الفصل 98
كَانَتْ هُنَاكَ فَتَاةٌ تَعِيشُ.
فَتَاةٌ ذَاتُ بِنْيَةٍ صَغِيرَةٍ بَلَغَتْ لِتَوِّهَا العَاشِرَةَ مِنْ عُمْرِهَا.
كَانَ لِتِلْكَ الفَتَاةِ حُلْمٌ وَاحِدٌ.
مَنْزِلٌ صَغِيرٌ لَكِنَّهُ دَافِئٌ وَمُرِيحٌ، وَأُمٌّ وَأَبٌ يَنْتَظِرَانِهَا فِيهِ.
أَنْ تَلْتَقِيَ بِـ “عَائِلَةٍ” مِثْلَ تِلْكَ الَّتِي كَانَتْ تَرَاهَا بِطَرَفِ عَيْنِهَا عِنْدَمَا تَخْرُجُ إِلَى المَدِينَةِ.
كَانَ هَذَا حُلْمَ الفَتَاةِ البَسِيطَ.
لَمْ يَكُنْ يَهُمُّهَا أَنْ يُضَايِقَهَا أَقْرَانُهَا، أَوْ أَنْ تَقْضِيَ أَيَّاماً دُونَ طَعَامٍ، أَوْ أَنْ تَرْتَدِيَ مَلَابِسَ رَثَّةً، أَوْ أَنْ تَنَامَ عَلَى سَرِيرٍ مَلِيءٍ بِالحَشَرَاتِ.
لِأَنَّ مُعَلِّمَةَ المَلْجَأِ قَالَتْ إِنَّهَا إِذَا سَمِعَتِ الكَلَامَ وَأَصْبَحَتْ طِفْلَةً طَيِّبَةً، فَإِنَّ وَالِدَيْنِ حَنُونَيْنِ سَيَأْتِيَانِ لِأَخْذِهَا.
كَانَتْ تَنْظُرُ إِلَى القَمَرِ المُنْعَكِسِ عَلَى النَّافِذَةِ القَدِيمَةِ الَّتِي يَتَسَلَّلُ مِنْهَا الهَوَاءُ، وَتُصَلِّي لِلرَّبِّ كُلَّ يَوْمٍ.
‘أَرْجُوكَ اجْعَلْ لِي عَائِلَةً هَذِهِ المَرَّةَ. أَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ’.
وَلَعَلَّ تَوَسُّلَهَا المُلِحَّ قَدْ وَصَلَ، فَقَدْ تَحَقَّقَتْ تِلْكَ الأُمْنِيَّةُ بَعْدَ فَتْرَةٍ وَجِيزَةٍ.
عِنْدَمَا وَضَعَتْ يَدَهَا بِتَرَدُّدٍ عَلَى الكُرَةِ البِلَّوْرِيَّةِ الَّتِي أَحْضَرَهَا مُدِيرُ المَلْجَأِ، انْبَعَثَ ضَوْءٌ أَزْرَقُ غَمَرَ الغُرْفَةَ بِإِشْرَاقٍ.
وَعِنْدَ رُؤْيَةِ ذَلِكَ، هَتَفَ الكِبَارُ بِفَرَحٍ.
اقْتَرَبَ مُدِيرُ المَلْجَأِ مِنَ الفَتَاةِ المَذْهُولَةِ وَهُوَ يَبْتَسِمُ بِإِشْرَاقٍ.
ثُمَّ عَانَقَهَا بِقُوَّةٍ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ إِقَامَتِهَا هُنَاكَ، وَأَخْبَرَهَا أَنَّهُ سَيُصْبِحُ لَدَيْهَا عَائِلَةٌ.
وَالِدَانِ رَائِعَانِ ذَوَا مَكَانَةٍ رَفِيعَةٍ!
وَقَالَ إِنَّهُمَا أَعَدَّا لَهَا عَرَبَةً كَبِيرَةً وَفَسَاتِينَ جَمِيلَةً.
رُغْمَ أَنَّهُ كَانَ أَمْراً مُفْرِحاً، إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ يَهُمُّ الفَتَاةَ فِي الحَقِيقَةِ.
فَقَدْ كَانَتْ رَاضِيَةً بِمُجَرَّدِ أَنْ تُصْبِحَ لَدَيْهَا عَائِلَةٌ.
وَمَعَ ذَلِكَ، بِمَا أَنَّهَا كَانَتْ هَدَايَا مِنْ وَالِدَيْهَا، فَقَدْ سُرَّتْ بِهَا كَثِيراً وَتَلَقَّتْهَا بِامْتِنَانٍ.
دَاخِلَ العَرَبَةِ الكَبِيرَةِ، كَانَتِ الفَتَاةُ تَنْظُرُ إِلَى شِعَارِ الوَرْدَةِ الحَمْرَاءِ وَقَلْبُهَا يَمْتَلِئُ بِالأَحْلَامِ.
سَتَلْتَقِي بِوَالِدَيْهَا بَعْدَ قَلِيلٍ.
‘سَيُصْبِحُ لِي أُمٌّ وَأَبٌ أَنَا أَيْضاً’.
هَلْ سَيَقْرَآنِ لِي كِتَاباً أَوْ يُغَنِّيَانِ لِي أُغْنِيَةً قَبْلَ النَّوْمِ عَلَى سَرِيرٍ دَافِئٍ كَمَا فِي القِصَصِ؟
رُبَّمَا يُجْبِرَانِنِي عَلَى تَنَاوُلِ الخُضْرَاوَاتِ الَّتِي أَكْرَهُهَا.
وَلَكِنْ لَا بَأْسَ. بِمَا أَنَّنِي سَأَكُونُ ابْنَةً صَالِحَةً، فَسَأَصْبِرُ وَآكُلُهَا حَتَّى لَوْ كُنْتُ لَا أُحِبُّهَا.
إِذَا صَارَ لِي أُخْتٌ أَوْ أَخٌ صَغِيرٌ، فَسَوْفَ أَعْتَنِي بِهِ جَيِّداً.
أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي نُزْهَةٍ مَعَ أُمِّي وَأَبِي فِي يَوْمٍ رَبِيعِيٍّ دَافِئٍ.
‘كَيْفَ سَيَكُونُ شَكْلُ وَالِدَيَّ؟’
وَلَكِنَّ مَا وَاجَهَ الفَتَاةَ الَّتِي كَانَتْ غَارِقَةً فِي أَحْلَامِهَا البَرِيئَةِ كَانَ بِدَايَةَ البُؤْسِ.
❁❁❁
كَانَ ذَلِكَ المَكَانُ جَحِيماً.
المَكَانُ الَّذِي وَصَلَتْ إِلَيْهِ الفَتَاةُ كَانَ مَلِيئاً بِأَطْفَالٍ فِي مِثْلِ حَالَتِهَا.
كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُهَاجِمُ الآخَرَ لِيُصْبِحَ ابْناً لِلأُمِّ وَالأَبِ.
مَضَى يَوْمٌ، يَوْمَانِ، ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ…. مَرَّ وَقْتٌ لَا يُحْصَى.
وَسَطَ العَقَاقِيرِ المُرْعِبَةِ الَّتِي تُحْقَنُ فِي جَسَدِهَا وَالأَلَمِ المُسْتَمِرِّ، تَخَلَّتِ الفَتَاةُ عَنْ كُلِّ أَحْلَامِهَا وَآمَالِهَا.
أَصْبَحَ كُلُّ مَا تَتَمَنَّاهُ الآنَ هُوَ البَقَاءُ عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ فَقَطْ.
لَمْ تَكُنْ تُرِيدُ المَوْتَ.
بَلْ حَتَّى لَوْ كَانَ المَوْتُ لَا مَفَرَّ مِنْهُ، فَقَدْ كَانَتْ تَتَمَنَّى عَلَى الأَقَلِّ أَلَّا تَمُوتَ بِأَلَمٍ.
لَمْ تَعُدِ الفَتَاةُ تُؤْمِنُ بِالرَّبِّ الآنَ، لِذَلِكَ ظَلَّتْ تَتَوَسَّلُ لِيُنْقِذَهَا أَيُّ شَخْصٍ دُونَ تَحْدِيدِ هُوِيَّتِهِ.
وَفِي نِهَايَةِ مَطَافِ ذَلِكَ التَّوَسُّلِ، اخْتَفَى كُلُّ أُولَئِكَ الأَطْفَالِ الكَثِيرِينَ وَبَقِيَتْ هِيَ وَحْدَهَا نَاجِيَةً.
“لَنْ أَمُوتَ… سَأَعِيشُ حَتَّى أَخْرُجَ مِنْ هُنَا حَتَّى لَوْ كَانَ ذَلِكَ بِالقُوَّةِ”.
بَعْدَ قَتْلِ آخِرِ طِفْلٍ بَاقٍ، وَبَيْنَمَا دِمَاؤُهُ تُلَطِّخُ يَدَيْهَا، عَاهَدَتِ الفَتَاةُ نَفْسَهَا.
عِنْدَمَا قَتَلَتْ طِفْلاً فِي مِثْلِ عُمْرِهَا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، كَانَتْ تَتَلَوَّى مِنَ الذَّنْبِ وَلَمْ تَكُنْ تَسْتَطِيعُ النَّوْمَ بِشَكْلٍ جَيِّدٍ.
أَمَّا الآنَ، فَلَمْ تَعُدْ تَشْعُرُ بِأَيِّ مَشَاعِرَ أَوْ أَفْكَارٍ.
الضَّعِيفُ يَمُوتُ بَاكِراً.
هَكَذَا كَانَ مَنْطِقُ العَالَمِ.
أَمَّا الأُمُّ وَالأَبُ الحَنُونَانِ اللَّذَانِ أَرَادَتْهُمَا الفَتَاةُ، فَلَمْ يَكُونَا مَوْجُودَيْنِ فِي هَذَا العَالَمِ أَيْضاً.
كَانَ كُلُّ ذَلِكَ مُجَرَّدَ أَوْهَامٍ.
آخِرُ ذِكْرَى كَانَتْ أَمَامَ عَمُودٍ أَبْيَضَ بَاهِرٍ.
جَلَسَتِ الفَتَاةُ بِذُهُولٍ عَلَى الكُرْسِيِّ المَوْضُوعِ أَمَامَ العَمُودِ الأَبْيَضِ.
وَبِجَانِبِهَا تَمَاماً، كَانَتْ تَجْلِسُ الدُّوقَةُ.
مَسَحَتِ الدُّوقَةُ عَلَى رَأْسِ الفَتَاةِ وَكَأَنَّهَا تُحِبُّهَا.
بَسَبَبِ تِلْكَ اللَّمْسَةِ الدَّافِئَةِ الَّتِي تَشْعُرُ بِهَا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي حَيَاتِهَا، ذَرَفَتِ الفَتَاةُ دُمُوعاً بِصَمْتٍ دُونَ أَنْ تَجِدَ وَقْتاً لِلْغَضَبِ.
مَرَّتْ لَحْظَةٌ، وَفَجْأَةً تَمَوَّجَ الضَّوْءُ.
وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، بَدَأَ أَلَمٌ مُرْعِبٌ يُسَيْطِرُ عَلَى جَسَدِ الفَتَاةِ بِالكًامِلِ.
صَرَخَتِ الفَتَاةُ وَهِيَ تَشْعُرُ بِأَلَمٍ وَكَأَنَّ إِبَراً تَغْرِزُ فِي كُلِّ جَسَدِهَا، بَيْنَمَا كَانَتْ تَتَمَسَّكُ بِقُوَّةٍ بِالدِّفْءِ الوَحِيدِ الَّذِي لَمَسَهَا.
‘مُؤْلِمٌ……! مُؤْلِمٌ، مُؤْلِمٌ، مُؤْلِمٌ! لَمْ أَعُدْ أُرِيدُ المَزِيدَ…….’
أُفَضِّلُ المَوْتَ.
سَالَتْ دُمُوعٌ حَمْرَاءُ مِنْ عَيْنَيِ الفَتَاةِ المُنْغَلِقَتَيْنِ بِقُوَّةٍ، وَتَلَوَّنَ مَا أَمَامَهَا بِالسَّوَادِ.
عِنْدَمَا فَتَحَتْ عَيْنَيْهَا مَرَّةً أُخْرَى، مَا رَأَتْهُ مِنْ خِلَالِ رُؤْيَتِهَا المَشْوُشَةِ كَانَ جَسَدَهَا هُوَ الَّذِي يَمْشِي.
شَعْرٌ أَبْيَضُ وَعَيْنَانِ حَمْرَاوَانِ.
أَمَامَ الفَتَاةِ ذَاتِ المَظْهَرِ المَأْلُوفِ، جَثَا أَشْخَاصٌ يَرْتَدُونَ أَرْدِيَةً سَوْدَاءَ عَلَى رُكَبِهِمْ.
“جَسَدِي……؟”
فَتَحَتْ فَمَهَا الَّذِي لَمْ يَكُنْ يَنْفَتِحُ بِالقُوَّةِ.
حِينَهَا، شَعَرَتْ بِرَغْبَةٍ قَوِيَّةٍ فِي التَّقَيُّؤِ تَغْمُرُ جَسَدَهَا.
فِي ذَلِكَ المَكَانِ، تَقَيَّأَتْ مَا صَعَدَ إِلَى حَلْقِهَا.
كُلُّوك كُلُّوك.
مَعَ صَوْتِ السُّعَالِ، انْدَفَعَتْ كَمِيَّةٌ هَائِلَةٌ مِنَ الدِّمَاءِ مِنْ جَسَدِهَا.
وَتِلْكَ الدِّمَاءُ شَكَّلَتْ بِرْكَةً عَكَسَتْ صُورَةَ الفَتَاةِ.
وَقَعَتِ الفَتَاةُ، بَلْ وَقَعَتْ هِيَ فِي حَالَةٍ مِنَ اليَأْسِ.
“هَذِهِ أَنَا……؟”
اخْتَفَى وَجْهُ الطِّفْلَةِ الهَزِيلَةِ، وَحَلَّتْ مَحَلَّهُ الدُّوقَةُ الَّتِي كَانَتْ تَلْهَثُ مِنَ الأَلَمِ.
عِنْدَمَا حَاوَلَتْ نَهْضَ جَسَدِهَا الَّذِي لَا يَتَحَرَّكُ عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتِ القَهْقَهَةِ، رَأَتْ جَسَدَ الفَتَاةِ يَقِفُ بِالقُرْبِ مِنْهَا، لَا تَعْرِفُ مَتَى جَاءَ.
كَانَ الشَّيْطَانُ الَّذِي يَرْتَدِي جِلْدَ بَشَرٍ يَنْظُرُ إِلَيْهَا بِوَجْهٍ بَرِيءٍ.
“هَذَا الجَسَدُ رَائِعٌ جِدّاً. جَسَدٌ شَابٌّ وَنَضِرٌ. قُوَّةٌ فَائِضَةٌ. وَهَذَا الوَجْهُ الجَمِيلُ… شُكْراً لَكِ، سَأَسْتَخْدِمُهُ جَيِّداً”.
مَسَحَتِ الفَتَاةُ الَّتِي ابْتَسَمَتْ بِلُطْفٍ عَلَى رَأْسِهَا.
“يَجِبُ أَنْ تَرْحَلِي بِسَلَامٍ فِي طَرِيقِكِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ هَذَا هُوَ آخِرُ لُطْفٍ مِنِّي”.
سُمِعَ صَوْتُ تَحَطُّمِ عِظَامٍ، وَسُرْعَانَ مَا بَدَأَ صَدْرُهَا يُؤْلِمُهَا.
بَدَأَتِ الرُّؤْيَةُ تَرْمِشُ وَكَأَنَّهَا تَنْطَفِئُ.
“وَدَاعاً، أَيَّتُهَا الطِّفْلَةُ”.
هَمَسَتْ بِذَلِكَ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ فِي أُذُنِهَا.
❁❁❁
امْتَدَّ أَمَامِي فَضَاءٌ أَبْيَضُ مَأْلُوفٌ.
فِي وَسَطِ الفَضَاءِ الفَارِغِ، كَانَتْ هُنَاكَ فَتَاةٌ صَغِيرَةٌ تَبْكِي بِحُرْقَةٍ.
عِنْدَمَا التَقَتْ عَيْنَا الفَتَاةِ بِعَيْنِي، قَالَتْ بِحُزْنٍ:
“لَقَدْ فَقَدْتُهُ مَرَّةً أُخْرَى”.
بَكَتْ بِشَكْلٍ جَائِرٍ لِدَرَجَةِ أَنَّ حُزْنَهَا انْتَقَلَ إِلَيَّ أَيْضاً.
بَيْنَمَا كُنْتُ أُوَاسِيهَا وَقَلْبِي يَتَمَزَّقُ، نَظَرَتِ الفَتَاةُ الَّتِي كَانَتْ تَنْتَحِبُ إِلَيَّ مَرَّةً أُخْرَى وَتَمْتَمَتْ:
“لَقَدِ اسْتَخْدَمْتُ كُلَّ قُوَّتِي لِأُعِيدَ الأُمُورَ لِمَجَارِيهَا……”
بَدَأَتْ تَظْهَرُ شُقُوقٌ فِي جَسَدِ الفَتَاةِ الَّتِي كَانَتْ تَمْتَمُ بِذُهُولٍ.
‘فَقَدْتُهُ مَرَّةً أُخْرَى. مَاذَا سَأَفْعَلُ الآنَ….؟’
وَجْهُ الفَتَاةِ الَّتِي كَانَتْ تَنْظُرُ إِلَيَّ بِلَا تَعَابِيرَ انْقَسَمَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى نِصْفَيْنِ.
ثُمَّ تَحَطَّمَ إِلَى أَجْزَاءٍ مُصْدِراً صَوْتَ انْكِسَارٍ حَادّاً كَالزُّجَاجِ.
كَانَ حُلْماً غَرِيباً.
وَلَكِنْ لَا بَأْسَ.
لِأَنَّهُ حُلْمٌ.
فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي كُنْتُ أُفَكِّرُ فِيهَا أَنَّ “كُلَّ شَيْءٍ سَيَكُونُ بِخَيْرٍ عِنْدَمَا أَسْتَيْقِظُ مَرَّةً أُخْرَى”، هَجَمَ عَلَيَّ أَلَمٌ وَكَأَنَّ شَخْصاً مَا يَعْصِرُ قَلْبِي.
كَانَ جَسَدِي كُلُّهُ يُؤْلِمُنِي وَثَقِيلاً لِلْغَايَةِ.
كَمَا كُنْتُ أَشْعُرُ بِغَثَيَانٍ فِي دَاخِلِي.
وَبِسَبَبِ شُعُورِي بِوُجُودِ شَيْءٍ غَرِيبٍ وَزَهِمٍ، لَمْ أَسْتَطِعْ تَحَمُّلَ التَّقَيُّؤِ أَبَداً.
“أُوووك……!”
بِمُجَرَّدِ أَنْ تَقَيَّأْتُ، انْتَشَرَتْ رَائِحَةُ دَمٍ زَهِمَةٌ فِي فَمِي.
فَتَحْتُ عَيْنَيَّ اللَّتَيْنِ لَمْ تَنْفَتِحَا بِسُهُولَةٍ بِالقُوَّةِ.
كَانَ كُلُّ مَا أَمَامِي مُلَطَّخاً بِالدِّمَاءِ.
أَشْعُرُ أَنَّ هُنَاكَ مَرَّةً حَدَثَ فِيهَا هَذَا مِنْ قَبْلُ؟
قَطَّبْتُ حَاجِبَيَّ بِسَبَبِ شُعُورٍ سَيِّءٍ بِأَنَّنِي رَأَيْتُ هَذَا المَشْهَدَ مِنْ قَبْلُ، وَحَاوَلْتُ تَرْكِيزَ بَصَرِي.
بَدَأَتْ صُورَتِي تَنْعَكِسُ فِي دِمَاءٍ انْصَبَّتْ مِثْلَ الفَيَضَانِ.
لَمْ أَكُنِ المَرْأَةَ ذَاتَ الشَّعْرِ الأَبْيَضِ وَالعَيْنَيْنِ الحَمْرَاوَيْنِ الَّتِي اعْتَدْتُ عَلَيْهَا.
بَلْ كَانَ وَجْهَ دُّوقَةِ “رُوزبِيلِيير” الَّتِي كَانَتْ تُمْسِكُ بِيَدِي قَبْلَ قَلِيلٍ.
عِنْدَمَا حَاوَلْتُ نَهْضَ جَسَدِي الثَّقِيلِ، رَأَيْتُ أَشْخَاصاً يَرْتَدُونَ أَرْدِيَةً سَوْدَاءَ يَجْثُونَ عَلَى رُكَبِهِمْ أَمَامَ العَمُودِ الأَبْيَضِ، تَمَاماً كَمَا فِي الحُلْمِ.
إِذَا كَانَ هُنَاكَ فَرْقٌ عَنِ الحُلْمِ، فَهُوَ أَنَّ الشَّخْصَ الَّذِي يَقِفُ أَمَامَهُمْ لَيْسَ فَتَاةً صَغِيرَةً، بَلِ امْرَأَةٌ بَالِغَةٌ.
“كُلُّوك!”
صَعَدَ شَيْءٌ مَا مِنْ دَاخِلِي مَرَّةً أُخْرَى.
عِنْدَمَا تَقَيَّأْتُ وَأَنَا أَسْعُلُ، كَانَ دَماً أَحْمَرَ دَاكِناً هَذِهِ المَرَّةَ أَيْضاً.
عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتِ غَثَيَانِي، التَفَتَ مَا كَانَ جَسَدِي يَوْماً مَا.
“لَقَدِ اسْتَيْقَظْتِ”.
كَانَتْ تَبْتَسِمُ بِجَمَالٍ.
شَعْرٌ أَبْيَضُ وَعَيْنَانِ حَمْرَاوَانِ.
وَهَيْئَةٌ سَاحِرَةٌ وَابْتِسَامَةُ عَيْنَيْنِ…….
حِينَهَا فَقَطْ اسْتَطَعْتُ أَنْ أَعْرِفَ بِالضَّبْطِ مَنْ تَكُونُ.
“إِيفِيلِيَانَا رُوزبِيلِيير”.
فَتَحْتُ فَمِي الَّذِي كَانَ لَا يَنْفَتِحُ بِسُهُولَةٍ.
المُخَطِّطَةُ الخَفِيَّةُ الأَخِيرَةُ لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ وَالشِّرِّيرَةُ الَّتِي أَغْرَقَتِ القَارَّةَ فِي الجَحِيمِ.
حَسَبَ سِيَاقِ الرِّوَايَةِ، كَانَ يَنْبَغِي لِهَذِهِ الشِّرِّيرَةِ أَنْ تَمُوتَ عَلَى يَدِ الأَبْطَالِ العَائِدِينَ، لَكِنَّهَا بَقِيَتْ عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ.
هَكَذَا، أَمَامِي.
ضَحِكَتْ “إِيفِيلِيَانَا” بِإِشْرَاقٍ ثُمَّ دَارَتْ حَوْلَ نَفْسِهَا بِرُقِيٍّ دَوْرَةً كَامِلَةً.
“أَخِيراً اسْتَعَدْتُهُ. جَسَدِي، شَبَابِي”.
اقْتَرَبَتْ إِيفِيلِيَانَا الَّتِي كَانَتْ تَمْتَمُ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ مِنَ العَمُودِ، ثُمَّ مَسَحَتْ عَلَيْهِ بِنُعُومَةٍ وَوَاصَلَتْ كَلَامَهَا:
“لَقَدْ رَأَيْتِ هَذَا العَمُودَ مِنْ قَبْلُ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ فِي إِقْلِيمِ هِيلْدِيرِيُوز”
لَقَدْ كَانَ هَذَا هُوَ الأَثَرَ المُقَدَّسَ لِطَائِفَةِ “تِيرِينَا” الَّذِي كَانَ يُفْتَرَضُ أَنْ يُدَارَ مِنْ قِبَلِ بُرْجِ السَّحَرَةِ بَعْدَ حَادِثَةِ مَوْجَةِ الوُحُوشِ.
“رُمْحُ سِيلَافِيِيل. إِنَّهُ الأَثَرُ المُقَدَّسُ الَّذِي ظَلَّتْ عَائِلَةُ رُوزبِيلِيير تَبْحَثُ عَنْهُ طَوَالَ هَذِهِ المُدَّةِ. هَذَا الأَثَرُ، كَمَا تَعْلَمِينَ، هُوَ شَيْءٌ ثَمِينٌ جِدّاً يَقُومُ بِتَبْدِيلِ الأَرْوَاحِ بِالجَسَدِ المُخْتَارِ”.
أَزَاحَتْ شَعْرَهَا الطَّوِيلَ وَتَابَعَتْ:
“فِي هَذِهِ الحَيَاةِ، قَامَ شَيْءٌ يُشْبِهُ الجُرَذَ بِالطَّمَعِ فِيمَا أَمْلِكُهُ وَسَرَقَهُ. وَلَقَدْ صَمَدْتُ لِمُدَّةِ عَشْرِ سَنَوَاتٍ فِي ذَلِكَ الجَسَدِ المُتَهَالِكِ دُونَ أَنْ أَعْرِفَ شَيْئاً”.
رَسَمَتِ ابْتِسَامَةً مَرِيرَةً، ثُمَّ اقْتَرَبَتْ مِنِّي بِبُطْءٍ فَجْأَةً.
“وَبَعْدَ ذَلِكَ، تَلَقَّيْتُ نِدَاءَ السَّمَاءِ. عَادَتْ لِي كُلُّ الذِّكْرَيَاتِ. وَلَكِنْ، لِأَنَّ ذِكْرَيَاتِ حَيَاتِي السَّابِقَةِ عَادَتْ مُتَأَخِّرَةً جِدّاً، انْعَكَسَ كُلُّ المَسَارِ وَلَمْ أَسْتَطِعْ إِيجَادَ مُمْتَلَكَاتِي. لَا الأَثَرَ المُقَدَّسَ، وَلَا أَنْتِ. لَا تَعْلَمِينَ كَمْ كُنْتُ مُحْبَطَةً طَوَالَ تِلْكَ المُدَّةِ”.
رَفَعَتْ إِيفِيلِيَانَا زَاوِيَتَيْ فَمِهَا بِبُطْءٍ وَهِيَ تَتَصَنَّعُ الحُزْنَ.
كَانَتْ تَصَرُّفَاتُهَا المُرِيبَةُ تُشْبِهُ مُمَثِّلِي المَسْرَحِ.
“وَلَكِنْ، لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّ عَائِلَةَ هِيلْدِيرِيُوز تَمْلِكُ كُلَّ ذَلِكَ! هَذَا أَمْرٌ مُضْحِكٌ حَقّاً. هَلْ هَذَا هُوَ القَدَرُ؟ أَنْتِ لَا تَعْرِفِينَ، لَكِنَّ ذَلِكَ المَكَانَ كَانَ مَكَانِي السَّابِقَ”.
قَبْلَ أَنْ تُنْهِيَ كَلَامَهَا، شَعَرْتُ بِالغَثَيَانِ يَنْفَجِرُ بِدَاخِلِي.
وَاصَلَتِ الدِّمَاءُ الهَائِلَةُ الِانْدِفَاعَ مِنْ فَمِي.
بَدَا وَكَأَنَّنِي أُصِبْتُ بِجُرُوحٍ دَاخِلِيَّةٍ خَطِيرَةٍ.
وَلَعَلَّهُ بِسَبَبِ فِقْدَانِ الكَثِيرِ مِنَ الدِّمَاءِ فِي وَقْتٍ قَصِيرٍ، شَعَرْتُ بِدُوَارٍ وَارْتَجَفَتْ يَدَايَ.
“هِيييك……”
لَمْ أَسْتَطِعِ التَّنَفُّسَ بِشَكْلٍ جَيِّدٍ.
“هَذَا الجَسَدُ قَدْ وَصَلَ إِلَى نِهَايَتِهِ الآنَ. رُبَّمَا سَيَكُونُ مُؤْلِماً لِلْغَايَةِ. لَقَدْ أَجْرَيْتُ بَعْضَ التَّجَارِبِ خِلَالَ تِلْكَ المُدَّةِ لَكِنَّ النَّتَائِجَ لَمْ تَكُنْ جَيِّدَةً. هَلْ هُوَ مُؤْلِمٌ جِدّاً؟ هُفُف، سَأَقْتُلُكِ أَنْتِ فَقَطْ بِرَاحَةٍ”.
ظَهَرَتْ طَاقَةٌ سَوْدَاءُ كَرِيهَةٌ حَوْلَ إِيفِيلِيَانَا الضَّاحِكَةِ. وَسُرْعَانَ مَا تَحَوَّلَتْ تِلْكَ الطَّاقَةُ إِلَى كُرَةٍ ضَخْمَةٍ.
“لَنْ أَنْتَزِعَ قَلْبَكِ كَمَا فَعَلْتُ فِي المَرَّةِ السَّابِقَةِ. فَهَذَا أَمْرٌ بَرْبَرِيٌّ جِدّاً، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟”
اقْتَرَبَتْ مِنِّي بِبُطْءٍ.
التعليقات لهذا الفصل " 98"