الفصل 95
فِي ذَلِكَ الوَقْتِ، فِي المَعْبَدِ الرَّئِيسِيِّ لِطَائِفَةِ “تِيرِينَا” المَوْجُودِ فِي عَاصِمَةِ الإِمْبَرَاطُورِيَّةِ.
فِي الحَدِيقَةِ أَمَامَ المَعْبَدِ، كَانَ الأَطْفَالُ الَّذِينَ يَرْتَدُونَ زِيَّ الكَهَنَةِ المُتَدَرِّبِينَ يَرْكُضُونَ وَيَلْعَبُونَ بِمَرَحٍ.
وَسَطَ الأَطْفَالِ الَّذِينَ يَتَبَادَلُونَ أَطْرَافَ الحَدِيثِ، تَوَقَّفَ أَحَدُ الأَطْفَالِ الَّذِي كَانَ يَرْكُلُ الكُرَةَ بِحَمَاسٍ عَنِ المَشْيِ فَجْأَةً.
بَعْدَ أَنْ ظَلَّ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ بِوَجْهٍ ذَاهِلٍ لِفَتْرَةٍ، أَحْنَى رَأْسَهُ بِضَعْفٍ مِثْلَ دُمْيَةٍ مَرْبُوطَةٍ بِخُيُوطٍ قَدِ انْقَطَعَتْ.
تُودُوك.
سَقَطَتْ قَطَرَاتٌ مِنَ الدَّمِ الأَسْوَدِ المُحْمَرِّ وَاحِدَةً تِلْوَ الأُخْرَى فَوْقَ العُشْبِ الأَخْضَرِ.
“جِيرُوم؟ مَاذَا بِكَ؟”
رَكَضَ الأَطْفَالُ الَّذِينَ كَانُوا يَلْعَبُونَ بِالكُرَةِ حَوْلَهُ بِذُعْرٍ.
“هَلْ أَنْتَ بِخَيْرٍ؟”
هَزَّ أَحَدُ الأَطْفَالِ كَتِفَهُ بِوَجْهٍ قَلِقٍ.
بَعْدَ قَلِيلٍ، رَفَعَ جِيرُوم رَأْسَهُ وَكَأَنَّ شَيْئاً لَمْ يَكُنْ.
وَعَلَى وَجْهِ الطِّفْلِ الَّذِي كَانَ يَبْتَسِمُ بِإِشْرَاقٍ،
كَانَ الدَّمُ الأَسْوَدُ المُحْمَرُّ يَتَدَفَّقُ مِنْ عَيْنَيْهِ كَالشَّلَّالِ.
“هِي، جِيرُوم! عَيْنَاكَ تَنْزِفَانِ دَماً”.
اقْتَرَبَ الأَطْفَالُ الَّذِينَ كَانُوا حَوْلَهُ بِخَوْفٍ.
لَكِنَّ الطِّفْلَ مَسَحَ دُمُوعَ الدَّمِ بِبَسَاطَةٍ ثُمَّ ابْتَسَمَ بِلُطْفٍ.
“آهَاهَا، لَيْسَ أَمْراً كَبِيراً”.
وَفِي عَيْنَيِ الأُسْقُفِ الَّذِي كَانَ يَعِظُ الحَاضِرِينَ فِي القُدَّاسِ، وَفِي عَيْنَيِ الكَاهِنِ الَّذِي كَانَ يَسِيرُ فِي الرُّهْرَةِ، تَدَفَّقَتْ دُمُوعُ الدَّمِ أَيْضاً.
وَلَكِنْ، لَمْ يَهْتَمَّ أَحَدٌ بِالأَمْرِ، مَسَحُوا دُمُوعَ الدَّمِ وَبَدَأُوا فِي أَدَاءِ أَعْمَالِهِمْ.
بِاسْتِثْنَاءِ شَخْصٍ وَاحِدٍ فَقَطْ.
فِي القَاعِ السُّفْلِيِّ لِلْمَعْبَدِ تَحْتَ الأَرْضِ.
تَلَوَّى الطِّفْلُ المَسْجُونُ خَلْفَ القُضْبَانِ الحَدِيدِيَّةِ الغَلِيظَةِ مِنَ الأَلَمِ.
حَاوَلَ الصُّرَاخَ مِنْ شِدَّةِ الوَجَعِ، لَكِنَّ أَحْبَالَهُ الصَّوْتِيَّةَ المَسْدُودَةَ لَمْ تُصْدِرْ إِلَّا صَوْتاً مَعْدَنِيّاً مَبْحُوحاً.
تَدَفَّقَتْ دُمُوعُ الدَّمِ مِنْ عَيْنَيْهِ لِتُبَلِّلَ الأَرْضَ بِاللَّوْنِ الأَحْمَرِ.
مُنْذُ أَنْ تَسَلَّمَ هَذَا العَالَمَ مِنَ الإِلَهِ الرَّئِيسِيِّ، اخْتَفَى غَابْرِييل، المَخْلُوقُ الثَّانِي الَّذِي صَنَعَهُ مِنْ لَحْمِهِ، مِنَ العَالَمِ.
لَقَدْ نَفَدَتْ كُلُّ القُوَّةِ المُقَدَّسَةِ الَّتِي نَفَخَهَا فِي رُوحِهِ، فَعَادَ إِلَى حَالَةِ الفَوْضَى.
كَانَ المَخْلُوقُ عَمَلاً فَنِيّاً صَنَعَهُ الإِلَهُ الرَّئِيسِيُّ عَنْ طَرِيقِ تَجْمِيعِ الفَوْضَى الَّتِي تَرَكَهَا وَوَضَعَ الرُّوحَ بَدَاخِلِهَا.
وَكَانَتِ الفَوْضَى وَسِيلَةً تُتِيحُ لِلرُّوحِ اسْتِخْدَامَ سُلْطَةِ الإِلَهِ وَقُوَّةً هَائِلَةً، لَكِنَّهَا كَانَتْ تَنْهَشُ الرُّوحَ بَيْنَ الحِينِ وَالآخَرِ.
وَلِمَنْعِ ذَلِكَ، نَفَخَ الإِلَهُ قُوَّةً مُقَدَّسَةً قَوِيَّةً بَيْنَ الفَوْضَى وَالرُّوحِ.
إِذَا أُصِيبَتِ الرُّوحُ بِجُرْحٍ مِثْلَ زَادْكِيِيْل، فَقَدْ كَانَ الأَمْرُ يَسْتَغْرِقُ بَعْضَ الوَقْتِ، لَكِنَّهَا تَتَعَافَى بِفَضْلِ القُوَّةِ المُقَدَّسَةِ الَّتِي تُحِيطُ بِهَا.
وَلَكِنْ، إِذَا نَفَدَتِ القُوَّةُ المُقَدَّسَةُ تَمَاماً مِثْلَ غَابْرِييل، فَإِنَّ الفَوْضَى تَبْتَلِعُ الرُّوحَ وَلَا يُمْكِنُ اسْتِعَادَتُهَا.
وَالمُشْكِلَةُ الأَكْبَرُ هِيَ أَنَّ الفَوْضَى الَّتِي تَذَوَّقَتِ الرُّوحَ تُصْبِحُ رَاغِبَةً فِي تَذَوُّقِ رُوحِ مَخْلُوقٍ آخَرَ.
تَمَاماً مِثْلَ الفَيْرُوسِ الَّذِي يَنْتَشِرُ، تَسْتَمِرُّ فِي اصْطِيَادِ مَخْلُوقٍ آخَرَ.
أَلَمْ يَعُدِ الكَثِيرُ مِنَ المَخْلُوقَاتِ إِلَى حَالَةِ الفَوْضَى بَعْدَ سُقُوطِ رُوآ؟
لِذَلِكَ، تَمَّ خَتْمُهُمْ تَحْتَ أَعْمَاقِ عَالَمِ البَشَرِ.
رُبَّمَا تَبْدَأُ تِلْكَ الكَارِثَةُ مِنْ جَدِيدٍ.
نَظَرَ “آيِين” بِيَدٍ مُرْتَجِفَةٍ إِلَى جَانِبِهِ مُبَاشَرَةً.
فِي قَفَصٍ حَدِيدِيٍّ بَعِيدٍ، كَانَ هُنَاكَ عَجُوزٌ مُلْقًى دَاخِلَ بِرْكَةٍ مِنْ سَائِلٍ أَسْوَدَ.
لَقَدْ كَانَتِ الكَاهِنَةَ سِيلَافِي الَّتِي اعْتَنَتْ بِـكَاي بِكُلِّ إِخْلَاصٍ عِنْدَمَا جَاءَتْ إِلَى فَرْعِ تِيرِينَا فِي زِيرُونِيَا بَعْدَ تَعَرُّضِهَا لِإِصَابَةٍ دَاخِلِيَّةٍ خَطِيرَةٍ قَبْلَ عَشْرِ سَنَوَاتٍ.
عَيْنَاهَا اللتَانِ كَانَتَا تَنْظُرَانِ إِلَى كَاي بِنَظْرَةٍ حَنُونَةٍ، لَمْ تَعُودَا تَعْكِسَانِ أَيَّ شَيْءٍ الآنَ.
‘لِمَاذَا… عُدْتِ…’
مُبَاشَرَةً بَعْدَ عَوْدَتِهِ إِلَى المَعْبَدِ، كَانَ مَا يَنْتَظِرُ آيِين هُوَ سِيلَافِيِيْل الَّتِي صَارَتْ حَالُهَا مُزْرِيَةً بِسَبَبِ التَّعْذِيبِ القَاسِي.
لَمْ تَكُنْ تَسْتَطِيعُ حَتَّى إِخْرَاجَ صَوْتِهَا بِشَكْلٍ صَحِيحٍ، فَكَانَتْ تُحَرِّكُ شَفَتَيْهَا فَقَطْ وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَيْهِ.
‘ارْحَـ…. لْ’.
بَعْدَ أَنْ أَنْهَتْ كَلِمَتَهَا الأَخِيرَةَ، تَوَقَّفَتْ عَنِ الحَرَكَةِ.
بَدَأَ الِانْهِيَارُ مِنْ أَطْرَافِ رَاحَةِ يَدِهَا.
بَعْدَ مَوْتِ سِيلَافِيِيْل، رَفَضَ هُوَ صُنْعَ القُوَّةِ المُقَدَّسَةِ.
لَمْ يَرْغَبْ فِي مَنْحِ قُوَّتِهِ الثَّمِينَةِ لِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ.
وَلَكِنْ، لَمْ يَتَغَيَّرْ شَيْءٌ رُغْمَ قَرَارِهِ.
فَهُمْ هَذِهِ المَرَّةَ أَمَرُوا غَابْرِييل لِيَقُومَ بِفَكِّ خَتْمِ العَالَمِ، ثُمَّ أَعَادُوا غَابْرِييل أَيْضاً إِلَى حَالَةِ الفَوْضَى.
‘لِمَاذَا يَرْتَكِبُونَ مِثْلَ هَذِهِ الأَفْعَالِ؟’
لِمَاذَا؟
نَظَرَ آيِين إِلَى الأَمَامِ بِعَيْنَيْنِ مُحْمَرَّتَيْنِ مَلِيئَتَيْنِ بِالعُرُوقِ.
رَأَى أَخْيِلَةَ أَشْخَاصٍ كَانُوا يُرَاقِبُونَهُ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ.
بِسَبَبِ الظِّلَالِ الطَّوِيلَةِ، لَمْ يَكُنْ بِمَقْدُورِهِ رُؤْيَةُ مَنْ خَلْفَهُمْ.
فَقَطْ كَانَ يَرَى دُوقَةَ رُوزبِيلِيير الَّتِي تَقِفُ فِي المُقَدِّمَةِ وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ مُبْتَسِمَةً.
❁❁❁
عَائِلَةُ الدُّوقِ “رُوزبِيلِيير”.
دَاخِلَ غُرْفَةٍ فَاخِرَةٍ فِي قَصْرِ الدُّوقِ، كَانَ الحَطَبُ يَحْتَرِقُ فِي مِدْفَأَةٍ كَبِيرَةٍ مُصْدِراً صَوْتَ “تَادَاك تَادَاك”.
وَفِي الكُرْسِيِّ الهَزَّازِ أَمَامَ تِلْكَ المِدْفَأَةِ، كَانَ هُنَاكَ شَخْصٌ يَجْلِسُ وَيَنْظُرُ بِشُرُودٍ إِلَى ضَوْءِ النَّارِ المُشْتَعِلَةِ.
كَانَ ذَلِكَ الخَيَالُ مُغَطًّى بِظِلَالٍ دَاكِنَةٍ مَلأَتِ الغُرْفَةَ، فَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ سِوَى عَيْنَيْنِ لَامِعَتَيْنِ.
رَفَعَتِ الدُّوقَةُ “رُوزبِيلِيير”، الَّتِي كَانَتْ تَجْلِسُ عَلَى طَاوِلَةِ الشَّايِ مُعْطِيَةً ظَهْرَهَا لِلْكُرْسِيِّ الهَزَّازِ، كَأْسَهَا بِرُقِيٍّ.
كَانَتْ تَبْدُو فِي غَايَةِ السَّعَادَةِ وَهِيَ تَضْحَكُ بِصَوْتٍ خَفِيفٍ.
عِنْدَمَا تَذَكَّرَتِ الطِّفْلَ الصَّغِيرَ فِي الطَّابَقِ السُّفْلِيِّ لِلْمَعْبَدِ وَهُوَ يَنْفَجِرُ غَضَباً حِين رَآهَا، أَطْلَقَتْ ضِحْكَةً سَاخِرَةً.
كَانَتِ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ مَعاً تُسَاعِدَانِهَا.
‘هُوفُو. كُلُّ شَيْءٍ يَسِيرُ وِفْقاً لِلْخِطَّةِ’.
فَتَحَتِ الدُّوقَةُ فَمَهَا قَائِلَةً وَهِيَ تَبْتَسِمُ:
“أَيُّهَا الدُّوقُ، وَلِيُّ العَهْدِ يَا سَيِّدِي. أَلَنْ يَهْمِسَ لِي بِأَنَّهُ يُحِبُّنِي؟ هَاهَا، يَا لَهُ مِنْ أَمْرٍ، رُغْمَ أَنَّ فَرْقَ العُمْرِ بَيْنِي وَبَيْنَ أُمِّهِ لَيْسَ كَبِيراً، إِلَّا أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِي بِهَذَا الشَّكْلِ”.
أَمَامَ زَوْجِهَا الجَالِسِ عَلَى الكُرْسِيِّ الهَزَّازِ، بَدَأَتْ تَتَحَدَّثُ عَنْ قِصَّتِهَا مَعَ وَلِيِّ العَهْدِ دُونَ تَرَدُّدٍ.
رُغْمَ أَنَّهَا كَانَتْ تَتَحَدَّثُ عَنْ لَهْوِهَا مَعَ رَجُلٍ آخَرَ، إِلَّا أَنَّ الدُّوقَ ظَلَّ يَنْظُرُ إِلَى المِدْفَأَةِ فَقَطْ دُونَ أَيِّ رَدِّ فِعْلٍ آخَرَ.
“قَالَ إِنَّهُ سَيَتَّخِذُنِي إِمْبَرَاطُورَةً عِنْدَمَا يُصْبِحُ إِمْبَرَاطُوراً. يَبْدُو أَنَّ جَمَالِي لَمْ يَذْبُلْ بَعْدُ”.
تَابَعَتِ الدُّوقَةُ كَلَامَهَا سَوَاءٌ كَانَ الطَّرَفُ الآخَرُ يَسْمَعُ أَمْ لَا.
تُوك تُوك.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، سُمِعَ صَوْتُ طَرْقِ بَابٍ.
“سَيِّدَتِي، لَقَدْ أَحْضَرْتُ الأَوْرَاقَ الَّتِي أَمَرْتِ بِهَا”.
عَلَى صَوْتِ الخَادِمِ الجَافِّ، أَمَرَتِ الدُّوقَةُ بِالدُّخُولِ.
دَخَلَ كَبِيرُ الخَدَمِ العَجُوزُ مَعَهُ الأَوْرَاقُ، وَتَبِعَتْهُ خَادِمَةٌ تَحْمِلُ إِبْرِيقاً نَحْوَ غُرْفَةِ الدُّوقِ.
كَانَتِ الخَادِمَةُ الَّتِي تَقِفُ بِجَانِبِ كَبِيرِ الخَدَمِ تَبْلَعُ رِيقَهَا بِتَوَتُّرٍ وَتَمْشِي بِخُطُواتٍ حَذِرَةٍ.
“هِم، يَبْدُو أَنَّ العَمَلَ يَسِيرُ دُونَ مَشَاكِلَ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟”
سَأَلَتِ الدُّوقَةُ وَهِيَ تَسْتَلِمُ الأَوْرَاقَ مِنَ الخَادِمِ.
فِي تِلْكَ الأَثْنَاءِ، صَبَّتِ الخَادِمَةُ المَاءَ السَّاخِنَ فِي الشَّايِ الَّذِي كَادَ يَبْرُدُ.
‘لَحُسْنِ الحَظِّ. لَنْ أُعَاقَبَ لِأَنَّ الشَّايَ بَرَدَ’.
مَاذَا حَدَثَ لِلْمَسْؤُولَةِ السَّابِقَةِ؟
الخَادِمَةُ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهَا كَانَتْ فَتَاةً جَمِيلَةً جَاءَتْ مِنْ هِيلْدِيرِيُوز.
لَقَدْ أَخْبَرَتِ الدُّوقَةَ بِكُلِّ مَا حَدَثَ فِي هِيلْدِيرِيُوز وَصَارَتْ تَخْدُمُ الدُّوقَةَ فِي فَتْرَةٍ قَصِيرَةٍ، لَكِنْ لَمْ تَمْضِ سِوَى أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ عَلَى نُفُوذِهَا حَتَّى طُرِدَتْ مِنْ رُوزبِيلِيير بَعْدَ تَعَرُّضِهَا لِضَرْبٍ قَاسٍ بِسَبَبِ بُرُودَةِ الشَّايِ.
قَالَتْ رَئِيسَةُ الخَدَمِ إِنَّهَا عَادَتْ إِلَى مَسْقَطِ رَأْسِهَا، لَكِنَّ العَامِلِينَ كَانُوا يَعْلَمُونَ جَيِّداً أَنَّ هَذَا لَيْسَ صَحِيحاً.
لَا بُدَّ أَنَّهَا سُحِبَتْ إِلَى مُخْتَبَرِ السِّحْرِ المَخْفِيِّ فِي قَبْوِ هَذَا القَصْرِ.
بَعْدَ أَنْ صَبَّتِ المَاءَ السَّاخِنَ فِي الإِبْرِيقِ الَّذِي يَنْبَعِثُ مِنْهُ البُخَارُ وَوَضَعَتِ الكَعْكَ بِجَانِبِهِ، أَلْقَتْ نَظْرَةً خَاطِفَةً نَحْوَ المِدْفَأَةِ ثُمَّ صَرَفَتْ نَظَرَهَا بِسُرْعَةٍ.
‘لَا يُمْكِنُ… قَدْ أَمُوتُ’.
تَذَكَّرَتْ إِخْوَتَهَا فِي الرِّيفِ وَوَالِدَيْهَا المَرِيضَيْنِ المُلْقَيَيْنِ عَلَى الفِرَاشِ.
لَا يُمْكِنُنِي المَوْتُ هُنَا.
أَغْمَضَتِ الخَادِمَةُ عَيْنَيْهَا بِقُوَّةٍ ثُمَّ فَتَحَتْهُمَا لِتَمْلِكَ شَتَاتَ نَفْسِهَا.
ثُمَّ قَامَتْ بِتَنْظِيفِ طَبَقِ الكَعْكِ الفَارِغِ بِهُدُوءٍ وَبِوَجْهٍ خَالٍ مِنَ التَّعَابِيرِ.
وَلَكِنَّ الدُّوقَةَ لَمْ تَكُنْ لِتُفَوِّتَ ذَلِكَ.
رَسَمَتِ الدُّوقَةُ ابْتِسَامَةً حُلْوَةً لِلْخَادِمَةِ.
“عَزِيزِي، قُلْ شَيْئاً. إِنَّ كَوْنَكَ رَئِيسَ عَائِلَةِ ‘رُوزبِيلِيير’ وَتَظَلُّ صَامِتاً هَكَذَا يَجْعَلُ المَرْؤُوسِينَ يَحْمِلُونَ شُكُوكاً تَتَجَاوَزُ حُدُودَهُمْ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟”
أَدَارَتِ الدُّوقَةُ الكُرْسِيَّ الَّذِي كَانَ مُتَّجِهاً نَحْوَ المِدْفَأَةِ فَجْأَةً.
“……!”
كَادَتِ الخَادِمَةُ أَنْ تَصْرُخَ.
قَبَضَتْ يَدَيْهَا المُرْتَجِفَتَيْنِ بِقُوَّةٍ.
الدُّوقُ المُسْتَنِدُ إِلَى الكُرْسِيِّ لَمْ يَكُنْ كَائِناً حَيّاً بِالفِعْلِ.
بَشَرَتُهُ الَّتِي تَحَوَّلَتْ إِلَى اللَّوْنِ الأَسْوَدِ الدَّاكِنِ كَانَتْ جَافَّةً مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ، وَكَانَ جَسَدُهُ مُرْتَخِياً بِلَا قُوَّةٍ.
لَقَدْ كَانَ عِبَارَةً عَنْ جِلْدٍ عَلَى عَظْمٍ.
فَقَطْ جَفْنَاهُ اللَّذَانِ كَانَا يَرْمِشَانِ بَيْنَ الحِينِ وَالآخَرِ كَانَا يُثْبِتَانِ أَنَّ الدُّوقَ لَا يَزَالُ يَتَنَفَّسُ.
“هُوهُوهُوهُو، هَذَا الرَّجُلُ كَانَ يَعْتَرِضُ عَلَى كُلِّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ أَفْعَلُهَا. لِذَلِكَ جَعَلْتُهُ يَهْدَأُ”.
تَوَجَّهَتْ نَظَرَاتُ دُّوقَةِ رُوزبِيلِيير نَحْوَ الخَادِمَةِ.
كَانَتْ تِلْكَ النَّظْرَةُ وَكَأَنَّهَا تَقُولُ: “هَلْ أَجْعَلُكِ هَكَذَا أَيْضاً؟”، فَبَدَأَ جَسَدُ الخَادِمَةِ يَرْتَجِفُ بِشِدَّةٍ.
‘هَلْ سَأَمُوتُ هَكَذَا؟’
لَمْ يَكُنْ يَجِبُ أَنْ آتِيَ إِلَى هُنَا فَقَطْ لِأَنَّهُمْ يَدْفَعُونَ مَالاً كَثِيراً…
فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي أَغْمَضَتْ فِيهَا الخَادِمَةُ عَيْنَيْهَا بِقُوَّةٍ.
كوَانغ!
فَجْأَةً، دَوَى صَوْتُ انْفِجَارٍ مِنْ خَارِجِ القَصْرِ.
وَبَدَأَ القَصْرُ يَهْتَزُّ مَعَ اهْتِزَازٍ قَوِيٍّ.
سَقَطَ الغُبَارُ مِنْ سَقْفِ الغُرْفَةِ.
“لَقَدْ… لَقَدْ حَدَثَ أَمْرٌ جَلَلٌ!”
نَزَلَ شَخْصٌ يَرْتَدِي قِنَاعاً أَسْوَدَ مِنَ الهَوَاءِ وَسَجَدَ عَلَى الأَرْضِ.
“مَاذَا؟”
كوَانغ-!
دَوَى صَوْتُ انْفِجَارٍ مَرَّةً أُخْرَى.
“كُلُّ المُخْتَبَرَاتِ تَتَعَرَّضُ لِلتَّدْمِيرِ الآنَ، بِاسْتِثْنَاءِ المُخْتَبَرِ الثَّالِثِ”.
مِنْ بَيْنِ المُخْتَبَرَاتِ الخَمْسَةِ الَّتِي تُدِيرُهَا عَائِلَةُ رُوزبِيلِيير، كَانَتْ كُلُّهَا أَمَاكِنَ تُجْرَى فِيهَا تَجَارِبُ غَيْرُ قَانُونِيَّةٍ، بِاسْتِثْنَاءِ المُخْتَبَرِ الثَّالِثِ المَعْرُوفِ لِلْعَلَنِ.
كَانَ هَذَا يَتِمُّ بِمُنْتَهَى السِّرِّيَّةِ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَعْرِفُ مَوَاقِعَهَا الدَّقِيقَةَ سِوَى الأَشْخَاصِ المُرْتَبِطِينَ بِالبَحْثِ وَأَفْرَادِ عَائِلَةِ رُوزبِيلِيير المُبَاشِرِينَ.
وَلَكِنْ… مَنِ الَّذِي فَعَلَ هَذَا؟
“هَلْ يُعْقَلُ أَنْ تَكُونَ عَائِلَةُ هِيلْدِيرِيُوز؟”
قَبَضَتِ الدُّوقَةُ رُوزبِيلِيير عَلَى يَدِهَا المُرْتَجِفَةِ.
❁❁❁
كَانَ ذَلِكَ مُبَاشَرَةً بَعْدَ انْتِقَالِ لُويْد إِلَى رُوفْمُوار بَاسْتِخْدَامِ لَفَافَةٍ سِحْرِيَّةٍ.
كُنْتُ أَنَا وَدَابِيين نُكافِحُ وَسَطَ جِبَالٍ مِنَ الأَوْرَاقِ، نُرَتِّبُ أَعْمَالَ القَصْرِ وَاحِداً تِلْوَ الآخَرِ.
بَقِينَا هَكَذَا لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ مُنْغَمِسِينَ فِي العَمَلِ دُونَ كَلَامٍ.
وَفَجْأَةً، وَسَطَ انْشِغَالِهَا الشَّدِيدِ بِالأَوْرَاقِ، وَضَعَتْ دَابِيين القَلَمَ عَلَى المَكْتَبِ بِصَوْتِ
“كوَانغ!”
“أُوهُوهُو، لَقَدْ انْتَهَيْتُ!”
خَلْفَ دَابِيين الَّتِي تَرَكَتِ ابْتِسَامَةً مُرْتَاحَةً، كَانَتْ لَا تَزَالُ هُنَاكَ جِبَالٌ مِنَ الأَوْرَاقِ المُتَرَاكِمَةِ.
سَأَلْتُهَا وَأَنَا أَظُنُّ أَنَّنِي سَمِعْتُ خَطَأً:
“دَابِيين، أَلَا تَرَيْنَ مَا خَلْفَكِ؟ هُنَاكَ جَبَلٌ مِنَ الأَعْمَالِ الَّتِي يَجِبُ القِيَامُ بِهَا”.
وَلَكِنَّ دَابِيين هَزَّتْ رَأْسَهَا عَلَى كَلَامِي.
“لَقَدِ انْتَهَيْتُ مِنْ كُلِّ مَا يَخُصُّنِي. لِنَذْهَبْ، سَأُرِيكِ شَيْئاً مُمْتِعاً”.
مَدَّتْ دَابِيين يَدَهَا نَحْوِي وَهِيَ تَبْتَسِمُ بِمَرَحٍ.
التعليقات لهذا الفصل " 95"