كان ذلك بحدّ ذاته أمرًا يقشعرّ له البدن.
مجيء روزالين العائدة و مدى نوبات الهستيريا التي ستثورها، مجرّد تخيّل ذلك يجفّف حلقي. فالخادمة الرّئيسة التي كانت تداري مزاج البارونة و روزالين قد جمعت حقائبها و رحلت قبل فترة قصيرة.
‘مع ذلك، ستأتي مع إيما عند عودتها، أليس كذلك؟ عندها ستتمكّن تلك الفتاة من تهدئة الآنسة إلى حدّ ما.’
تذكّر غلين الخادمة الودودة التي كانت تسأل عن حاله كلّما تنهّد، محاولاً كبح قلقه.
* * *
بعد ثلاثة أيّام من زيارة آش لي، ركبتُ القطار متّجهة إلى تيسيس.
مسافة تيسيس التي تستغرق اثنتي عشرة ساعة كاملة بالعربة أصبحت أربع ساعات فقط بالقطار، يا لروعة تحسّن العالم.
رحلة القطار لم تكن سيّئة. كان الجلوس مقابل شخص غريب محرجًا بعض الشّيء، لكنّ التحديق من النّافذة أو قراءة كتاب أو شراء بعض المسلّيات من البائع في القطار جعل الوقت يمرّ، وإذا بي في محطّة تيسيس.
بالطّبع، اضطررتُ بعد ذلك إلى ركوب عربة أجرة لساعة أخرى للوصول إلى قلعة بارون تيسيس.
‘لم يمرّ شهران على رحيلي، لكنّ الأمر يبدو و كأنّه قد مـرّ زمن طويل جدًّا.’
أعدتُ تثبيت قبّعتي ذات الحجاب بدبّوس شعر مرّة أخرى لئلّا تسقط بالخطأ. كان هذا الخيار لإخفاء هويّتي في تيسيس. مَنٔ سيعترض على ارتداء حجاب أسود حدادًا على والديّ؟
رأى غلين العربة تقف عند البوّابة الرّئيسيّة فركض نحوها، أخذ يلهث و هو يفتح باب العربة ويساعدني على النزول.
“مرحبًا بعودتكِ، يا آنسة.”
أومأتُ برأسي فقط ردًّا على التّحيّة.
كان قلبي يدقّ بقوّة خوفًا من أن ينظر إليّ بغرابة فورًا.
‘تخيّل! أنا ابنة عائلة البارون العائدة بعد فقدان والديّ. كنتُ سابقًا مدلّلة أنانيّة، لكنّ المأساة المفاجئة جعلتني أعود إلى رشدي.’
بينما أتّجه إلى غرفة الاستقبال مع غلين، فسّرتُ الدّور المعطى لي و غرقتُ فيه.
أنا روزالين تيسيس، أنا روزالين تيسيس…
“لديّ ما أقوله، اجلس يا غلين.”
جلستُ في المقعد الرّئيسيّ عند طاولة غرفة الاستقبال، و دعوته للجلوس أيضًا. رغم أنّ الحجاب يمنع الرّؤية الواضحة، إلّا أنّني شعرتُ بتعجّبه.
“ما الذي حدث؟ لماذا عدتِ وحدكِ يا آنسة…؟”
“غلين.”
شهقتُ زفيرًا عميقًا.
“أمّي، أبي، لا، والداي… توفّيا.”
توقّف الزّمن لحظة. أصبح غلين كتمثال، عيناه كانتا مفتوحتين على وسعهما دون حراك.
“م، ماذا تقصدين؟!”
“اندلع حريق في المنزل الرّيفيّ الّذي كنّا نسكنه. كنتُ خارجًا في نزهة وحدها، فنجوتُ، لكنّ والداي…”
“يا إلهي…! ظننتُ أنّ سبب ارتدائكِ الحجاب…”
أطلقتُ تنهيدة عميقة أخرى ثمّ قلتُ:
“قرّرتُ ارتداء الحجاب لثلاثة أشهر. لا أعتقد أنّني سأنهي الحداد يومًا…”
“أفهم، يا آنسة. أنا أفهم تمامًا.”
بما أنّني شرحتُ سبب إخفاء الوجه، حان وقت بدء العمل.
أعطيتُ غلين وقتًا ليتقبّل الوضع، ثمّ استأنفتُ:
“غلين، أحتاج مساعدتكَ. لا أصدّق ذلك أنا أيضًا، لكنّني الآن البارونة تيسيس. لا يمكنني أن أدع العائلة التي ورثتها عن أبي، لا، والدي تنهار في جيلي.”
“يا آنسة…!”
“أعرف أنّني كنتُ طائشة و فاسدة. لكنّني سأتغيّر من الآن فصاعدًا. لن أكون ابنة يخجل منها والداي.”
بفضل العواطف التي أثرتها، تدفّقت الدّموع بشكل مناسب. لذا أخرجتُ منديلاً لأمسح عينيّ، مراقبة ردّ فعله أيضًا.
لحسن الحظّ، بدا متأثّرًا بتغيّر “روزالين تيسيس” رغم ارتباكه.
نعم، عندما يكون الإقناع غير منطقيّ، يجب اللّجوء إلى العواطف.
انظروا لهذا، لقد نجح الأمر.
‘بهذا، أصبح هناك عذر ما لتغيّر سلوكي المستقبليّ.’
بالطّبع، يمكنني تمثيل دور روزالين الحقيقيّة لو أردتُ، لكنّ ذلك سيؤدّي إلى انهيار العائلة دون رجعة. إنقاذ عائلة تنهار مع التصرّف مثل روزالين تيسيس الحقيقيّة شبه مستحيل.
لكنّني لا أنوي إضاعة لقب النّبل الّذي حصلتُ عليه.
سأقلب هذه العائلة المهدّدة رأسًا على عقب و أعيد بناءها بشكل صحيح، لأعيش كنبيلة حقيقيّة بترف.
مسحتُ دموعي الأخيرة و قلتُ بوقار بطوليّ:
“ما طلبتُه في الرّسالة، هل أعددته؟ الوثائق الّتي توضّح الوضع الماليّ للعائلة.”
“لا حاجة للإعداد. كلّها محفوظة جيّدًا في الخزنة السّريّة في مكتب البارون.”
“جيّد. سأغيّر ملابسي ثمّ أتفقّدها فورًا، فكن بجانبي و اشرح لي.”
“حسنًا، يا آنسة.”
لن يكون ذلك ممتعًا له. عمل إضافيّ غير مخطّط، و دور معلّم فوق ذلك.
لكنّني بحاجة ماسّة إلى مساعدته الصّادقة. لذا قلتُ بصدق أيضًا:
“أنا آسفة. و شكرًا لكَ”
عندها نظر إليّ غلين بتعجّب أكبر ممّا كان عند سماع خبر موت البارون و زوجته. حتّى من خلف الحجاب، رأيتُ عينيه المتّسعتين بوضوح.
نعم، أمر يستحقّ الدّهشة. أن تعتذر هذه الفتاة المدلّلة الشّرّيرة و تشكر خادمًا في الوقت نفسه.
أعرف أنّ روزالين ليست من النوع الّذي يفعل ذلك، لذا كانت هذه مقامرة.
إمّا قد أكسب قلبه، أو أثير شكوكه.
راهنتُ لأنّني أعرف غلين هيل إلى حدّ ما.
قلبه رقيق.
“سأبذل قصارى جهدي الضّعيف. إذا استطعتِ أن تصبحي سيدة عائلة البارون تيسيس الرّائعة فقط…!”
كما توقّعتُ.
سبب عدم تركه لعائلة بارون تيسيس هو ذلك القلب الرّقيق الضّعيف بالتّأكيد.
‘يا لكَ من مسكين أيها العمّ غلين. لكنّ هذا من حسن الحظ بالنّسبة لي.’
بصراحة، بعد ركوب القطار و العربة منذ الصّباح الباكر، كنتُ أرغب في الرّاحة، لكنّني غيّرتُ ملابسي فورًا و اتّجهتُ إلى مكتب البارون.
سابقًا كنتُ أحمل الشّاي إلى هنا، و الآن انا أجلس في مقعد السّيّد. يا للحياة…
على أيّ حال، بدأت دروسي الخاصّة مع غلين من يوم وصولي إلى تيسيس.
ربّما لو كنتُ شخصا عاديًّا من عامة الناس، لما فهمتُ ماهو مكتوب في الدّفاتر، لكنّني استطعتُ فهم كلام غلين تقريبًا. بفضل ماضيّ المعقّد و المضطرب ربّما.
“إذن هذا المستحقّات، و هذا النّقد الحاليّ، و هذا الدّين البنكيّ؟”
“نعم، صحيح. سبب اعتبار الدّين البنكيّ أصلًا هو…”
“بالطّبع، الدّين جزء من ثروتي. يمكنني مضاعفة المال به.”
“… صحيح. هل علّمكِ البارون تعليمًا للوراثة سابقًا؟”
تردّدتُ في الرّدّ، ثمّ ابتسمتُ قليلاً و هززتُ كتفيّ فقط.
افهم الأمر كما تشاء.
“وضع عائلتنا الماليّ أسوأ ممّا توقّعتُ.”
كنتُ أتوقّع ذلك، لكنّ هذا شديد بعض الشّيء.
الضّرائب الصّغيرة ليست معدومة، لكنّ الدّين البنكيّ هو المشكلة. مجرّد دفع الفوائد الشّهريّة يجعلنا نلهث.
“لماذا اقترض أبي مبلغًا كبيرًا إلى هذا الحدّ؟”
“آه، ذلك…”
كان تفسير غلين مذهلاً.
آدم تيسيس، الّذي أراد كسب الكثير من المال دون جهد كبير، استثمر مبلغًا هائلاً في مشروع صديق دون تحقّق جيّد.
لكنّ ذلك الطّرف انقطع عنهم تمامًا بعد تلقّي الاستثمار.
‘احتيال، احتيال كامل.’
المشكلة الأخرى هي اتحاد التّجّار الّذي يمتنع عن دفع الضّرائب. ليس الضّرائب فقط؟ يتلقّون دعمًا لفرقة الحراسة الذّاتيّة أيضًا.
‘كان يعطي المال لمَنْ يجب أن يجمع منهم المال. يا إلهي.’
انظروا لهذا. العالم لا يترك الفريسة الغبيّة السّاذجة. حتّى لو كانت نبيلة.
لكنّني لن أبقى فريسة سهلة بعد الآن.
“غلين. لنرتح اليوم هنا، و غدًا اتصل باتّحاد التّجّار و حدّد لقاءً معهم.”
“ت، تريدين مقابلتهم مباشرة؟”
“بالطّبع. أنا البارونة الآن.”
عندها غمر وجه غلين تعبير الامتنان.
نعم، تعبير لا يمكن وصفه إلّا بالامتنان.
“ش، شكرًا، يا آنسة! لا، أيتها البارونة!”
“شكرًا على ماذا. إنّه عملي.”
تظاهرتُ بعدم فهم سبب امتنانه، ثمّ همستُ فجأة بسبب شعور غريب:
“بالمناسبة، هذه أوّل مرّة يناديني أحد بـالبارونة.”
عند التفكير في الأمر، أنا بالفعل البارونة تيسيس.
لكنّ في مملكة داركا، لا ينادون الشّابّة غير المتزوّجة بلقبها.
هو ليس قانونًا، بل عادة.
النساء الّلواتي يرثن اللّقب مبكّرًا مثلي يُنادين “سيّدة” بعد الزّواج فقط. حتّى لو كان اللّقب لي، فالذي سيُنادى بارونًا هو زوجي المستقبليّ.
‘و بسبب هذا الطلب العالي على الألقاب، استطاعت عائلة البارون تيسيس الرّيفيّة إظهار وجهها في هيرونا.’
بدأتُ أتعلّم تدريجيًّا عن المجتمع النّبيل.
لكنّ مشكلة هذا اللّقب الّذي لم يزعجني عندما لم يكن لي، الآن تزعجني جدًّا.
‘هل هناك قانون يمنع المرأة من أن تكون سيّدة العائلة؟ أنا الّتي سأنهض بهذه العائلة الفقيرة البائسة؟’
ضيّقتُ عينيّ المتعبة الجافّة و صررتُ على أسناني.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 10"