أذهب إلى النعيم حقًّا.
* * *
لم يمضِ أسبوع ، لا بل ثلاثة أيّام فقط ، حتّى سدد اتّحاد التّجّار كلّ الأموال.
لا أعلم إن كانوا كان اقترضوا أم كان لديهم من المدّخرات ما يكفي لدفع كلّ ذلك دون أن يتأثّروا. و ذلك ليس من شأني أصلًا.
حين رأى غلين الخزينة التي امتلأت فجأةً ، أشرق وجهه منذ الصّباح.
أظنّها المرّة الأولى التي أراه يبتسم فيها بهذا القدر من السعادة.
“هذا مذهل حقًّا ، يا بارونة! كيف خطر لكِ مثل هذا الأسلوب؟”
سألني غلين ، الذي تواطأ معي لابتزاز اتّحاد التّجّار ، و هو متأثّر.
لكن لم يكن بإمكاني إخبارُه بالحقيقة ، فقرّرتُ أن أتعذر بالبارون السابق.
“سمعتُ من أبي في العاصمة كثيرًا من الأحاديث المختلفة. و كانت مسألة اتّحاد التّجّار تشغله كثيرًا.”
“السّيّد الرّاحل؟”
“ربّما لم يُظهر ذلك أمامك ، غلين. لعلّه تظاهر بعدم الاهتمام خشية أن يبدو كسيّدٍ عاجز.”
“آه ، يا إلهي. و أنا لم أكن أعلم ذلك…..”
لا ، يا عمّي. ما كنتَ تعرفه هو الصّحيح. ذلك الرّجل لم يكن يفكّر في شيء.
لكن لا ضرر في تلميع صورة البارون السّابق. فالماضي يُجمَّل على أيّ حال ، و إن بدا آدم تيسيس سيّدًا جيّدًا على غير المتوقّع فقد يكون ذلك سببًا إضافيًّا لولاء غلين لي.
“على أيّ حال ، أبي مَنٔ وضع تلكَ الخطة بالكامل ، و أنا لم أفعل شيئًا سوى تنفيذها.”
“التنفيذ هو أصعب جزء. لقد أنجزتِ أمرًا عظيمًا ، يا آنسة. و فوق ذلك ، أن تُخضعي أربعين رجلًا خشنًا كأنّهم خدَمٌ لكِ و أنتِ بهذه الرّقّة ، لا أستطيع وصف مدى إعجابي…!”
إذًا كان ذلك ما أدهشه.
لو كانت روزالين الحقيقيّة لما كان الأمر سهلًا.
لكنّني أنا ، ابنة طبقة دنيا مثلهم ، أعرف جيّدًا طبيعة المرتزقة. في وقتٍ ما كنتُ أتلقّى أحيانًا أعمالًا عبر مكتب التّوظيف و أعمل في مهامّ لا تختلف كثيرًا عن عمل المرتزقة.
لذا فأنا أعلم جيّدًا ما الذي يُخضعهم ، و ممّ يخافون ، و كيف أجعلهم يُطيعونني.
“أشكركَ على كلماتك. لقد تعبتَ كثيرًا أنت أيضًا ، غلين.”
اكتفيتُ بابتسامةٍ تليق بسيّدةٍ متعجرفة بدلًا من شرحٍ مطوّل.
رغم أنّنا جمعنا بعض المال ، فإنّ النّار تحت أقدامنا ما تزال مشتعلة. ففوائد البنك لا بدّ أنّها تتكاثر اليوم أيضًا.
قرّرتُ أن أبدأ بسداد الدّيون فورًا. و أبدى غلين سرورًا بالغًا بذلك القرار أيضًا.
“ادفع الباقي للمرتزقة ، و ما يتبقّى خذه إلى البنك. هكذا ستقلّ الفائدة ، و في الشّهر المقبل ستدخل الضّرائب ، و سيتحسّن الوضع الماليّ تدريجيًّا.”
غادر غلين القصر فورًا لينفّذ الأمر ، كأنّه يخشى أن أُغيّر رأيي.
و بينما ظننتُ أنّني سألتقط أنفاسي أخيرًا ، حدث ذلك___
جاء أحد الحرّاس بدلًا من غلين الذي خرج ، ليبلغني بطلب مقابلة.
“آنسة ، أعني ، يا بارونة! هناك شخصٌ ما يطلب لقاءكِ ، و مهما نظرتُ إليه لا يبدو أنه من أهل تيسيس.”
“شخص غريبٌ جاء ليراني؟ كيف عرّف نفسه؟”
“قال إنّه آش مكالين.”
“ماذا؟”
ظننتُ أنّني سمعتُ خطأً. لكن مهما أعدتُ سؤال الحارس لم يتغيّر الاسم.
لماذا ذلك الرّجل في تيسيس؟ أم ربّما يكون الأمر مجرّد تشابه في الأسماء؟
ألا يملك في حياته سوى هذه القضيّة؟ لماذا يتبعني حتّى إلى تيسيس؟
راودتني افتراضاتٌ سخيفة قبل أن أستعيد هدوئي.
‘لا سبب لديّ لأتهرّب منه. لا تخافي.’
لا أحد في تيسيس يعرف هويّتي الحقيقيّة ، لذا من غير المحتمل أنّه جاء و هو يعلم شيئًا. ……أليس كذلك؟
“اصطحبه إلى غرفة الاستقبال.”
“هل هو شخصٌ مهمّ؟”
“إنّه الابن الثّالث للكونت مكالين ، و هو شرطيّ أيضًا. لا تتفوّه بشيءٍ في حضوره و أحضره بهدوء.”
“آه! نعم!”
راقبتُه و هو يركض على عجل ، ثمّ انتقلتُ سريعًا إلى غرفة الاستقبال و رتّبتُ ملابسي و انتظرتُ آش.
‘ليس بالأمر الكبير. في البداية بدا وسيمًا جدًّا لدرجة أربكتني ، لكن بعد أن رأيته عدّة مرّات بدأتُ أعتاد على وجهه.’
لكن ما إن دخل غرفة الاستقبال حتّى تلاشت تلك الفكرة تمامًا. منذ اللحظة التي وطئت فيها أطراف حذائه السجّاد المفروش في الغرفة.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 13"