2
استمتعوا
استعادةُ المرتبة الأولى التي طالما تاقت إليها طوال ثلاثة أشهر.
كان مجرّد التفكير في ذلك كافيًا لأن يدفع سونيت إلى أن تكتب قصيدة حبٍّ على قطعة قماشٍ ضخمة وتعترف بها في الحال.
طبعًا، اعترافًا زائفًا لا ينبع من قلبها.
فما دامت تستطيع إقصاء إيدن روسفيلد، لم يكن يهمّها أكان الاعتراف صادقًا أم كاذبًا.
أسرعت سونيت حالًا إلى غرفتها في السكن.
وهي تُفكّر في عبارات اعترافٍ بالحبّ تكتبها بحروفٍ حمراء فاقعة على قماشٍ كبير، على نحوٍ يبعث في النفس ثقلًا وضيقًا.
****
في صباح اليوم التالي، استيقظت سونيت باكرًا واتّجهت إلى قاعة المحاضرات، وقد لُفَّت قطعة القماش الكبيرة حول ذراعها.
كانت القاعة خاليةً تمامًا في ذلك الوقت المبكّر.
بسطت سونيت القماش الذي أحضرته على اتّساعه.
[إيدن! منذ اللحظة التي رأيتُك فيها وحتى الآن، مضى واحدٌ وتسعون يومًا وعشرُ ساعاتٍ وسبعَ عشرةَ دقيقةً وأنا أفكّر فيك.
أريد أن أكون معك إلى الأبد وأن أحبّك.
واعدني!
وحتى إن لم تواعدني، فلن أنساك حتى أموت.]
بدت الكلمات المكتوبة باللون الأحمر على القماش الأبيض أشبه بلعنة.
ابتسمت سونيت ابتسامةً خفيفة.
من المؤكّد أنّ إيدن سيقشعرّ بدنه حين يرى هذا القماش.
لقد تعمّدت أن تذكر الزمن بدقّةٍ لتُضاعف شعوره بالضيق، وألحقت في الختام عبارة ‘واعدني‘ لتمنحها نبرة أمرٍ جافٍّ يُحكم الطوق حوله.
‘بهذا القدر، لن يطيق الدراسة فحسب، بل لن يطيق حتّى البقاء في الأكاديمية ذاتها، أليس كذلك؟‘
تمنّت أن ينفر منها إلى حدّ الفزع، فلا يطيق رؤيتها.
كانت واثقةً من نجاح خطّتها.
فحتى في نظرها هي، صاحبة السمعة السيّئة، بدا هذا الاعتراف المفاجئ الملعون مثيرًا للاشمئزاز ومثقِلًا.
ابتسمت سونيت ابتسامةً مشرقة، تبتهج في سرّها بهذه الخطة المتقنة.
وهي تُدندن، نشرت القماش وثبّتته على الجدار الأكثر وضوحًا من المقعد الذي اعتاد إيدن الجلوس فيه.
كان القماش ثقيلًا بعض الشيء، فكان يسقط كلّما حاولت تثبيته، لكن لم يصمد أمام اللاصق القويّ.
وما إن انتهت وتراجعت خطوةً إلى الخلف، حتى انفتح الباب فجأةً على وقع أصواتٍ صاخبة.
ساد الصمت في لحظة.
دخل الجميع إلى القاعة، ووجوههم مذهولة، يحدّقون في اللافتة المكتوبة بحروفٍ حمراء كالدّم.
وبينما ارتسمت الدهشة على ملامحهم، ابتسمت سونيت ابتسامةً راضية، وجلست في المقعد المجاور لذلك الذي يجلس فيه إيدن عادةً.
لم يبقَ إلا أن يأتي إيدن.
تعالت الهمسات من حولها.
“أهي في كامل عقلها؟“
“بالطبع لا. من سيقبل اعترافًا يُلقى هكذا دفعةً واحدة؟“
“هذا ليس اعترافًا، بل لعنة.”
“إنّها مذهلة حقًّا. ظننتها مجرّد غريبة أطوار، لكن لم أتخيّل أنّها إلى هذا الحد.”
وكلّما سمعت سونيت ذلك، لم يسُؤها الأمر، بل راحت تبتسم في خفاء.
كانت تتوقّع أن يشعر إيدن بالإحساس نفسه حين يراها، فزادها ذلك ترقّبًا.
‘لا بدّ أنّه سيشمئزّ وينفر.’
أخذت تُدندن في سرّها وهي تنظر من النافذة.
وبينما تفعل، تذكّرت أنّ اليوم هو يوم تدريب مباراة المادو في الصباح.
ومن بعيد، رأت الذين أنهوا التدريب لتوّهم يسيرون نحو المبنى الرئيسيّ.
وكان إيدن بينهم.
لم يكن يحتاج إلى جهدٍ ليُلحَظ؛ فقد كان يبرز بسهولة.
شعره الأسود المنسدل، وقد ابتلّ بالعرق، أضفى عليه مسحةً من الجاذبيّة الغريبة، وقامته الطويلة وكتفاه العريضان جعلا بنيته مختلفةً بوضوح عن الآخرين.
وحتى من بعيد، لم يكن من العسير فهم سبب استئثاره بالشعبيّة؛ فملامحه الواضحة، وهيئته المستقيمة الواثقة، وطابعه الأرستقراطيّ المترفّع، لم تكن أمورًا عسيرة الفهم.
‘إنّه وسيم فعلًا.’
اعترفت سونيت بذلك بصراحة؛ فلعينيها نصيب من الإدراك.
وكان من الواضح أنّ عددًا كبيرًا من الطلّاب يحيطون به.
لقد كان إيدن محبوبًا منذ لحظة قدومه إلى هذه المدرسة.
إيدن ‘روسفيلد‘.
يحمل لقبه دلالة الثراء، ومع ذلك لم يكن متكبّرًا على نحو ما يُتوقَّع من نَبيلٍ رفيع المنزلة، بل كان حسن الخلق.
ولهذا، كانت سمعته طيّبة أيضًا.
لم يكن قليلًا عدد الفتيات اللواتي يعترفن له، غير أنّ أحدًا لم يفعل ذلك على هذا النحو المباغت، المُثقِل، الذي يشبه اللعنة، سوى سونيت.
كانت معظم الطالبات يقتربن من إيدن بخجل، أو يخالطنه برفق ويتعاملن معه بطبيعةٍ وتدرّج.
ومع ذلك، لم يواعد إيدن أيّ فتاة.
فالمعجبات به كثيرات، لكنّه طويل القامة، قويّ البنية، وسيم الوجه، عريق النسب؛ ولعلّه لم تقع في عينه واحدة تستوقفه.
وقد سرت شائعةٌ تقول إنّه مخطوبٌ لأميرةٍ من مملكة روستر.
غير أنّ سونيت لم تُمعن التفكير في ما وراء ذلك؛ فخِطبته، في الحقيقة، لا تعنيها بشيء.
حدّقت سونيت في الكلمات المعلّقة أمامها بعينٍ مترقّبة.
كانت الحروف الحمراء القانية، الكبيرة اللافتة للنظر حتى من بعيد، تبدو كلّما أعادت النظر إليها كأنّها مسكونةٌ بروحٍ شرّيرة.
‘لا بدّ أنّه سيكرهها.’
لم يكن في ذهنها سوى هذا الظنّ، ولم يخطر ببالها احتمالٌ آخر.
فسمعتها السيّئة التي تراكمت عبر الزمن كفيلةٌ بذلك.
وبينما كانت تنظر من النافذة بقلبٍ يغمره الرجاء، لم تعد ترى مجموعة لاعبي المادو الذين أنهوا التدريب.
يبدو أنّهم صعدوا إلى المبنى.
توترت سونيت.
أو لعلّه لم يكن توتّرًا بقدر ما كان خفقانًا مشوبًا بالترقّب؛ شعورًا لطيفًا ينبض في صدرها.
جلست، وعلى شفتيها ابتسامةٌ خفيفة، تنتظر وهي لا تفكّر إلا في المرتبة الأولى.
ولم ينقطع الهمس من حولها.
“أليست قد جُنّت من فرط الدراسة؟“
“دعها وشأنها. هي هكذا أصلًا.”
“لكنّها تجاوزت الحدّ حين مسّت إيدن.”
“سيهملها إيدن بنفسه.”
“بل إذا أهملها، ازداد تعلّقها به.”
وافقتها في سرّها.
يا للعجب، كم يعرفها من حولها!
وإن كان ذلك لأنّها لم تحاول قطّ إخفاء حقيقتها.
في تلك اللحظة، انفتح الباب.
خفتت الهمسات شيئًا فشيئًا، ودوّى وقعُ خطواتٍ ثقيلة.
ولسببٍ ما، انشدّت سونيت إلى ذلك الصوت.
بدت خطواته كأنّها تمتزج بخفقان قلبها.
ثومب، ثومب، ثومب.
إيقاعٌ منتظمٌ رصين يقترب تدريجيًّا.
شعورٌ غريبٌ لذيذ التفّ حول جسدها.
وما إن أخذت نفسًا ببطء، حتى فاح عطرُ النعناع.
شعرت سونيت على نحوٍ غريزيّ أنّه نعناعٌ من إقليم إيتار؛ موطن النعناع الذي تُفضّله أكثر من غيره.
وفجأةً، ساد المكان صمتٌ يشبه ليلًا تتساقط فيه الثلوج.
حضورٌ باردٌ ثقيلٌ استقرّ في الجوّ.
نسيت سونيت حتّى أن تتنفّس، واستدارت نحو جوارها.
أدارت رأسها ببطء، لكنها ارتعشت لحظةً.
فوجه إيدن الذي واجهها عن قرب كان وسيمًا إلى حدّ الإدهاش.
شعره الأسود المنسدل على جبينه أضفى عليه مسحةً آسرة، وعيناه الزرقاوان الصافيتان كانتا جميلتين إلى حدّ يُغرق الناظر فيهما.
كانت دومًا تراقبه من بعيد، وقد رأت فيه وسامةً آنذاك، غير أنّ رؤيته عن قرب كشفت لها للأسف الشديد كمالًا يكاد يكون مطلقًا.
انساب صمتٌ متوتّر.
كانت نظرة إيدن إليها هادئةً، لكنّها نافذةٌ ملحاحة، كأنّه يترقّب فعلها التالي.
وفي لحظةٍ ما، تجاهلت سونيت اضطرابها، وابتسمت ابتسامةً عريضة.
“واعدني!”
تعالى صوتُ شهقةٍ خافتة.
بدا أنّ الجميع يركّزون أنظارهم على هذا المشهد.
وكان الصمت كثيفًا إلى حدّ أنّها كادت تسمع دقّات قلبها.
نظرت سونيت إلى إيدن بقلبٍ يخفق، متوقّعةً أن يرفضها ويشمئزّ من اعترافها.
غير أنّ إيدن ابتسم بعينيه ابتسامةً مستقيمة.
تلون وجهه الجامد في لحظةٍ بلطفٍ مفاجئ.
سحب كرسيّه بهدوء وجلس إلى جوار سونيت مباشرةً.
ثم واجهها بنظرةٍ ثابتةٍ صريحة.
وأخذت عينا سونيت تتّسعان دهشةً شيئًا فشيئًا.
“حسنًا.”
قالها بنبرةٍ لطيفة، كأنّ الأمر لا يستحقّ كبير شأن.
وشعرت سونيت كأنّ جرسًا ضخمًا قرع بجانب أذنها.
…حسنًا؟
لماذا؟
…لماذا بحقّ السماء؟
“… أنا أقول إنّني أحبّك!”
خرج صوتها سريعًا من شدّة عدم تصديقها.
أهذه خدعة؟ لا يمكن أن يكون جادًّا.
كانت تظنّ أنّه لا يوجد من قد يحبّها، فنظرت إليه بعينٍ مرتابة.
ارتسمت على شفتي إيدن ابتسامةٌ ناعمة.
“نعم، وأنا أيضًا.”
كان هذا كلامًا مجنونًا.
فتحت سونيت فمها، عاجزةً عن النطق أمام جوابٍ لم يخطر ببالها قطّ.
وكان إيدن لا يفعل سوى أن يبتسم ابتسامةً مشرقـة كأشعّة الشمس.
راودها شعورٌ بأنّها تحلم.
وفجأةً، نهض إيدن من مقعده، واتّجه نحو اللافتة.
“لو رآها الأستاذ، فسيقول شيئًا بلا شكّ، لذا سأحتفظ بها أنا.”
حدّقت فيه سونيت شاردةً، دون أن تنبس بكلمة.
فابتسم إيدن ابتسامةً خفيفة.
“للذكرى.”
اتّسعت عينا سونيت من شدّة الذهول.
‘أهو أيضًا مجنون؟‘
لم تكن تتوقّع هذا الردّ أبدًا.
لم يكن هذا ما خطّطت له.
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter
التعليقات لهذا الفصل " 2"