الفصل 91
بَعْدَ انْتِهَاءِ المَأْدُبَةِ الَّتِي كَانَتْ صَادِمَةً مِنْ جَوَانِبَ عِدَّةٍ، تَلَقَّى لِيُو فِي اليَوْمِ التَّالِي تَاجَ وَلِيِّ العَهْدِ مِنَ الإمْبَرَاطُورَةِ وَسَطَ نَظَرَاتِ الكَثِيرِينَ.
وَعَلَى أَنْغَامِ الفِرْقَةِ المُوسِيقِيَّةِ الإمْبَرَاطُورِيَّةِ، نَظَرَ لِيُو الَّذِي يَرْتَدِي التَّاجَ إِلَى أَرْجَاءِ القَاعَةِ بِوَجْهٍ مَمْلُوءٍ بِالفَخْرِ، ثُمَّ لَوَّحَ بِيَدِهِ بِبُطْءٍ.
وَمَعَ تِلْكَ الحَرَكَةِ، انْفَجَرَتْ صَيْحَاتُ ابْتِهَاجٍ عَالِيَةٌ.
قَبْلَ فَتْرَةٍ وَجِيزَةٍ فَقَطْ، كَانَ مَنْبُوذاً يُوصَمُ بِالأَمِيرِ نَاقِصِ الأَهْلِيَّةِ أَوْ الهَزِيلِ، لَكِنَّهُ الآنَ، بِجَسَدِهِ القَوِيِّ وَلَبَاقَتِهِ فِي الحَدِيثِ وَمَنْصِبِ وَلِيِّ العَهْدِ، وُلِدَ مِنْ جَدِيدٍ كَأَفْضَلِ عَرِيسٍ فِي الإمْبَرَاطُورِيَّةِ دُونَ مُنَازِعٍ.
اقْتَرَبَتْ مِنْهُ الكَثِيرُ مِنَ الآنِسَاتِ النَّبِيلَاتِ بِوُجُوهٍ هَائِمَةٍ لِتَقْدِيمِ التَّهَانِي.
وَكَانَتْ مِنْ بَيْنِهِنَّ زَوْجَةُ الدُّوقِ رُوزْبِيلِير أَيْضاً.
وَسَطَ الفَتَيَاتِ الشَّابَّاتِ، صَمَدَتْ بِقُوَّةٍ لِتَحْجِزَ لِنَفْسِهَا مَكَاناً بِجَانِبِ وَلِيِّ العَهْدِ.
هَلْ أَصْبَحَتْ مِنْ أَقْرَبِ المُقَرَّبِينَ إِلَيْهِ مَثَلاً؟
اكْتَفَتْ دَابِيين بِمُرَاقَبَتِهِمْ بِصَمْتٍ.
❁❁❁
بَعْدَ انْتِهَاءِ مَرَاسِمِ التَّنْصِيبِ، عُدْنَا إِلَى المَنْزِلِ مَرَّةً أُخْرَى.
مَرَّتْ عِدَّةُ أَيَّامٍ، وَلَكِنَّ الدُّوقَ وَزَوْجَتَهُ لَمْ يُظْهِرَا أَيَّ بَادِرَةٍ لِلِاسْتِيْقَاظِ بَعْدُ.
وَفِي هَذِهِ الأَثْنَاءِ، بَدَأَ التَّوْأَمُ، لِسَبَبٍ مَا، بِإِجْرَاءِ تَنْقِيلَاتٍ وَاسِعَةٍ فِي المَنَاصِبِ.
قَامَا بِإِعَادَةِ هَيْكَلَةِ فِرْقَةِ الفُرْسَانِ المَوْجُودَةِ، وَغَيَّرَا مَهَامَّ الخَدَمِ.
لَعَلَّ هَذَا هُوَ السَّبَبُ؟
بَدَأَتْ جِبَالٌ هَائِلَةٌ مِنَ الوَثَائِقِ تَرْتَفِعُ بِاسْتِمْرَارٍ.
وَكَانَ مَنْ يُعَانِي الأَمَرَّيْنِ هُمَا الشَّخْصَانِ اللَّذَانِ بَدَأَا هَذَا الأَمْرَ.
كَالعَادَةِ، صَارَ تَرْتِيبُ أَوْرَاقِ عَائِلَةِ الدُّوقِ هُوَ عَمَلِي اليَوْمِيَّ بَدَلاً مِنْ حَيَاتِي كَمُعَالِجَةٍ، لَكِنَّ شَيْئاً وَاحِداً قَدْ تَغَيَّرَ.
اهْتِمَامُ التَّوْأَمِ وَحُبُّهُمَا لِي تَجَاوَزَ الحُدُودَ حَتَّى صَارَ أَقْرَبَ إِلَى الهَوَسِ.
كُلَّمَا سَنَحَتِ الفُرْصَةُ، كَانَتْ دَابِيين تَعَانِقُنِي وَتُحَدِّثُ نَفْسَهَا مُوَجِّهَةً كَلَامَهَا لِلفَرَاغِ:
“أُهُوهُو، لَنْ أُعْطِيَكِ لِأَحَدٍ أَبَداً. حَاوِلُوا أَخْذَهَا إِنْ اسْتَطَعْتُمْ.”
لَيْسَ هَذَا فَحْسَبُ، بَلْ كُلَّمَا خَرَجْتُ لِلتَّنَزُّهِ مَعَ
رُوبَا، كُنْتُ أَشْعُرُ دَائِماً بِنَظَرَاتٍ تُرَاقِبُنِي مِنْ مَكَانٍ مَا.
لَقَدْ كَانَتْ نَظَرَاتٍ مَأْلُوفَةً.
عِنْدَمَا أَلْتَفِتُ نَحْوَ مَصْدَرِ النَّظَرَاتِ، أَرَى ضَخَامَةً بَارِزَةً تُرَاقِبُنِي مِنْ خَلْفِ الشُّجَيْرَاتِ أَوِ الأَشْجَارِ.
إِذَا كَانَ سَيَخْتَبِئُ بِشَكْلٍ مَفْضُوحٍ هَكَذَا، أَلَيْسَ مِنَ الأَفْضَلِ أَنْ يَتَنَزَّهَ مَعِي؟
هَزَزْتُ رَأْسِي لِهَذِهِ المُلَاحَقَةِ الَّتِي لَا مَعْنَى لَهَا وَرَكَّزْتُ عَلَى التَّنَزُّهِ.
آه، كَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ آخَرُ قَدْ تَغَيَّرَ.
دَعَوَاتُ الحُضُورِ الَّتِي كَانَتْ تَأْتِي دَائِماً لِـدَابِيين وَلُويْد بَدَأَتْ الآنَ تَأْتِي إِلَيَّ.
وَبِأَعْدَادٍ هَائِلَةٍ.
“هَلْ كُلُّ هَذَا لِي؟”
كَانَ الصُّنْدُوقُ الكَبِيرُ الَّذِي قَدَّمَهُ رَئِيسُ الخَدَمِ مَمْلُوءاً بِأَظْرُفٍ جَمِيلَةٍ.
‘سَأَقْضِي اللَّيْلَ بِأَكْمَلِهِ لَوْ حَاوَلْتُ قِرَاءَتَهَا جَمِيعاً.’
عِنْدَمَا رَأَتْ دَابِيين أَكْوَامَ الرَّسَائِلِ، قَطَّبَتْ حَاجِبَيْهَا وَقَالَتْ بِنَبْرَةٍ حَادَّةٍ:
“أَحْرِقِيهَا كُلَّهَا.”
“هَلْ يُمْكِنُني ذَلِكَ؟”
“بِالطَّبْعِ، هَكَذَا!”
بِمُجَرَّدِ أَنْ فَرْقَعَتْ أَصَابِعَهَا، بَدَأَتِ الدَّعَوَاتُ تَتَمَايَلُ وَتَحْتَرِقُ.
“تَجَاهَلِيهَا فَقَطْ. إِلَّا إِذَا كَانَ لَوْنُ الظَّرْفِ ذَهَبِيّاً، فَقَدْ يَخْتَلِفُ الأَمْرُ قَلِيلاً. وَمَا دُونَ ذَلِكَ، فَلَا دَاعِيَ لِإِضَاعَةِ الوَقْتِ.”
يَا لَلأَسَفِ عَلَى تِلْكَ الأَشْجَارِ الَّتِي تَحْتَرِقُ هَكَذَا.
لَكِنَّنِي لَمَحْتُ دَعْوَةً وَاحِدَةً وَسَطَ النِّيرَانِ المُتَمَايِلَةِ.
“أوه! دَابِيين، انْتَظِرِي لَحْظَةً!”
سَحَبْتُ بِسُرْعَةٍ دَعْوَةً لَمْ تَصِلْ إِلَيْهَا النِّيرَانُ بَعْدُ.
عَلَى الظَّرْفِ الوَرْدِيِّ البَسِيطِ، كُتِبَ اسْمٌ مَأْلُوفٌ بِخَطٍّ أَنِيقٍ.
[مِنْ لُوسِي لِيتْرِي.]
فَتَحْتُ الدَّعْوَةَ.
“أُرِيدُ الرُّؤْيَةَ أَيْضاً.”
دَسَّتْ دَابِيين وَجْهَهَا بِجَانِبِي لِتُطَالِعَ الرِّسَالَةَ.
“إِنَّهَا رِسَالَةٌ مِنَ السِينْيُور لُوسِي الَّتِي حَيَّيْتُهَا فِي المَأْدُبَةِ.”
عِنْدَمَا فَتَحْتُ الرِّسَالَةَ المَطْوِيَّةَ بِعِنَايَةٍ، وَجَدْتُ فِيهَا سُؤَالاً عَنْ أَحْوَالِي مَعَ دَعْوَةٍ لِحُضُورِ حَفْلِ شَايٍ صَغِيرٍ يُقَامُ فِي مَنْزِلِ النَّبِيلِ أُوفِيرْن.
“عَائِلَةُ النَّبِيلِ أُوفِيرْن؟”
بَيْنَمَا كُنْتُ أَتَسَاءَلُ عَنْ هَذَا الِاسْمِ الَّذِي أَسْمَعُهُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، وَجَدْتُ نَصّاً قَصِيراً فِي نِهَايَةِ الرِّسَالَةِ يَقُولُ إِنَّهَا أَنْشَأَتْ تَجَمُّعاً لِلزُّمَلَاءِ المُنْسَجِمِينَ فِي المَقَرِّ الرَّئِيسِيِّ، وَتَطْلُبُ مِني عَدَمَ الشُّعُورِ بِالضَّغْطِ.
صَحِيحٌ، لَقَدْ تَحَدَّثْنَا حِينَهَا عَنْ ضَرُورَةِ الدَّرْدَشَةِ مَعاً يَوْماً مَا.
أَخْرَجْتُ وَرَقَةً كَانَتْ عَلَى المَكْتَبِ وَبَدَأْتُ أَكْتُبُ الرَّدَّ.
[شُكْراً جَزيلاً عَلَى الدَّعْوَةِ.]
بَيْنَمَا كُنْتُ غَارِقَةً فِي الكِتَابَةِ، كَانَتْ دَابِيين الجَالِسَةُ فِي المَقَابِلِ تَسْنِدُ ذَقْنَهَا وَتَنْظُرُ بِحِدَّةٍ إِلَى رِسَالَةِ لُوسِي.
وَبِيَدِهَا الأُخْرَى، كَانَتْ تَنْقُرُ عَلَى المَكْتَبِ دُونَ تَوَقُّفٍ.
هَلْ تُرِيدُ الذَّهَابَ مَعِي؟
“هَلْ تُرِيدِينَ الذَّهَابَ أَيْضاً؟”
ظَنَنْتُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ السَّيِّئِ تَرْتِيبُ لِقَاءٍ لَهَا مَعَ آنِسَاتٍ أُخْرَيَاتٍ فِي مِثْلِ عُمْرِهَا، فَتَوَقَّفْتُ عَنِ الكِتَابَةِ وَسَأَلْتُهَا.
فَرَفَضَتْ بِاشْمِئْزَازٍ:
“لَا، لَا أَرْغَبُ فِي الِانْدِسَاسِ بَيْنَ غُرَبَاءَ.”
بَيْنَمَا كَانَتْ دَابِيين تَهُزُّ رَأْسَهَا، اتَّجَهَتْ نَظَرَاتُهَا هَذِهِ المَرَّةَ إِلَى ظَرْفٍ بَنَفْسَجِيٍّ وُضِعَ بِنِظَامٍ عَلَى حَافَةِ المَكْتَبِ.
لَقَدْ كَانَ ظَرْفاً فَاخِراً يَحْمِلُ شِعَارَ عَائِلَةِ رُوفْمُوار المَلِكِيَّةِ، وَكَانَ مَوْجُوداً عَلَى المَكْتَبِ مُنْذُ الصَّبَاحِ.
مُنْذُ لَحْظَةِ اسْتِلَامِ الرِّسَالَةِ، لَمْ تَكُنْ تَعَابِيرُ دَابِيين وَلُويْد جَيِّدَةً.
يَبْدُو أَنَّهُمَا لَمْ يَنْوِيَا حَتَّى التَّأَكُّدَ مِنَ المُحْتَوَى، وَظَلَّتِ الرِّسَالَةُ مُهْمَلَةً عَلَى المَكْتَبِ، لَكِنَّهَا بَدَتْ مُثِيرَةً لِلقَلَقِ جِدّاً.
فَحَتَّى وَهُمَا يَقُومَانِ بِأَيِّ عَمَلٍ، كَانَتْ أَنْظَارُهُمَا تَتَّجِهُ نَحْوَ ذَلِكَ الظَّرْفِ بَيْنَ الحِينِ وَالآخَرِ.
بَيْنَمَا كُنْتُ أَضَعُ الرِّسَالَةَ الَّتِي سَأُرْسِلُهَا إِلَى لُوسِي دَاخِلَ الظَّرْفِ، مَدَّ لُويْد يَدَهُ نَحْوَ الرِّسَالَةِ البَنَفْسَجِيَّةِ وَفَتَحَهَا وَكَأَنَّهُ حَسَمَ أَمْرَهُ.
بَعْدَ قِرَاءَةِ الرِّسَالَةِ لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ، صَارَ وَجْهُ لُويْد جَادّاً لِلغَايَةِ.
رَأَتْ دَابِيين ذَلِكَ وَسَأَلَتْ:
“مَاذَا تَقُولُ الرِّسَالَةُ يَا لُويْد؟”
“يَقُولُ إِنَّ يُوهَانِيس سَيَتَزَوَّجُ.”
يُوهَانِيس هُوَ اسْمُ مَلِكِ رُوفْمُوار الحَالِيِّ، الَّذِي كَانَ يُذْكَرُ اسْمُهُ فِي الصُّحُفِ بَيْنَ الحِينِ وَالآخَرِ. بِمَعْنَى آخَرَ، هُوَ ابْنُ خَالِ التَّوْأَمِ.
وَلَكِنْ، هَلْ زَوَاجُ ابْنِ الخَالِ أَمْرٌ يَسْتَدْعِي كُلَّ هَذَا الجِدِّ؟
بَيْنَمَا كُنْتُ أَتَسَاءَلُ، أَضَافَ “لُويْد”:
“مِنْ أَجْلِ إِقَامَةِ الزِّفَافِ المَلِكِيِّ، قَامَ بِزِيَارَةِ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ وَفْقاً لِقَانُونِ دَوْلَةِ رُوفْمُوار… وَيَقُولُ إِنَّ جَيْشاً مِنَ الوُحُوشِ قَدْ ظَهَرَ.”
يَبْدُو أَنَّ الجُزْءَ الأَوْسَطَ مِنَ القِصَّةِ قَدْ حُذِفَ تَمَاماً
لَكِنَّ لُويْد تَوَقَّفَ عَنِ الحَدِيثِ وَبَدَأَ يُرَاقِبُ رَدَّ فِعْلِي فَجْأَةً.
“لِمَاذَا؟ هَلْ ظَهَرَتِ الوُحُوشُ وَيُرِيدُ المُسَاعَدَةَ؟”
رَدَّ لُويْد عَلَى سُؤَالِي بِتَعْبِيرٍ مُتَرَدِّدٍ:
“.. هَكَذَا يَقُولُ.”
عِنْدَ رَدِّ لُويْد الغَامِضِ، تَغَيَّرَتْ نَظَرَاتُ دَابِيين فِي لَحْظَةٍ.
نَظَرَتْ مُبَاشَرَةً إِلَى وَجْهِ لُويْد وَتَابَعَتْ كَلَامَهَا:
“سَأَبْقَى أَنَا لِحِمَايَةِ العَاصِمَةِ. لِذَلِكَ، اذْهَبْ أَنْتَ إِلَى رُوفْمُوار.”
نَظَرَ لُويْد إِلَيَّ وَإِلَى دَابِيين بِالتَّتَابُعِ، ثُمَّ أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ وَكَأَنَّهُ اتَّخَذَ قَرَارَهُ:
“حَسَناً.”
❁❁❁
عَادَ لُويْد إِلَى غُرْفَتِهِ لِتَجْهِيزِ أَمْتِعَتِهِ لِلرَّحِيلِ إِلَى رُوفْمُوار، وَتَذَكَّرَ مُحْتَوَى الرِّسَالَةِ.
تَحْتَ كَلِمَاتِ ابْنِ الخَالِ اللَّطِيفَةِ الَّتِي تَسْأَلُ عَنْ أَحْوَالِ الدُّوقِ وَزَوْجَتِهِ وَالتَّوْأَمِ، كُتِبَ أَنَّ خَتْمَ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ بَدَأَ يَنْحَلُّ. وَنَتِيجَةً لِذَلِكَ، انْكَسَرَ نِصْفُ الحَاجِزِ، وَظَهَرَ جَيْشُ الوُحُوشِ مِنَ الفَجْوَةِ المُنْكَسِرَةِ.
رُغْمَ أَنَّ قُوَّاتِ رُوفْمُوار كَافِيَةٌ لِحَلِّ الأَمْرِ حَالِيّاً، إِلَّا أَنَّهُ كَتَبَ رِسَالَةً عَاجِلَةً تَطْلُبُ الحُضُورَ لِلتَّعَاوُنِ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَتَى سَيَنْحَلُّ الحَاجِزُ تَمَاماً.
‘لِمَاذَا انْحَلَّ الخَتْمُ الَّذِي كَانَ سَلِيماً فَجْأَةً؟’
الأَرَاضِي المُقَدَّسَةُ الخَمْسُ المَوْجُودَةُ فِي أَرْجَاءِ القَارَّةِ كَانَتْ، كَمَا فِي الأَسَاطِيرِ، نَوْعاً مِنَ الأَجْهِزَةِ الَّتِي خَتَمَ بِهَا الإِلَهُ الطَّرِيقَ المُؤَدِّيَ إِلَى عَالَمِ الشَّيَاطِينِ بِنَفْسِهِ.
كَانَ لُويْد يَعْلَمُ جَيِّداً مَاذَا سَيَحْدُثُ إِذَا انْحَلَّ هَذَا الخَتْمُ.
قَبْلَ العَوْدَةِ بِالزَّمَنِ، أَلَمْ تَقُمْ إِيفِيلِيَانَا رُوزْبِيلِير بِفَكِّ كُلِّ هَذِهِ الأَخْتَامِ مِنْ أَجْلِ نُزُولِ مَلِكِ الشَّيَاطِينِ؟
انْكَسَرَتِ الحَوَاجِزُ كُلُّهَا، وَانْتَشَرَتِ الوُحُوشُ لَا تَعُدُّ وَلَا تُحْصَى الَّتِي كَانَتْ تَسْكُنُ عَالَمَ الشَّيَاطِينِ فِي القَارَّةِ دُونَ تَوَقُّفٍ.
لَمْ يَمْلِكِ الفُرْسَانُ وَالسَّحَرَةُ وَقْتاً لِلتَّعَامُلِ مَعَهَا.
لَقَدْ كَانَ عَدَدُهَا سَاحِقاً.
امْتَلأَ العَالَمُ بِالدِّمَاءِ وَصَرَخَاتِ الأَلَمِ وَاليَأْسِ.
وَفَقَدَ الكَثِيرُ مِنَ الأَحْيَاءِ حَيَاتَهُمْ عَلَى أَيْدِي الوُحُوشِ.
وَلَيْسَ هَذَا فَحْسَبُ، بَلْ مَا تَبَقَّى لِمَنْ نَجَا هُوَ يَأْسٌ آخَرُ.
الطَّاقَةُ الشَّيْطَانِيَّةُ السَّامَّةُ المُتَسَرِّبَةُ مِنْ عَالَمِ الشَّيَاطِينِ هَدَّدَتْ حَتَّى الكَائِنَاتِ الحَيَّةَ المُتَبَقِّيَةَ.
بَدَأَتِ الأَجْسَادُ تُعَانِي مِنَ الطَّفَرَاتِ.
وَبِسَبَبِ السُّمُومِ القَوِيَّةِ، بَدَأَتِ الأَجْسَادُ تَتَعَفَّنُ، وَفَقَدَ النَّاسُ عُقُولَهُمْ، وَسُرْعَانَ مَا بَدَأُوا يُهَاجِمُونَ وَيَأْكُلُونَ بَعْضَهُمْ بَعْضاً.
لَقَدْ كَانَ جَحِيماً حَقِيقِيّاً.
تَذَكَّرَ لُويْد تِلْكَ المَرْأَةَ الَّتِي كَانَتْ تَبْتَسِمُ وَسَطَ تِلْكَ المَذَابِحِ الكَثِيرَةِ.
لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَحَدٌ فِي العَالَمِ يُمْكِنُهُ القِيَامُ بِمِثْلِ ذَلِكَ العَمَلِ المَجْنُونِ سِوَاهَا، لَكِنَّهُ لَمْ يَجِدْ فِي كَاي، الَّتِي تَمْلِكُ مَظْهَرَ إِيفِيلِيَانَا، أَيَّ أَثَرٍ أَوْ شُعُورٍ يُشْبِهُ تِلْكَ المَرْأَةَ.
إِذاً مَنْ هُوَ الشَّخْصُ الَّذِي فَكَّ الخَتْمَ؟
‘سَأَعْرِفُ بِمُجَرَّدِ أَنْ أَذْهَبَ إِلَى هُنَاكَ.’
مَزَّقَ لَفَافَةَ الِانْتِقَالِ المُتَوَجِّهَةَ إِلَى “رُوفْمُوار” وَهُوَ يَشْعُرُ بِالشَّكِّ.
❁❁❁
“أُوه، لُويْد!”
عِنْدَ وُصُولِ لُويْد، خَرَجَ يُوهَانِيس مَلِكُ رُوفْمُوار بِنَفْسِهِ مِنَ القَصْرِ المَلِكِيِّ لِيُرَحِّبَ بِهِ.
قَادَهُ المَلِكُ إِلَى غُرْفَةِ الِاسْتِقْبَالِ، وَقَدَّمَ لَهُ بَعْضَ المُرَطِّبَاتِ، ثُمَّ سَأَلَهُ بِصَوْتٍ هَادِئٍ وَوَجْهٍ حَزِينٍ:
“لَقَدْ سَمِعْتُ الأَخْبَارَ، هَلْ لَا تَزَالُ عَمَّتِي وَزَوْجُهَا لَمْ يَسْتَعِيدَا وَعْيَهُمَا بَعْدُ؟”
أَوْمَأَ لُويْد بِرَأْسِهِ بِبُطْءٍ وَوَجْهٍ صَارِمٍ.
تَنَهَّدَ المَلِكُ عِنْدَ رُؤْيَةِ ذَلِكَ.
“يَا لَلأَسَفِ…”
أَمَامَ وَجْهِ المَلِكِ المَلِيءِ بِالقَلَقِ، فَتَحَ لُويْد فَمَهُ:
“بَعِيداً عَنْ ذَلِكَ، مَاذَا حَدَثَ فِي الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ؟”
تَنَهَّدَ المَلِكُ وَبَدَأَ يَرْوِي القِصَّةَ:
“كَمَا تَعْلَمُ، فَإِنَّ الزِّفَافَ المَلِكِيَّ فِي رُوفْمُوار يُقَامُ أَمَامَ صَخْرَةٍ ضَخْمَةٍ تُسَمَّى ‘أَنْفَاسَ الإِلَهِ’، وَهِيَ أَرْضٌ مُقَدَّسَةٌ لِطَائِفَةِ تِيرِينَا. بِمَا أَنَّ ذَلِكَ المَكَانَ مِلْكِيَّةٌ خَاصَّةٌ لِلمَمْلَكَةِ، فَلَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ الدُّخُولُ إِلَيْهِ إِلَّا بِتَصْرِيحٍ. وَمُؤَخَّراً، زَارَ المَسْؤُولُونَ الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ كَثِيراً لِتَحْضِيرِ مَرَاسِمِ الزِّفَافِ. وَلَكِنْ، كَمَا يَقُولُونَ، لَقَدْ تَمَّ رَصْدُ أَشْخَاصٍ غَيْرِ مُصَرَّحٍ لَهُمْ بِالدُّخُولِ كَثِيراً دَاخِلَ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ.”
“أَشْخَاصٌ غَيْرُ مُصَرَّحٍ لَهُمْ… هَلْ تَقْصِدُ ذَلِكَ؟”
“بِالتَّأْكِيدِ، يَقُولُونَ إِنَّ بَعْضَ الأَشْخَاصِ كَانُوا يَظْهَرُونَ ثُمَّ يَخْتَفُونَ فَجْأَةً فِي أَمَاكِنَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَحَدٌ قَبْلَ لَحْظَةٍ، وَكَانُوا يُرَوْنَ أَحْيَاناً وَهُمْ يَقِفُونَ بِصَمْتٍ فَوْقَ الصُّخُورِ أَوْ دَاخِلَ الغَابَةِ فِي الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ. وَعِنْدَمَا كَانَتْ تَصِلُ التَّقَارِيرُ، كَانَ المُتَسَلِّلُونَ قَدِ اخْتَفَوْا بِالفِعْلِ. وَمُنْذُ ذَلِكَ الحِينِ، بَدَأَ الحَاجِزُ يَنْكَسِرُ شَيْئاً فَشَيْئاً.”
بَدَأَتْ تَعَابِيرُ يُوهَانِيس تَصِيرُ صَارِمَةً.
“ثُمَّ ظَهَرَتِ الوُحُوشُ.”
“هَلْ تَقْصِدُ جَيْشَ الوُحُوشِ؟”
عِنْدَمَا يَضْعُفُ حَاجِزُ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ، كَانَتْ جُيُوشُ الوُحُوشِ تَظْهَرُ أَحْيَاناً.
أَلَمْ تَظْهَرْ مُؤَخَّراً فِي “دُورْكَان” أَيْضاً؟
“ظَنَنْتُ أَنَّ الأَمْرَ يَتَعَلَّقُ بِوُحُوشٍ شَائِعَةٍ مِثْلَ الأُورْك أَوْ الغُوبْلِن لَكِنْ حَسَبَ مَا وَرَدَ فِي التَّقْرِيرِ قَبْلَ قَلِيلٍ، فَقَدْ ظَهَرَ وُحُوشُ دِيُورَاهَان.”
كَانَ دِيُورَاهَان مِنْ وُحُوشِ الأَنْدِيد رَفِيعَةِ المُسْتَوَى الَّتِي لَا تُوجَدُ إِلَّا فِي أَعْمَاقِ الدَّهَالِيزِ أَوْ المَنَاطِقِ المَلْعُونَةِ.
لَمْ يَكُنْ مِن المفترض أَنْ يَكُونَ نَوْعاً يُوجَدُ فِي الأَرَاضِي المُقَدَّسَةِ، وَمِنَ الوَاضِحِ أَنَّ المَوْقِفَ لَمْ يَكُنْ طَبِيعِيّاً أَبَداً.
“كُلُّ لَحْظَةٍ ثَمِينَةٌ. سَأَنْطَلِقُ لِلْمَعْرَكَةِ فَوْراً.”
قَالَ لُويْد الَّذِي كَانَ يَسْتَمِعُ بِصَمْتٍ، وَهُوَ يُخْرِجُ سَيْفَهُ مِنَ المَسَاحَةِ الفَرْغِيَّةِ.
التعليقات لهذا الفصل " 91"