الفصل 93
بَعْدَ أَنْ رَكَضَ لُويْد فِي الغَابَةِ لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ، كَانَتْ وُجْهَتُهُ الأَخِيرَةُ هِيَ الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ.
لَقَدْ جَاءَ دَوْرُ إِعَادَةِ خَتْمِ الحَاجِزِ المُنْكَسِرِ.
‘… هَلْ لَا يَزَالُ يُوتِيَاس بَعِيداً؟’
لَقَدْ أَرْسَلَ حَمَاماً زَاجِلاً بِشَأْنِ خَتْمِ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ مَعَ طَلَبِ قُوَّاتٍ إِضَافِيَّةٍ، لَكِنْ لَمْ يَصِلْ أَيُّ رَدٍّ بَعْدُ.
“دَائِماً مَا يَتَأَخَّرُ فِي اللَّحَظَاتِ الحَاسِمَةِ”.
تَمْتَمَ لُويْد بِاخْتِصَارٍ ثُمَّ نَظَرَ خَلْفَهُ بِلَمْحَةٍ سَرِيعَةٍ.
“لَا بُدَّ أَنَّ الفُرْسَانَ قَدْ عَادُوا جَمِيعاً…”
فَقَدْ يَكُونُ الأَمْرُ خَطِيراً عِنْدَ إِعَادَةِ الخَتْمِ.
نَظَرَ لُويْد إِلَى الخَلْفِ لِفَتْرَةٍ وَكَأَنَّهُ يَنْتَظِرُ شَخْصاً مَا، ثُمَّ أَدَارَ رَأْسَ فَرَسِهِ نَحْوَ الأَمَامِ.
مِنْ بَعِيدٍ، ظَهَرَتْ صَخْرَةٌ بَيْضَاءُ كَبِيرَةٌ تَشِعُّ ضَوْءاً مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهَا بَعْدَ أَنِ اسْتَقْبَلَتْ ضَوْءَ القَمَرِ.
فَجْأَةً، تَبَادَرَتْ إِلَى ذِهْنِهِ ذِكْرَى تَعْمِيدِهِ مَعَ دَابِيين أَمَامَ تِلْكَ الصَّخْرَةِ.
عِنْدَمَا رَشَّ الكَاهِنُ المَاءَ المُقَدَّسَ وَأَنْزَلَ البَرَكَةَ عَلَى التَّوْأَمِ الصَّغِيرِ، أَصْدَرَتِ الصَّخْرَةُ صَوْتَ رَنِينٍ، ثُمَّ ظَهَرَ شِعَارُ طَائِفَةِ تِيرِينَا وَهُوَ يَلْمَعُ.
لَقَدْ كَانَ حَدَثاً غَرِيباً لَمْ يَسْبِقْ لَهُ مَثِيلٌ.
“لَقَدْ وَصَلْتُ”.
تَمْتَمَ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى الصَّخْرَةِ البَيْضَاءَ الَّتِي تَقِفُ وَحِيدَةً وَسَطَ سَاحَةٍ وَاسِعَةٍ مَكْسُوَّةٍ بِالعُشْبِ الأَخْضَرِ الهَادِئِ.
‘لِنُنْهِ هَذَا بِسُرْعَةٍ’.
كُلَّمَا اقْتَرَبَ مِنَ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ، كَانَ يَشْعُرُ بِشُعُورٍ غَرِيبٍ.
كَانَ يَسْمَعُ صَوْتَ دَقَّاتِ قَلْبِهِ بِقُوَّةٍ، وَيَشْعُرُ بِأَلَمٍ طَفِيفٍ وَكَأَنَّ عَضَلَاتِ صَدْرِهِ تَنْبِضُ بِوَجَعٍ.
‘هَلْ أَجْهَدْتُ نَفْسِي قَلِيلاً؟’
هَلْ هَذَا بِسَبَبِ تَعَامُلِهِ مَعَ وُحُوشٍ بِمُسْتَوَى الزَّعِيمِ طَوَالَ اليَوْمِ دُونَ رَاحَةٍ؟
لَقَدْ أَجْهَدَ جَسَدَهُ فَجْأَةً.
تَجَاهَلَ الأَمْرَ وَاقْتَرَبَ مِنَ الصَّخْرَةِ.
هَبَّتْ رِيَاحٌ بَارِدَةٌ وَضَرَبَتِ الأَشْجَارَ بِقُوَّةٍ، فَتَسَاقَطَتِ الأَوْرَاقُ بِغَزَارَةٍ. مَرَّتْ رِيَاحٌ مُقْبِضَةٌ عَبْرَ لُويْد.
نَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ وَبَدَأَ يَتَفَحَّصُ الصَّخْرَةَ بِدِقَّةٍ.
كَانَ جَانِبٌ مِنَ الصَّخْرَةِ البَيْضَاءَ مَغْرُوراً لِلدَّاخِلِ وَكَأَنَّهُ ضُرِبَ بِقُوَّةٍ هَائِلَةٍ، وَبِسَبَبِ ذَلِكَ كَانَ هُنَاكَ صَدْعٌ كَبِيرٌ فِي نِصْفِهَا.
وَعِنْدَ النَّظَرِ عَنْ كَثَبٍ، كَانَتْ طَاقَةُ عَالَمِ الشَّيَاطِينِ السَّوْدَاءُ تَتَلَوَّى بَيْنَ شُقُوقِ الصَّدْعِ.
‘يُوتِيَاس… أَلَمْ يَصِلْ بَعْدُ؟’
بَيْنَمَا كَانَ يَنْظُرُ إِلَى الفَرَاغِ بِشُرُودٍ، الْتَفَتَ فَجْأَةً عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتِ حَوَافِرِ خَيْلٍ.
عَلَى طُولِ الطَّرِيقِ الَّذِي سَلَكَهُ، كَانَ هُنَاكَ خَيَالُ شَخْصٍ يَقْتَرِبُ مِمْتَطِياً فَرَساً.
عِنْدَمَا اقْتَرَبَ، تَبَيَّنَ أَنَّهَا امْرَأَةٌ تَرْتَدِي زِيَّ المُعَالِجِينَ الإمْبَرَاطُورِيِّينَ.
نَزَلَتْ عَنْ فَرَسِهَا وَأَحْنَتْ رَأْسَهَا لَهُ بِأَدَبٍ.
لَقَدْ كَانَتِ المُعَالِجَةَ الَّتِي ظَلَّتْ تَتْبَعُ فِرْقَةَ الفُرْسَانِ طَوَالَ اليَوْمِ.
كَانَ وَجْهُهَا المَلِيءُ بِالنَّمَشِ يَبْتَسِمُ بِاسْتِمْرَارٍ وَكَأَنَّهَا مُسْتَمْتِعَةٌ بِشَيْءٍ مَا.
مُنْذُ لَحْظَةِ رُؤْيَتِهَا الأُولَى، كَانَتْ تَلْفِتُ النَّظَرَ بِشَكْلٍ مَا.
نَظَرَ إِلَيْهَا لُويْد بِإِمْعَانٍ ثُمَّ قَالَ:
“أَلَمْ تَتَلَقَّيْ أَمْراً بِالعَوْدَةِ قَبْلَ قَلِيلٍ؟”
عَلَى كَلَامِ لُويْد الَّذِي كَانَ يَنْضَحُ بَرْداً، رَدَّتِ المُعَالِجَةُ بِأَدَبٍ:
“لَقَدْ جِئْتُ لِأَنَّ لَدَيَّ عَمَلاً بَسِيطاً هُنَا”.
عِنْدَمَا حَدَّقَتِ المُعَالِجَةُ فِي لُويْد بِوَجْهٍ مُشْرِقٍ وَمُبْتَسِمٍ، تَقَلَّصَ مَا بَيْنَ حَاجِبَيْهِ.
“هَذَا لَيْسَ مَكَانَكِ. عُودِي أَدْرَاجَكِ”.
كَلِمَاتُ لُويْد المَنْطُوقَةُ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ كَانَتْ مَصْبُوغَةً بِرُوحٍ قَتَالِيَّةٍ كَثِيفَةٍ.
“هُوفُوفُ، فَقَطْ لِأَنَّ لَدَيَّ عَمَلاً يَجِبُ أَنْ أُؤَدِّيَهُ”.
قَبْلَ أَنْ يَتَمَكَّنَ لُويْد مِنْ رَدِّ أَيِّ شَيْءٍ، غَرَزَتِ العَصَا الطَّوِيلَةَ الَّتِي كَانَتْ تَحْمِلُهَا فِي الأَرْضِ.
فِي لَحْظَةٍ، انْدَفَعَ وَمِيضٌ قَوِيٌّ مِنَ العَصَا وَاجْتَاحَ الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ بِأَكْمَلِهَا مَعَ مَوْجَةٍ هَادِئَةٍ.
اشْتَدَّتِ الرِّيَاحُ وَبَدَأَتِ الأَرْضُ تَهْتَزُّ.
-تَشَأّأأك!
دَوَى صَوْتُ تَحَطُّمٍ كَبِيرٍ.
وَبِسَبَبِ الصَّدْمَةِ القَوِيَّةِ، انْقَسَمَتِ الصَّخْرَةُ الَّتِي كَانَتْ بِحَجْمِ مَنْزِلٍ إِلَى نِصْفَيْنِ، ثُمَّ تَحَطَّمَتْ إِلَى شَظَايَا وَتَلَاشَتْ.
فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، تَدَفَّقَتْ طَاقَةُ عَالَمِ الشَّيَاطِينِ الَّتِي كَانَتْ دَاخِلَ الصَّخْرَةِ وَانْسَكَبَتْ فَوْقَ العُشْبِ.
وَبَدَأَتِ الطَّاقَةُ الشَّيْطَانِيَّةُ تَلْتَهِمُ بِسُرْعَةٍ الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَانَتْ تَفِيضُ بِالقُوَّةِ المُقَدَّسَةِ.
“… بِهَذِهِ البَسَاطَةِ!”
لَقَدِ انْحَلَّ خَتْمُ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ بِسُهُولَةٍ بَالِغَةٍ فَقَطْ بِغَرْزِ العَصَا.
لَقَدْ كَانَ خَتْماً كَافَحَتْ إِيفِيلِيَانَا حَتَّى قَبْلَ العَوْدَةِ بِالزَّمَنِ لِأَيَّامٍ وَلَيَالٍ، وَقَدَّمَتْ آلَافَ القَرَابِينِ البَشَرِيَّةِ لِتَفُكَّهُ فِي النِّهَايَةِ.
مَسَحَتِ المُعَالِجَةُ العَرَقَ عَنْ جَبِينِهَا وَكَأَنَّهَا أَنْهَتْ عَمَلَهَا، ثُمَّ ابْتَسَمَتْ لِـلُويْد بِعَيْنَيْهَا.
مَعَ تِلْكَ الِابْتِسَامَةِ، بَدَأَ شَعْرُهَا الرَّمَادِيُّ يَتَحَوَّلُ تَدْرِيجِيّاً إِلَى اللَّوْنِ الأَبْيَضِ.
وَعَيْنَاهَا الزَّرْقَاوَانِ اللَّتَانِ كَانَتَا شَائِعَتَيْنِ، تَحَوَّلَتَا أَيْضاً إِلَى لَوْنٍ أَحْمَرَ مِثْلِ اليَاقُوتِ.
“كَيْفَ حَالُ كَاي يَا لُويْد؟”
كَانَ كَلَامُهَا يَنْضَحُ بِشَوْقٍ عَمِيقٍ.
اتَّخَذَ لُويْد وَضْعِيَّةَ الِاسْتِعْدَادِ وَحَدَّقَ فِيهَا بِغَضَبٍ وَهُوَ يُحْكِمُ قَبْضَتَهُ عَلَى سَيْفِهِ.
“مَا هِيَ هُوِيَّتُكِ الحَقِيقِيَّةُ؟”
عَلَى سُؤَالِ لُويْد، ابْتَسَمَتِ المُعَالِجَةُ ابْتِسَامَةً مَرِيرَةً.
“بُورِي.. آه، لَا لَيْسَ كَذَلِكَ. اسْمِي هُوَ غَابْرِييل. هَلْ أَقُولُ إِنَّنِي صَدِيقَةُ كَاي القَدِيمَةُ؟”
نَظَرَتْ إِلَى لُويْد بِيَقِينٍ، ثُمَّ لَمَحَتْ جَانِباً وَتَابَعَتِ الكَلَامَ:
“لَا يَبْدُو أَنَّ هَذَا هُوَ الوَقْتُ المُنَاسِبُ لِتَعْرِيفِ نَفْسِي. هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ حَيَاتَكَ فِي خَطَرٍ؟”
بِمُجَرَّدِ انْتِهَاءِ كَلَامِهَا، بَدَأَتِ الطَّاقَةُ الشَّيْطَانِيَّةُ تَتَسَرَّبُ فَوْقَ العُشْبِ الأَخْضَرِ.
وَسُرْعَانَ مَا بَدَأَ العُشْبُ الَّذِي ذَابَ وَتَحَوَّلَ لِلَّوْنِ الأَسْوَدِ يَنْفُثُ سُمُوماً.
الأَشْجَارُ الَّتِي كَانَتْ خَضْرَاءَ يَانِعَةً بَدَأَتْ تَنْغَمِسُ تَدْرِيجِيّاً فِي طَاقَةٍ شَيْطَانِيَّةٍ بَنَفْسَجِيَّةٍ سَوْدَاءَ وَتَذْبُلُ.
لَقَدْ بَدَأَتِ الطَّاقَةُ الشَّيْطَانِيَّةُ تَلْتَهِمُ الحَاجِزَ.
إِذَا اسْتَمَرَّ الأَمْرُ هَكَذَا، فَسَتَتَدَفَّقُ الوُحُوشُ إِلَى الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ الَّتِي هَدَأَتْ بِصُعُوبَةٍ. وَحِينَهَا، سَتُصْبِحُ رُوفْمُوار جَحِيماً كَمَا رَآهَا لُويْد قَبْلَ العَوْدَةِ بِالزَّمَنِ.
أَخْرَجَ لُويْد بِسُرْعَةٍ خَنْجَراً أَسْوَدَ مِنْ مَسَاحَتِهِ الفَرْغِيَّةِ وَرَمَاهُ بِسُرْعَةٍ نَحْوَ الخَلَاءِ.
اخْتَرَقَ الخَنْجَرُ الهَوَاءَ بِسُرْعَةٍ هَائِلَةٍ وَانْغَرَزَ بِقُوَّةٍ فِي شَجَرَةٍ كَانَتْ تَتَآكَلُ بِفِعْلِ الطَّاقَةِ الشَّيْطَانِيَّةِ مَعَ صُدُورِ شَرَارَاتٍ سَوْدَاءَ.
حِينَهَا انْتَشَرَتِ الشَّرَارَاتُ السَّوْدَاءُ وَتَشَكَّلَ حَاجِزٌ كَبِيرٌ عَلَى شَكْلِ دَائِرَةٍ دَاخِلَ السَّاحَةِ.
تَوَقَّفَتِ الطَّاقَةُ الشَّيْطَانِيَّةُ الَّتِي كَانَتْ تَتَلَوَّى وَتَتَوَسَّعُ عَنِ الحَرَكَةِ.
رَاقَبَتِ المُعَالِجَةُ ذَلِكَ بِصَمْتٍ، ثُمَّ بَدَأَ شَعْرُهَا يَتَمَايَلُ وَيَتَطَايَرُ.
“يَا إِلَهِي، كَانَ مِنَ الأَفْضَلِ لَكَ أَنْ تَهْرُبَ. لَقَدْ نَشَرْتَ حَاجِزاً مُؤَقَّتاً فِي وَقْتٍ قَصِيرٍ، أَنْتَ مُذْهِلٌ حَقّاً أَيُّهَا الصَّفِيُّ الشَّابُّ”.
نَظَرَتْ إِلَى لُويْد بِوَجْهٍ حَالِمٍ، لَكِنَّ عَيْنَيْهَا كَانَتَا تَحْمِلَانِ رُوحاً قَتَالِيَّةً هَادِئَةً.
“عَلَى أَيِّ حَالٍ، أَنْتَ شَخْصٌ مُعِيقٌ جِدّاً لِلْخِطَّةِ الَّتِي سَأُنَفِّذُهَا مُسْتَقْبَلاً”.
تَوَلَّدَ ضَوْءٌ سَاطِعٌ مِنَ العَصَا الَّتِي كَانَتْ تَحْمِلُهَا المُعَالِجَةُ.
“سَأُرْسِلُكَ إِلَى المَكَانِ الَّذِي يَجِبُ أَنْ تَعُودَ إِلَيْهِ. وَلَا تَقْلَقْ، سَأُرْسِلُ كَاي أَيْضاً مَعَ أُخْتِكَ حَتَّى لَا تَشْعُرَ بِالوَحْدَةِ”.
مَعَ ضَوْءٍ يَكَادُ يُعْمِي الأَبْصَارَ، انْصَبَّتْ قُوَّةٌ مُقَدَّسَةٌ هَائِلَةٌ عَلَى لُويْد.
أَمْسَكَ لُويْد سَيْفَهُ بِيَدَيْهِ لِيَصُدَّ القُوَّةَ المُقَدَّسَةَ المُتَدَفِّقَةَ، لَكِنَّ تِلْكَ القُوَّةَ كَانَتْ مِنْ شِدَّتِهَا تَجْعَلُهُ يَتَرَاجَعُ إِلَى الخَلْفِ شَيْئاً فَشَيْئاً.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ.
بَعْدَ وَمِيضٍ، ظَهَرَتِ المُعَالِجَةُ خَلْفَ ظَهْرِ لُويْد وَرَفَعَتْ عَصَاهَا مُسْتَهْدِفَةً قَلْبَهُ مُبَاشَرَةً.
شَعَرَ لُويْد بِحَرَكَتِهَا وَالْتَفَتَ بِسُرْعَةٍ، لَكِنَّ فِعْلَهَا كَانَ أَسْرَعَ.
انْغَرَزَتِ العَصَا الطَّوِيلَةُ فِي جَسَدِهِ تَمَاماً.
“كُوح!”
-دُودُوك-
بَصَقَ لُويْد دَماً أَسْوَدَ مُحْمَرّاً بِغَزَارَةٍ.
رَأَتْ بُورِي ذَلِكَ وَضَحِكَتْ بِسُخْرِيَةٍ ثُمَّ سَحَبَتِ العَصَا الَّتِي اخْتَرَقَتْ جَسَدَهُ.
حِينَهَا سَقَطَ جَسَدُ لُويْد عَلَى الأَرْضِ دُونَ قُوَّةٍ.
“أَتُرِيدُ مُوَاجَهَتِي بِهَذِهِ المَهَارَةِ الضَّعِيفَةِ؟ أَنَا أَخْتَلِفُ عَنْ زَادْكِيِيْل يَا سَّيِّدُ لُويْد”.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ تَمَاماً، ظَهَرَ خَلْفَ بُورِي سَيْفٌ ضَخْمٌ يَسْتَهْدِفُ عُنُقَهَا مَعَ صَوْتِ سَحْبٍ سَرِيعٍ لِلسَّيْفِ، وَفِي لَمْحِ البَصَرِ انْفَصَلَ رَأْسُهَا عَنْ جَسَدِهَا.
سَقَطَ جَسَدُ بُورِي عَلَى الأَرْضِ بَعْدَ أَنْ فَقَدَ قُوَّتَهُ.
فِي الفَرَاغِ الَّذِي سَقَطَتْ فِيهِ، ظَهَرَ لُويْد وَهُوَ يَفْرِكُ لِسَانَهُ بِاسْتِيَاءٍ:
“لَا أَظُنُّ أَنَّ الأَمْرَ سَيَنْتَهِي هَكَذَا. انْهَضِي”.
-هُوهُوهُوهُ….
دَوَى صَوْتُ ضِحْكَتِهَا فِي أَرْجَاءِ السَّاحَةِ.
تَحَوَّلَ جَسَدُهَا المَقْطُوعُ إِلَى دُخَانٍ وَاخْتَفَى، ثُمَّ تَوَلَّدَ ضَوْءٌ قَوِيٌّ فِي أَحَدِ الزَّوَايَا.
وَمِنْ هُنَاكَ خَرَجَتْ بُورِي تَمْشِي بِثَبَاتٍ.
نَظَرَ لُويْد إِلَى عَيْنَيْهَا وَسَأَلَ:
“لِمَاذَا تَفْعَلِينَ هَذَا؟ إِذَا كُنْتِ تَمْلِكِينَ قُوَّةَ الإِلَهِ، فَلَا بُدَّ أَنَّكِ تَعْرِفِينَ مَاذَا تَعْنِي هَذِهِ الأَخْتَامُ..؟”
“هَوْه، أَنْتَ تَعْرِفُ الكَثِيرَ بِالنِّسْبَةِ لِبَشَرِيٍّ”.
ابْتَسَمَتْ بُورِي ثُمَّ أَحْكَمَتْ قَبْضَتَهَا عَلَى العَصَا وَتَابَعَتْ:
“حَسَناً، لَقَدْ كَانَ لَدَيَّ إِعْجَابٌ شَخْصِيٌّ بِكَ يَا السَّيِّدُ لُويْد، وَبِمَا أَنَّكَ سَتَرْحَلُ إِلَى العَالَمِ الآخَرِ قَرِيباً، فَهَلْ أُخْبِرُكَ بِالقَلِيلِ؟”
تَمْتَمَتْ بُورِي ثُمَّ اخْتَفَتْ مَرَّةً أُخْرَى وَظَهَرَتْ أَمَامَ لُويْد فِي لَحْظَةٍ.
-بَانْغ!
مَعَ الصَّوْتِ، انْتَشَرَ ضَوْءٌ سَاطِعٌ.
عِنْدَمَا صَدَّ لُويْد الضَّوْءَ بِسَيْفِهِ، ظَهَرَ حَاجِزٌ أَحْمَرُ.
رَأَتْ بُورِي ذَلِكَ ثُمَّ ابْتَسَمَتْ وَقَالَتْ:
“هَذَا العَالَمُ لَنْ يُوَلِّدَ المَزِيدَ مِنَ القُوَّةِ المُقَدَّسَةِ”.
القُوَّةُ المُقَدَّسَةُ، الَّتِي هِيَ إِحْدَى القُوَى المُكَوِّنَةِ لِهَذَا العَالَمِ، كَانَتْ مَادَّةً ضَرُورِيَّةً تُخْلَقُ وِفْقاً لِدَوْرَةِ العَالَمِ مِثْلَ الهَوَاءِ وَالمَاءِ. وَمَا دَامَ الإِلَهُ مَوْجُوداً، فَإِنَّ القُوَّةَ المُقَدَّسَةَ لَا بُدَّ أَنْ تَنْشَأَ.”
قَطَّبَ لُويْد حَاجِبَيْهِ لِهَذَا الكَلَامِ الَّذِي لَا يُعْقَلُ.
“مَاذَا تَعْنِينَ؟ هَلْ تَقْصِدِينَ أَنَّ الإِلَهَ قَدِ اخْتَفَى؟”
عَلَى تَعْبِيرِ وَجْهِهِ الَّذِي يَقُولُ ‘لَا تَتَحَدَّثِي بِالهُرَاءِ’، أَوْمَأَتْ بُورِي وَكَأَنَّهُ ذَكِيٌّ:
“أَنْتَ سَرِيعُ البَدِيهَةِ. هَذَا صَحِيحٌ. فَالإِلَهُ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُوَلِّدَ القُوَّةَ المُقَدَّسَةَ فِي عَالَمِ السَّمَاءِ قَدْ فَقَدَ قُوَّتَهُ. بِمَا أَنَّهَا لَا تُخْلَقُ وَتُسْتَهْلَكُ فَقَطْ… هُوهُو، قَرِيباً سَتَنْفَدُ كُلُّ القُوَّةِ المُقَدَّسَةِ المُتَبَقِّيَةِ فِي هَذَا العَالَمِ”.
“مَاذَا قُلْتِ…؟”
أَمَامَ رَدِّ فِعْلِ لُويْد المُرْتَبِكِ، أَظْلَمَتْ تَعَابِيرُ “
بُورِي.
“القُوَّةُ المُقَدَّسَةُ هِيَ حَيَاةُ هَذَا العَالَمِ بِنَفْسِهِ. إِذَا نَفَدَتْ كُلُّهَا، فَهَذَا يَعْنِي نِهَايَةَ عُمْرِ هَذَا العَالَمِ. وَمَعَ ذَلِكَ، الجَمِيعُ يَسْتَهْلِكُونَ القُوَّةَ المُقَدَّسَةَ بِبَذَخٍ فِي أُمُورٍ لَا نَفْعَ مِنْهَا. كَيْفَ يَتَجَرَّأُونَ عَلَى اسْتِخْدَامِ هَذِهِ القُوَّةِ المُقَدَّسَةِ وَكَأَنَّهَا مِلْكٌ لَهُمْ. لِذَلِكَ، أَنَا أَنْوِي إِعَادَةَ عَالَمِ البَشَرِ إِلَى العَدَمِ قَبْلَ أَنْ يَنْهَارَ العَالَمُ. لِأَنَّ عَلَيَّ الحِفَاظَ حَتَّى عَلَى القُوَّةِ المُقَدَّسَةِ المُتَبَقِّيَةِ”.
“لَقَدْ جُنِنْتِ. هَلْ أَنْتِ فِي وَعْيِكِ؟ هَلْ تُرِيدِينَ فَكَّ الأَخْتَامِ لِهَذَا السَّبَبِ وَتَرْكَ الطَّاقَةِ الشَّيْطَانِيَّةِ تَلْتَهِمُ هَذِهِ الأَرْضَ؟ أَلَيْسَ هَذَا هُوَ دَمَارُ العَالَمِ بِعَيْنِهِ؟”
عِنْدَمَا صَرَخَ لُويْد، ابْتَسَمَتْ بُورِي وَكَأَنَّ الأَمْرَ لَيْسَ بِذِي أَهَمِّيَّةٍ:
“عَالَمُ البَشَرِ سَيُوَاجِهُ النِّهَايَةَ… لَكِنَّ عَالَمَ السَّمَاءِ سَيَكُونُ آمِناً. سَيَعُودُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَى صُورَتِهِ البِدَائِيَّةِ”.
“مَاذَا حَقّاً..! مَاذَا تَظُنِّينَ البَشَرَ؟”
قَطَّبَ لُويْد حَاجِبَيْهِ وَلَوَّحَ بِسَيْفِهِ نَحْوَ بُورِي.
لَكِنَّ بُورِي تَفَادَتْ كُلَّ هَجَمَاتِهِ بِسُرْعَةٍ.
“بِمَا أَنَّنِي أَخْبَرْتُكَ بِقِصَصٍ جَيِّدَةٍ كَثِيرَةٍ حَتَّى لَا تَشْعُرَ بِالمَلَلِ فِي طَرِيقِكَ لِلآخِرَةِ، فَلْنَتَوَقَّفْ عَنِ الدَّرْدَشَةِ هُنَا”.
عِنْدَمَا لَوَّحَتْ بُورِي بِعَصَاهَا، تَوَلَّدَ ضَوْءٌ قَوِيٌّ وَبَدَأَ جَسَدُ لُويْد يَتَحَلَّلُ.
بَيْنَمَا كَانَتْ تَنْظُرُ إِلَى جَسَدِ لُويْد المُهْتَرِئِ، ظَهَرَ لُويْد خَلْفَ ظَهْرِهَا تَمَاماً.
“لَسْتُ أَحْمَقَ، لَنْ أُهْزَمَ مَرَّتَيْنِ”.
عِنْدَمَا اخْتَرَقَتْ عَصَاهَا قَلْبَ لُويْد، سَعَلَ لُويْد ثُمَّ اخْتَفَى مَرَّةً أُخْرَى بِلُطْفٍ.
“إِنَّ صُنْعَ هَذَا العَدَدِ الكَبِيرِ مِنَ النُّسَخِ سَيُشَكِّلُ ضَغْطاً كَبِيراً عَلَيْكَ. أَظْهِرْ هُوِيَّتَكَ الحَقِيقِيَّةَ يَا السَّيِّدُ لُويْد”.
لَكِنَّ لُويْد لَمْ يُظْهِرْ نَفْسَهُ، بَلْ ظَلَّ يُحَاوِلُ الهُجُومَ مُسْتَغِلاً ثَغَرَاتِ بُورِي وَهُوَ يُخْفِي جَسَدَهُ.
“سَأُرْسِلُكَ بِشَكْلٍ نَظِيفٍ يَا سَّيِّدُ لُويْد”.
بَدَأَ ضَوْءٌ سَاطِعٌ يَلْمَعُ فِي عَيْنَيْ بُورِي.
التعليقات لهذا الفصل " 93"