الفصل 87
كَانَت قَاعَةُ الاحْتِفَالَاتِ الإمْبَرَاطُورِيَّةُ أَكْثَرَ فَخامَةً مِمَّا تَخَيَّلْتُ.
ثُرَيَّاتٌ فَاخِرَةٌ تَتَدَلَّى، وَتَحْتَهَا تَصْطَفُّ أَنْوَاعُ الزِّينَةِ الذَّهَبِيَّةِ البَرَّاقَةِ.
أَمَّا الأَطْعِمَةُ وَالحَلَوِيَّاتُ الَّتِي نَادِراً مَا يَلْمَسُهَا النُّبَلَاءُ، فَقَد تَجَاوَزَت أَنْوَاعُهَا المِئَاتِ.
وَكَذَلِكَ المَشْرُوبَاتُ الَّتِي لَم تَنْقُص قَطُّ بِفَضْلِ الخَدَمِ الَّذِينَ يَتَحَرَّكُونَ بِنَشَاطٍ.
لَقَد فُتِحَت أَخِيراً مَرَاسِمُ المَأْدُبَةِ الإمْبَرَاطُورِيَّةِ، الَّتِي تُعْتَبَرُ زَهْرَةَ رِوَايَاتِ الرُّومَانْسِيَّةِ الخَيَالِيَّةِ.
وَلأَنَّهُ حَدَثٌ يَجِبُ عَلَى كُلِّ نَبِيلٍ حُضُورُهُ، فَقَد غَصَّت القَاعَةُ الضَّخْمَةُ بِالحُشُودِ.
وَلَم يَكُن مِن المبالغةِ القَوْلُ إِنَّ العَائِلَاتِ الطَّمُوحَةَ الَّتِي تَسْعَى لِمَنْصِبِ زَوْجَةِ وَلِيِّ العَهْدِ، أَوِ الآنِسَاتِ اللَّوَاتِي بَلَغْنَ سِنَّ الزَّوَاجِ، كُنَّ يَنْتَظِرْنَ هَذِهِ المَأْدُبَةَ بِفَارِغِ الصَّبْرِ.
فَقَد كَانَ هَذَا المَكَانُ يَجْمَعُ نُخْبَةَ نُبَلَاءِ الإمْبَرَاطُورِيَّةِ مِن كُلِّ حَدْبٍ وَصَوْبٍ.
سَيُقَامُ حَفْلُ تَنْصِيبِ وَلِيِّ العَهْدِ صَبَاحَ الغَدِ فِي القَصْرِ، لَكِنَّ اللَّحْظَةَ الَّتِي يَظْهَرُ فِيهَا الإمْبَرَاطُورُ بِنَفْسِهِ أَمَامَ النُّبَلَاءِ لِيُقَدِّمَ خَلِيفَتَهُ، كَانَ مِنَ المُقَرَّرِ أَنْ تَتِمَّ اليَوْمَ، فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي تَسْبِقُ الحَفْلَ.
وَكَانَ هُنَاكَ سَبَبٌ لِتَبَاهِي النُّبَلَاءِ بِمَلَابِسِهِمُ الزَّاهِيَةِ وَهُم يَتَجَوَّلُونَ فِي أَرْجَاءِ القَاعَةِ.
‘لَم أَكُن أَتَخَيَّلُ أَنَّنِي سَآتِي إِلَى هُنَا بِهَذَا الجَسَدِ.’
هَذَا المَكَانُ هُوَ المَسْرَحُ الرَّئِيسِيُّ لِلرِّوَايَةِ، وَالمِنَصَّةُ الخَاصَّةُ بِالشِّرِّيرَةِ إِيفِيلِيَانَا.
فِي العَمَلِ الأَصْلِيِّ، كَانَت تَسْتَخْدِمُ جَمَالَهَا البَاهِرَ وَلَبَاقَتَهَا فِي الحَدِيثِ لِلسَّيْطَرَةِ عَلَى النُّبَلَاءِ، مُحَوِّلَةً دَابِيين البَطَلَةَ إِلَى مَعْزُولَةٍ تَمَاماً.
بِمَعْنَى آخَرَ، كَانَت هَذِهِ القَاعَةُ بِمَثَابَةِ مَلْعَبِهَا الخَاصِّ.
لِذَلِكَ، قَامَت “دَابِيين” بَعْدَ عَوْدَتِهَا بِالزَّمَنِ بِإِحْرَاجِهَا هُنَا وَإِسْقَاطِهَا إِلَى الهاوِيَةِ.
وَالوُقُوفُ جَنْباً إِلَى جَنْبٍ مَعَ البَطَلَةِ فِي مِثْلِ هَذَا المَكَانِ جَعَلَنِي أَشْعُرُ بِشُعُورٍ غَرِيبٍ.
عِنْدَ دُخُولِي إِلَى الصَّالَةِ، انْعَكَسَت صُورَتِي عَلَى الرُّخَامِ الَّذِي يُزَيِّنُ الجُدْرَانَ.
‘وَاو، انْظُرِوا إِلَى هَذَا الجَمَالِ. إِنَّهُ مُذْهِلٌ.’
هَل كَانَ ذَلِكَ بِفَضْلِ بَذْلِ خَادِمَاتِ القَصْرِ جُهْدَهُنَّ فِي تَزْيِينِي مُنْذُ الفَجْرِ؟
لَقَد كَانَ وَجْهِي جَمِيلاً بِالفِطْرَةِ، لَكِنَّهُ اليَوْمَ كَانَ يَتَأَلَّقُ بِشَكْلٍ خَارِقٍ لِلعَادَةِ.
حَتَّى إِنَّ بَعْضَ العَامِلِينَ فِي القَصْرِ فَقَدُوا وَعْيَهُم مِن شِدَّةِ الجَمَالِ عِنْدَمَا رَأَوْنِي.
حِينَهَا ظَنَنْتُ: ‘هَل الأَمْرُ يَسْتَحِقُّ كُلَّ هَذِهِ المُبَالَغَةِ؟’، لَكِن بَعْدَ رُؤْيَةِ المِرْآةِ، فَقَدْتُ القُدْرَةَ عَلَى الكَلَامِ أَنَا أَيْضاً.
‘الجَمَالُ وَحْدَهُ كَانَ كَافِياً لِتَبْرِيرِ كُلِّ شَيْءٍ.’
بَدَأْتُ أَفْهَمُ وَلِيَّ العَهْدِ وَالنُّبَلَاءَ فِي الرِّوَايَةِ الأَصْلِيَّةِ الَّذِينَ وَقَعُوا فِي حُبِّ الشِّرِّيرَةِ بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ إِلَيْهَا.
وَلَكِن بَعِيداً عَن ذَلِكَ، فَقَد كَانَ شَعْرِي المُرَتَّبُ بِعِنَايَةٍ مُثَبَّتاً بِقُوَّةٍ لِدَرَجَةِ أَنَّ رَأْسِي بَدَأَ يُؤْلِمُنِي، وَالفُسْتَانُ المُرَصَّعُ بِالجَوَاهِرِ اللَّامِعَةِ كَانَ رَائِعاً فِي مَظْهَرِهِ، لَكِنَّهُ كَانَ يَضْغَطُ عَلَى خَصْرِي بِشِدَّةٍ مِمَّا جَعَلَ التَّنَفُّسَ صَعْباً.
الآنَ فَهِمْتُ لِمَاذَا كَانَت لُوسِي سِينْيُور، الَّتِي قَابَلْتُهَا عِنْدَ المَدْخَلِ، تَشْرَبُ الخَمْرَ بِتَتَابُعٍ.
الجَمِيعُ كَانُوا يَضْحَكُونَ بِصَوْتٍ عَالٍ، لَكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنهُم كَانَ يُمْسِكُ بِكَأْسٍ وَيَحْسُو مِنهُ بَيْنَ الحِينِ وَالآخَرِ.
نَعَم، أَنَا أَفْهَمُ ذَلِكَ.
لا يُمْكِنُ تَحَمُّلُ هَذَا الأَمْرِ بِوَعْيٍ كَامِلٍ!
“هَل يُرِيدُ أَحَدُكُم كَأساً مِنَ الشَّرَابِ؟”
عِنْدَمَا سَأَلْتُ لُويْد وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ، احْمَرَّ وَجْهُهُ وَهُوَ يُحَدِّقُ بِي، ثُمَّ أَجَابَ:
“لَا… لَا بَأْسَ.”
وَهَزَّت “دَابِيين” رَأْسَهَا أَيْضاً.
‘هِمم، حَسَناً إِذاً، سَأَشْرَبُ وَحْدِي.’
بَدَأْتُ أَحْسُو الشَّمْبَانْيَا، وَشَعَرْتُ أَنَّ قَلْبِي بَدَأَ يَهْدَأُ تَدْرِيجِيّاً.
‘الجَمِيعُ كَانُوا يَتَحَمَّلُونَ هَذَا بِفَضْلِ قُوَّةِ الشَّرَابِ.’
بَيْنَمَا كُنْتُ أَسْتَمْتِعُ بِنَشْوَةِ الشَّرَابِ اللَّطِيفَةِ، بَدَا أَنَّ المَأْدُبَةَ لَن تَبْدَأَ مَهْمَا انْتَظَرْتُ.
لَقَد حَانَ الوَقْتُ لِيَظْهَرَ الإمْبَرَاطُورُ أَوْ وَلِيُّ العَهْدِ لِيُعْلِنَ بَدْءَ المَأْدُبَةِ…
وَلَم أَكُن أَنَا الوَحِيدَةَ الَّتِي تُفَكِّرُ فِي ذَلِكَ، بَدَأَ النُّبَلَاءُ يَتَهَامَسُونَ.
أَخْرَجَ “لُويْد” سَاعَةَ جَيْبِهِ وَتَحَقَّقَ مِنَ الوَقْتِ، ثُمَّ تَمْتَمَ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ:
“…لَقَد تَأَخَّرَ الوَقْتُ عَنِ المَوْعِدِ المُحَدَّدِ دَابِيين، مَنِ الأَفْضَلِ أَنْ نَذْهَبَ لِنَرَى.”
“مَعَكَ حَقٌّ.”
بَعْدَ تَبَادُلِ كَلَامٍ غَامِضٍ، قَادَانِي بَعِيداً بِسُرْعَةٍ نَحْوَ مَكَانٍ مَا.
بِمُجَرَّدِ خُرُوجِنَا مِن قَاعَةِ الاحْتِفَالَاتِ الصَّاخِبَةِ، ظَهَرَ مَمَرُّ القَصْرِ الإمْبَرَاطُورِيِّ الَّذِي يَسُودُهُ السُّكُونُ.
كَانَ الظَّلَامُ الدَّامِسُ يُغَطِّي المَمَرَّ الطَّوِيلَ، لَكِنَّ ضَوْءاً كَانَ يَنْبَعِثُ مِنَ الغُرْفَةِ الَّتِي فِي نِهَايَةِ المَمَرِّ.
مَشَى “لُويْد” وَ”دَابِيين” بِثَبَاتٍ رُغْمَ الظَّلَامِ الَّذِي يَحْجِبُ الرُّؤْيَةَ.
وَبِمَا أَنَّنِي بَشَرِيَّةٌ عَادِيَّةٌ، فَقَد أَمْسَكْتُ بِأَيْدِيهِمَا بِقُوَّةٍ وَتَبِعْتُهُمَا.
عِنْدَ الوُصُولِ إِلَى الغُرْفَةِ الأَخِيرَةِ، رَأَيْتُ جُنْدِيَّيْنِ مِنَ الحَرَسِ الإمْبَرَاطُورِيِّ يَقِفَانِ أَمَامَهَا.
عِنْدَمَا رَأَيَا “دَابِيين” وَ”لُويْد”، أَدَّيَا التَّحِيَّةَ العَسْكَرِيَّةَ.
رَدَّت دَابِيين بِإِيمَاءَةٍ، ثُمَّ طَرَقَت البَابَ وَقَالَت:
“عَمَّتِي!”
آه، صَحِيح.
لَقَد ذَكَرْتُمَا أَنَّ عَمَّتَكُمَا تَعِيشُ فِي القَصْرِ الإمْبَرَاطُورِيِّ.
لَحْظَة.
أَظُنُّ أَنَّنِي رَأَيْتُ هَذِهِ العَمَّةَ فِي الكِتَابِ أَيْضاً…
وَفِي اللَّحْظَةِ الَّتِي كِدْتُ أَتَذَكَّرُ فِيهَا شَيْئاً كُنْتُ قَد نَسِيتُهُ، فُتِحَ البَابُ.
“الجَمِيعُ يَنْتَظِرُونَ!”
دَخَلَت دَابِيين وَهِي تُنَادِي عَمَّتَهَا، وَتَبِعَهَا لُويْد.
هَل يُسْمَحُ لَنَا بِالدُّخُولِ هَكَذَا إِلَى مَكَانٍ يَحْرُسُهُ الجُنُودُ دَاخِلَ القَصْرِ؟
تَرَدَّدْتُ قَلِيلاً، لَكِنَّنِي رَأَيْتُ أَنَّ البَقَاءَ وَاقِفَةً هُنَا لَيْسَ فِكْرَةً جَيِّدَةً، فَتَبِعْتُهُمَا.
دَاخِلَ الغُرْفَةِ الَّتِي كَانَت مُزَيَّنَةً بِفَخَامَةٍ لَا تَقِلُّ عَن قَاعَةِ الاحْتِفَالَاتِ، كَانَت هُنَاكَ أَكْوَامٌ مِنَ الأَوْرَاقِ.
وَفِي وَسَطِ ذَلِكَ الجَبَلِ، كَانَت هُنَاكَ امْرَأَةٌ فِي مُقْتَبَلِ العُمْرِ تَقُومُ بِتَرْتِيبِ المِلَفَّاتِ بِنَشَاطٍ.
لَقَد كَانَ مَشْهَداً مَأْلُوفاً رَأَيْتُهُ فِي هِيْلْدِيرِيُوس؛ حَتَّى يَوْمِ أَمْسِ كَانَ التَّوْأَمُ يَغْرَقَانِ فِي الأَوْرَاقِ.
وَلَكِن عَلَى عَكْسِ مَكْتَبِهِما حَيْثُ كَانَ التَّرْتِيبُ يَتِمُّ يَدَوِيّاً، كَانَت هُنَاكَ أَوْرَاقٌ كَثِيرَةٌ تَطِيرُ حَوْلَهَا.
كَانَت أَقْلَامُ الرِّيشِ وَالأَخْتَامُ تَتَحَرَّكُ بِالتَّنَاوُبِ فَوْقَهَا، وَكَانَ مَنْظَرُ حَرَكَتِهَا الذَّاتِيَّةِ بَدِيعاً.
“يَا لَلإِلَهِ، عَمَّتِي! أَيْنَ ذَهَبَت كَبِيرَةُ الوَصِيفَاتِ؟ يَا لَلْعَجَب! كَيْفَ تَبْقَيْنَ هَكَذَا حَتَّى هَذَا الوَقْتِ!”
أَمَامَ ذُعُرِ دَابِيين، رَفَعَت المَرْأَةُ الَّتِي كَانَت مُنْهَمِكَةً فِي الأَوْرَاقِ رَأْسَهَا.
شَعْرٌ ذَهَبِيٌّ طَوِيلٌ مُمَوَّجٌ، وَعَيْنَانِ أُرْجُوَانِيَّتَانِ حَادَّتَانِ.
كَانَت المَرْأَةُ تُشْبِهُ دَابِيين بِمَظْهَرٍ مُذْهِلٍ.
حَتَّى زَوْجَةُ الدُّوقِ لَم تَكُن تُشْبِهُهَا بِهَذَا القَدْرِ.
لَو قَامَت دَابِيين بِصَبْغِ شَعْرِهَا بِاللَّوْنِ الذَّهَبِيِّ، وَمَرَّ ثَلَاثُونَ عَاماً، لَأَصْبَحَت نُسْخَةً طِبْقَ الأَصْلِ مِن هَذَا المَظْهَرِ.
أَوْقَفَت قَلَمَ الرِّيشِ الَّذِي كَانَت تُمْسِكُهُ وَنَظَرَت إِلَى دَابِيين وَلُويْد ثُمَّ ابْتَسَمَت بِرِقَّةٍ.
“أَهْلاً دَابِيين. لُويْد قَد حَضَرَ أَيْضاً. لَا بَأْسَ، فَقَد تَبَقَّى الكَثِيرُ مِنَ الأَوْرَاقِ الَّتِي يَجِبُ حَلُّهَا اليَوْمَ، وَلَم يَكُن لَدَيَّ خِيَارٌ آخَرُ.”
تَحَدَّثَ لُويْد بِيَأْسٍ أَمَامَ كَلَامِ المَرْأَةِ الهَادِئَةِ:
“لَم يَتَبَقَّ سِوَى القَلِيلِ مِنَ الوَقْتِ يَا عَمَّتِي. لَا أَظُنُّ أَنَّ هَذَا هُوَ الوَقْتُ المُنَاسِبُ لِتَرْتِيبِ الأَوْرَاقِ.”
هَزَّت دَابِيين رَأْسَهَا بِيَأْسٍ ثُمَّ اقْتَرَبَت مِنَ المَرْأَةِ بِخُطَوَاتٍ كَبِيرَةٍ وَجَعَلَتْهَا تَنْهَضُ.
“لَقَد تَوَقَّعْتُ ذَلِكَ! انْهَضِي لِلاسْتِعْدَادِ بِسُرْعَةٍ.”
أَمَامَ الإِلْحَاحِ المُسْتَمِرِّ، هَزَّت المَرْأَةُ كَتِفَيْهَا وَنَهَضَت وَكَأَنَّ لَا حِيلَةَ لَهَا.
وَتَبِعَ ذَلِكَ تَنَهُّدٌ عَمِيقٌ.
“حَسَناً… يَجِبُ أَنْ أَبْدَأَ الاسْتِعْدَادَ الآنَ.”
ثُمَّ اتَّجَهَت نَظَرَاتُهَا نَحْوِي.
“هَوْه، يَبْدُو أَنَّ هُنَاكَ ضَيْفَةً.”
فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي تَلَاقَت فِيهَا عَيْنَايَ مَعَ عَيْنَيْهَا الأُرْجُوَانِيَّتَيْنِ، مَرَّت ذِكْرَى دُرُوسِي مَعَ دَابِيين فِي ذِهْنِي.
دَابِيين، هَل كَانَ الدُّوقُ أَمِيراً قَبْلَ أَنْ يَتَسَلَّمَ قَلْعَةَ هِيْلْدِيرِيُوس؟°
°نَعَم، هَذَا صَحِيح. لِأَنَّهُ كَانَ ابْنَ جَدِّي.°
°عَادَةً مَا يَرِثُ الأُمَرَاءُ العَرْشَ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ فِي كُتُبِ التَّارِيخِ كَانَ جَمِيعُ أَوْلِيَاءِ العَهْدِ رِجَالاً.°
°آه، لِأَنَّ عَمَّتِي كَانَت مُهْتَمَّةً جِدّاً بِالعَرْشِ الإمْبَرَاطُورِيِّ.°
لَقَد نَسِيتُ ذَلِكَ بِسَببِ تَعَامُلِي مَعَ الدُّوقِ المُتَوَاضِعِ دَائِماً وَالتَّوْأَمِ.
الدُّوقُ الَّذِي كَانَ ابْناً لِلإمْبَرَاطُورِ السَّابِقِ.
إِذاً، شَقِيقَةُ الدُّوقِ، وَعَمَّةُ التَّوْأَمِ الَّتِي كَانَت مُهْتَمَّةً جِدّاً بِالعَرْشِ هِي…؟
بَعْدَ أَنْ أَدْرَكْتُ الأَمْرَ مُتَأَخِّرَةً، أَمْسَكْتُ بِطَرَفَي فُسْتَانِي بِسُرْعَةٍ وَأَحْنَيْتُ رَأْسِي لِدَرَجَةِ أَنَّهُ كَادَ يَلْمِسُ الأَرْضَ.
“أُحَيِّي شَمْسَ الإمْبَرَاطُورِيَّةِ العَظِيمَةَ.”
الشَّخْصِيَّةُ الَّتِي حَوَّلَت بَلَداً صَغِيراً إِلَى إِمْبَرَاطُورِيَّةٍ، وَالحَاكِمَةُ الَّتِي تُحْكِمُ قَبْضَتَهَا عَلَى هَذِهِ القَارَّةِ.
آيْلِي دِيْسْتِرِيُون الأُولَى.
لَقَد كَانَت هِي إِمْبَرَاطُورَةَ هَذِهِ الإمْبَرَاطُورِيَّةِ.
‘لِقَاءٌ مُفَاجِئٌ مَعَ الإمْبَرَاطُورَةِ! هَل أَدَّيْتُ التَّحِيَّةَ بِشَكْلٍ صَحِيحٍ؟’
بَيْنَمَا كُنْتُ أَحْنِي رَأْسِي بِوَضْعِيَّةٍ غَيْرِ مُرِيحَةٍ بِسَببِ خَفْضِهِ بِسُرْعَةٍ، سُمِعَ صَوْتُ ضِحْكِ الإمْبَرَاطُورَةِ فَجْأَةً.
“هَاهَاهَاهَا!”
أَمَامَ ضِحْكَتِهَا القَوِيَّةِ، تَذَكَّرْتُ يَوْمَ تَنْصِيبِ الإمْبَرَاطُورَةِ الَّذِي قَرَأْتُ عَنْهُ فِي كِتَابِ تَارِيخِ القَارَّةِ.
فِي ذَلِكَ الوَقْتِ، عِنْدَمَا تَوَلَّتِ امْرَأَةٌ العَرْشَ، قِيلَ إِنَّ العَدِيدَ مِنَ النُّبَلَاءِ عَارَضُوا ذَلِكَ بِشِدَّةٍ.
وَيُقَالُ إِنَّ الإمْبَرَاطُورَةَ ضَحِكَت حِينَهَا بِقُوَّةٍ كَمَا تَفْعَلُ الآنَ.
‘ثُمَّ أَرْسَلَت كُلَّ المُعَارِضِينَ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ إِلَى العَالَمِ الآخَرِ.’
وَمُنْذُ ذَلِكَ الحِينِ، أُطْلِقَ عَلَيْهَا لَقَبُ حَاكِمَةِ الدِّمَاءِ.
وَبِسَببِ هَذِهِ الحِكَايَةِ، كَانَ الكَثِيرُ مِنَ النُّبَلَاءِ يَخَافُونَ الإمْبَرَاطُورَةَ.
لا بَدَّ أَنَّهَا لَن تَقْتُلَنِي لِمُجَرَّدِ خَطَأٍ بَسِيطٍ فِي التَّحِيَّةِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
التَّوْأَمُ يَتَحَدَّثَانِ مَعَهَا بِبَسَاطَةٍ لِأَنَّهُمَا أَبْنَاءُ أَخِيهَا، لَكِنَّنِي مُجَرَّدُ مُوَاطِنَةٍ عَادِيَّةٍ.
بَيْنَمَا كُنْتُ أُغْمِضُ عَيْنَيَّ بِقَلَقٍ، سُمِعَت كَلِمَاتُ الإمْبَرَاطُورَةِ:
“أَيَّتُهَا الآنِسَةُ الجَمِيلَةُ. اِرْفَعِي رَأْسَكِ.”
عِنْدَمَا رَفَعْتُ رَأْسِي تَدْرِيجِيّاً، رَأَيْتُ الإمْبَرَاطُورَةَ تَنْظُرُ إِلَيَّ بِابْتِسَامَةٍ حَنُونَةٍ.
لَم تَبْدُ كَـحَاكِمَةِ الدِّمَاءِ الَّتِي تَقْتُلُ النَّاسَ لِخَطَأٍ فِي التَّحِيَّةِ.
“لَقَد سَمِعتُ الكَثِيرَ عَنْكِ مِن أَبْنَاءِ أَخِي. سُرِرْتُ بِلِقَائِكِ. هَل اسْمُكِ كَاي؟”
يَبْدُو أَنَّ الإمْبَرَاطُورَةَ تَعْرِفُنِي جَيِّداً.
هَؤُلَاءِ الرِّفَاقُ، مَاذَا قَالُوا لِيَعْرِفَنِي الجَمِيعُ مِن وَلِيِّ العَهْدِ إِلَى الإمْبَرَاطُورَةِ؟
“نَعَم يَا صَاحِبَةَ الجَلَالَةِ.”
“لَا دَاعِيَ لِكُلِّ هَذَا التَّوَتُّرِ. أَلَسْنَا سَنُصْبِحُ عَائِلَةً عَمَّا قَرِيبٍ؟ تَعَامَلِي بَرَاحَةٍ.”
عَائِلَة؟ عَائِلَة؟
‘لِمَاذَا سَأُصْبِحُ عَائِلَةً مَعَ الإمْبَرَاطُورَةِ؟’
بَيْنَمَا كُنْتُ أَمِيلُ بِرَأْسِي أَمَامَ كَلَامِهَا الغَامِضِ، وَاصَلَت حَدِيثَهَا:
“نَعَم، لَقَد رَأَيْتُ أَدَاءَكِ الرَّائِعَ فِي مُسَابَقَةِ الصَّيْدِ. لَقَد حَلَلْتِ بَرَاعَةً ذَلِكَ الدَّنْجُون الغَرِيبَ الَّذِي صَنَعَهُ يُوتِيَاس. كَانَ عَمَلاً مُمْتَازاً.”
لَم يَكُن بِإِمْكَانِي القَوْل: ‘فِي الحَقِيقَةِ، لَقَد كُنْتُ مُدْمِنَةَ أَلْعَابٍ قَبْلَ أَنْ أَنْتَقِلَ إِلَى هُنَا، لِذَلِكَ اسْتَطَعْتُ حَلَّهُ!’
لِذَلِكَ أَجَبْتُ بَعْدَ أَنْ شَغَّلْتُ عَقْلِي:
“…هَذَا شَرَفٌ لِي.”
اتَّجَهَت نَظَرَاتُهَا إِلَى لُويْد.
“نَعَم يَا لُويْد. كَيْفَ حَالُ فِرِيدْرِيك وَأَيْدِيل؟”
أَظْلَمَت تَعَابِيرُ لُويْد.
“لَا يَزَالَانِ غَائِبَيْنِ عَنِ الوَعْيِ.”
بَدَا القَلَقُ عَلَى وَجْهِ الإمْبَرَاطُورَةِ.
“هِمم، أَتَمَنَّى أَنْ يَنْهَضَا مِن مَكَانِهِمَا قَرِيباً. فِي غِيَابِ أَخِي الَّذِي أَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، المَهَامُّ الَّتِي يَجِبُ القِيَامُ بِهَا تُشْبِهُ الجِبَالَ.”
هَزَّت الإمْبَرَاطُورَةُ رَأْسَهَا وَهِي تَنْظُرُ إِلَى جَبَلِ الأَوْرَاقِ.
ثُمَّ نَقَلَت نَظَرَاتِهَا هَذِهِ المَرَّةَ إِلَى دَابِيين.
“دَابِيين، هَل لَا يَزَالُ رَأْيُكِ ثَابِتاً؟ لَقَد مَنَحْتُ لِيُو مَنْصِبَ وَلِيِّ العَهْدِ لِأَنَّهُ أَرَادَ ذَلِكَ بِإِلْحَاحٍ، لَكِنَّ هَذَا المَنْصِبَ كَبِيرٌ عَلَيْهِ. بِمَا أَنَّ جَسَدَهُ ضَعِيفٌ بِالفِطْرَةِ… أَتَسَاءَلُ إِن كَانَ سَيَصْمُدُ فِي ذَلِكَ المَنْصِبِ الوَحِيدِ. كُنْتُ أَتَمَنَّى أَنْ تَكُونِي بِجَانِبِهِ لِتَحْمِيهِ.”
نَظَرَت الإمْبَرَاطُورَةُ إِلَى دَابِيين بِوَجْهٍ حَزِينٍ.
تَنَهَّدَت دَابِيين وَوَاصَلَت الكَلَامَ.
يَبْدُو أَنَّهَا كَانَت تَتَحَدَّثُ عَن خُطُوبَةِ دَابِيين مِنَ الأَمِيرِ الَّتِي أَلْغَتْهَا مِن طَرَفٍ وَاحِدٍ قَبْلَ عِدَّةِ سَنَاوَاتٍ.
“عَمَّتِي. كَمَا قُلْتُ لَكِ حِينَهَا، حَتَّى لَوْ لَم نَكُن مُرْتَبِطِينَ بِخُطُوبَةٍ أَوْ زَوَاجٍ، فَسَنَظَلُّ أَوْفِيَاءَ لِلعَائِلَةِ الإمْبَرَاطُورِيَّةِ كَسَيْفٍ لِلإمْبَرَاطُورِيَّةِ لِلأَبَدِ. إِذَا كُنْتِ تَشُكِّينَ فِي وَلَائِنَا، فَسَأَتَخَلَّى عَن جَمِيعِ المَنَاصِبِ الَّتِي مَنَحْتِنَا إِيَّاهَا الآنَ.”
كَانَ رَفْضاً قَاطِعاً.
أَمَامَ إِصْرَارِ دَابِيين عَلَى التَّخَلِّي عَن مَنْصِبِهَا إِذَا لَزِمَ الأَمْرُ، تَنَهَّدَت الإمْبَرَاطُورَةُ.
“نَعَم، أَنَا أَعْرِفُ ذَلِكَ جَيِّداً.”
بَعْدَ تَفْكِيرٍ طَوِيلٍ، فَتَحَت الإمْبَرَاطُورَةُ فَمَهَا:
“لَا أَعْرِفُ مَاذَا حَدَثَ، لَكِنَّنِي أَتَمَنَّى أَنْ تَبْقَيَا صَدِيقَيْنِ لِـلِيُو كَمَا كُنْتُمَا فِي السَّابِقِ. إِنَّهُ طِفْلٌ ضَعِيفٌ وَمُثِيرٌ لِلشَّفَقَةِ. لَقَد كُنْتُ مُنْشَغِلَةً بِالأَعْمَالِ الرَّسْمِيَّةِ وَلَم أَسْتَطِع الِاعْتِنَاءَ بِهِ جَيِّداً فِي هَذَا القَصْرِ الإمْبَرَاطُورِيِّ الوَحِيدِ.”
التعليقات لهذا الفصل " 87"