الْفَصْلُ 53
بسببِ نظراتِ الجميعِ المفاجئة، اختبأ “آين” خلفي بسرعة، لكن عندما أخبرتُهُ أنَّ كلَّ شيءٍ بخير، أخرجَ رأسَهُ ببطء.
وبمجردِ أن رأى رئيسُ الخدمِ عينيهِ الواسعتين، أرشدَهُ إلى مكانِهِ بابتسامةٍ حانية.
ولا أعرفُ متى جهزوا ذلك، لكن كانَ هناكَ كرسيٌّ صغيرٌ يناسبُ حجمَه.
ترددَ آين قليلاً، ثم تسلقَ الكرسيَّ بجهدٍ وجلس.
خفضَ رأسَهُ وأخذَ يعبثُ بأصابعِهِ بإرتباك؛ يبدو أنَّ تركيزَ الجميعِ عليهِ كانَ يشكلُ ضغطاً كبيراً.
سرعانَ ما أحضرتِ الخادماتُ الطعام، ووضعنَ خبزاً أبيضَ أمامَ آين.
كانت هذهِ أولُ مرةٍ يأكلُ فيها أمامَ كلِّ هؤلاءِ الكبار، فأخذَ يختلسُ النظرَ إليهم بحذر.
وعندما رأتِ الدوقةُ ذلك، قالت بلطف:
“يمكنكَ الأكلُ يا صغيري.”
نظرَ إليَّ آين، وعندما أومأتُ لهُ برأسي، أمسكَ الخبزَ بيديهِ الصغيرتينِ وقضمَ منهُ قضمة.
اتسعت عيناهُ من اللذة، وبدأ يأكلُ الخبزَ بسرعةٍ ولهفة.
قالتِ الدوقةُ بنظراتٍ حزينة:
“هل كنتَ جائعاً جداً؟ هناكَ الكثيرُ من الطعام، كُلْ ببطءٍ وبقدرِ ما تشاء.”
وأضافت: “اشربِ الحليبَ أيضاً.”
ناولتُهُ كوبَ الحليب، فنظرَ إليَّ بحذرٍ ثم أخذهُ وشربَهُ دفعةً واحدة.
وعندما وضعَ الكوب، بقيت آثارُ الحليبِ البيضاءُ حولَ فمه.
كانَ منظرُهُ وهو يأكلُ بعينيهِ الواسعتينِ لطيفاً بشكلٍ لا يُقاوم.
يبدو أنَّ كلَّ من في الغرفةِ شاركوني نفسَ الشعور، فقد كانوا جميعاً يراقبونَ آين وهو يأكلُ بتركيزٍ شديد.
سألَ الدوق:
“بالمناسبة، من هذا الطفل؟”
كانَ الدوقُ والدوقةُ قد أدركا أنَّ الطفلَ ليسَ ابني أنا ولويد، فبدا عليهما الإحباطُ الشديد.
أجابَ لويد:
“لقد رأيتُهُ يُعاملُ بقسوةٍ في كنيسةِ تيرينا، فأحضرْتُه.”
عندما سمعَ الدوقُ ذلك، تنهدَ بامتعاض:
“هؤلاءِ المنافقون… يمثلون كلَّ أنواعِ العروضِ للحصولِ على التبرعات، ثم يُعاملونَ طفلاً بهذهِ القسوة؟”
صرتْ دابين على أسنانِها بغضب:
“وفوقَ ذلك، تجرأ ذلكَ الذي يُسمي نفسَهُ الكاهنُ الأكبرُ على رفعِ قضيةٍ يطالبُ فيها بـ 500 مليار جولد، بحجةِ أنَّ سِحرَهُ المقدسَ قد سُلبَ منه! هذا يثيرُ جنوني. يجبُ أن نقطعَ كلَّ الدعمِ عن كنيسةِ تيرينا فوراً!”
ثم تمتمت وهي تقضمُ الخبزَ بغيظ:
“500 مليار جولد؟ هل جنَّ ذلك العجوز؟ سُلبَ سِحرُهُ المقدس؟ يبدو أنهُ شاهدَ الكثيرَ من أساطيرِ الخلق. يا للأسف.”
هزت دابين رأسَها استنكاراً.
وبسببِ الأجواءِ التي أصبحت جادة، بدأ آين يرتجفُ خوفاً.
انتبهت دابين للأمر، فابتسمت قسراً وقالت:
“أوه، أنا آسفة يا آين.”
سألتني الدوقة:
“بالمناسبة، كم يبلغُ آين من العمر؟”
أجبتُ:
“بسببِ نحافتِهِ الشديدة، قد يكونُ أكبر، لكنهُ يبدو في الخامسةِ من عمره.”
وعندما سمعَ آين جوابي، هزَّ رأسَهُ رفضاً وهو يمسكُ بطرفِ كمي.
ثم فتحَ كفيهِ العشرةَ أمامَ الدوقة.
“عشرُ سنوات؟ آين، هل تبلغُ من العمرِ عشرَ سنوات؟”
يا إلهي، عشرُ سنواتٍ بهذا الجسدِ الصغير!
خيَّمَ الحزنُ على وجوهِ الجميعِ في قاعةِ الطعام.
قالت دابين بتأثر: “آين، هناكَ الكثيرُ من الطعام، كُلْ كثيراً!”
أومأ آين برأسِهِ وهو يختلسُ النظرَ إليها.
مع مرورِ الأيام، بدأ آين يتأقلمُ مع عائلةِ هيلديريوز.
تعودَ على الدوقِ والدوقة، وأصبحَ يضحكُ حتى وهو يركبُ على كتفِ الدوق.
وعندما كانَ رئيسُ الخدمِ يستخدمُ السحر، كانَ آين يراقبُهُ بعينينِ واسعتينِ ومنبهرتين.
وأحياناً كانَ يقتربُ من رئيسِ الخدمِ ويمسكُ ببنطالِهِ ويشيرُ بيدهِ طالباً منهُ أن يُرِيَهُ بعضَ السحر.
أما دابين، فقد أخذت آين إلى “بوتيك” لملابسِ الأطفال، قائلةً إنها كانت ترغبُ بشدةٍ في شراءِ ملابسَ له.
كانَ مكاناً يبدو غاليَ الثمنِ من النظرةِ الأولى.
بمجردِ رؤيةِ آين، بدأ صاحبُ المحلِّ يكيلُ المديحَ لجمالِهِ ولطافته، فشعرت دابين بالفخرِ وكأنهُ ابنُها، وأشارت بيديها لكلِّ الملابسِ في المحلِّ وصرخت:
“سأشتري كلَّ ما هنا، من هذهِ القطعةِ إلى تلك!”
بفضلِ ذلك، لم يَعُد آين بحاجةٍ للقلقِ بشأنِ الملابس.
برغمِ أنهُ كانَ يبدو سعيداً في منزلِ هيلديريوز، إلا أنَّ الأمرَ كانَ مختلفاً وقتَ النوم.
فعندما ينامُ بمفردهِ أو مع الآخرين، كانَ دائماً يتقلبُ كأنهُ يتألمُ ويستيقظُ باكياً.
وفقط عندما ينامُ بجانبي، كانَ يغطُّ في نومٍ عميق، لذا أصبحَ ينامُ في غرفتي بصفةٍ دائمة.
لكنَّ نومَ آين في غرفتي سببَ مشكلةً لـ “روبا”
كلب الجحيم.
لم أعرِف آين على “روبا” بعد.
فمهما كانَ روبا مطيعاً ولطيفاً معي، إلا أنهُ يظلُّ “كلبَ جحيم”، وآين طفلٌ صغيرٌ في العاشرةِ لا يستطيعُ الكلام.
خشيتُ أن يفزعَ آين من حجمِ روبا الذي يشبهُ العجل، فقررتُ فصلَهُما حتى يتأقلمَ آين تماماً.
والشخصُ الوحيدُ الذي يمكنُهُ رعايةُ روبا بدلاً مني كان دابين.
فلويد كانَ يكرهُ روبا جداً لدرجةِ أنهُ لا يطيقُ اسمَه، والخدمُ الآخرون كانوا يرتجفون خوفاً.
دابين، التي أحضرت روبا أصلاً، وافقت بحماسٍ قائلةً إنها تريدُ قضاءَ وقتٍ مع كلب، ووعدت برعايتِهِ حتى يتأقلمَ آين. ولكن…
“كاي! روبا لا ينامُ على سريري!”
“كاي! لماذا ينكمشُ ويخفضُ ذيلَهُ عندما يراني؟”
“كاي! روبا لا يأكل!”
“كاي! روبا…!”
“كاي!”
“توقفي! توقفييي!”
كلَّ يوم، كانت دابين تأتي إليَّ شاكيةً من صعوبةِ تربيةِ روبا.
وفي النهايةِ انفجرتُ صرخةً من شدةِ الإزعاج.
فقد كانت تأتي قبلَ الفجرِ لتتذمر، وتأتي بعدَ العملِ بوجهٍ حزينٍ لتتحدثَ عن روبا.
قالت دابين بوجهٍ عابس:
“لكنهُ الآنَ يتبولُ بمجردِ أن يراني!”
“أنا لا أفهم، ماذا فعلتِ بهِ ليصبحَ روبا الملقبُ بـ (كلب الجحيم) يرتجفُ هكذا؟”
لقد قمتُ بتدريبِهِ على قضاءِ حاجتِهِ وعلى
الجلوسِ بشكلٍ مثالي!
حكت دابين رأسَها وقالت:
“لقد أخذتُهُ معي لبضعِ جولاتِ مشي… في تدريباتِ الفجر، وفي تدريباتِ فرقةِ الفرسان.
ومنذُ ذلكَ الحين، ساءت حالتُهُ وأصبحَ يتصرفُ بغرابة.”
حينها أدركتُ سببَ حالةِ روبا.
فتدريباتُ دابين تعتمدُ على تحطيمِ صخورٍ بحجمِ البشرِ بقبضتِها أو التعاملِ مع وحوشٍ مأسورة.
وبما أنَّ روبا وحشٌ أيضاً، فلا بدَّ أنهُ شعرَ بالرعب.
تنهدتُ بعمق:
“حسناً، فهمت. سأحاولُ التحدثَ مع آين ولنحلَّ المشكلة.”
فكرتُ: كيفَ أُخبرُ آين؟
لدينا كلبٌ في البيت، هو كبيرٌ قليلاً بحجمِ العجلِ وينفثُ النارَ أحياناً لكنهُ لطيف؟
وبينما كنتُ أفكرُ وأهمُّ بدخولِ الغرفة، سمعتُ صوتَ نباحٍ من الداخل.
“أوه؟”
نباح؟ تخيلتُ آين يرتجفُ خوفاً أمامَ روبا الضخم.
“آين في خطر!”
فتحتُ البابَ بسرعة، لكنَّ المشهدَ كانَ عكسَ توقعاتي تماماً.
روبا الضخمُ كانَ يخفضُ ذيلَهُ ويرتجفُ خوفاً، بينما كانَ آين يقفُ أمامَهُ بفضولٍ ويُميلُ رأسَه.
“ماذا؟”
بمجردِ أن رآني روبا، اختبأ خلفي كأنهُ يطلبُ النجدة.
ورغمَ ضخامتِهِ التي لا يمكنُ إخفاؤها خلفي، إلا أنهُ ظلَّ يرتجفُ ويتشبثُ بي.
“روبا، لماذا تفعلُ هذا؟”
أليسَ من المفترضِ أن يكونَ العكس؟
نظرَ آين إليَّ وإلى روبا ببراءة، ثم اقتربَ من الكلبِ المرتجفِ بخطواتٍ ثابتة.
وكلما اقتربَ آين، كانَ روبا يصدرُ أنيناً خائفاً.
وعندما لمسَ آين رأسَ روبا ومسحَ عليه، هدأ ارتجافُ الكلب، بل إنهُ استلقى تماماً أمامَ آين.
قلتُ لدابين: “دابين، كيفَ كنتِ تعاملينَ روبا ليصبحَ بهذا الجبن؟”
أشفقْتُ على روبا؛ فبرغمِ كونهِ كلبَ جحيم، إلا أنهُ خافَ من طفلٍ في العاشرة.
“على أيِّ حال، هذا جيد. يمكنهما العيشُ معاً.”
ربما لأنَّ آين ليسَ بشرياً عادياً؟
كانَ يمسحُ على رأسِ روبا وكأنهُ جروٌ صغير.
وهكذا أصبحَ روبا يعيشُ مع آين في غرفتي.
والشيءُ الوحيدُ الذي تغيرَ هو أنَّ روبا، الذي كانَ يتنافسُ للنومِ بجانبي، لم يَعُد يصعدُ على السريرِ أبداً.
وبرغمِ أنَّ السريرَ واسعٌ جداً، إلا أنَّ روبا كانَ ينامُ منكمشاً تحتَ السريرِ فقط.
وبعدَ ذلك، عندما كنتُ أذهبُ للعمل، كانَ آين يهتمُّ بروبا بدلاً مني.
كانَ يقودُ روبا الضخمَ للتنزهِ في الحديقة، وأحياناً كانَ يطعمُهُ لحماً طازجاً يقطرُ دماً بعدَ تقطيعِه.
والمثيرُ للدهشةِ أنَّ روبا، الذي كانَ يقفزُ وينفثُ النارَ حماساً عندما يتنزهُ معي، كانَ يمشي بهدوءٍ شديدٍ بجانبِ آين.
تمتمَ لويد وهو يراقبُهُما من النافذة:
“هذا الطفلُ ذو العشرِ سنوات أفضلُ بكثيرٍ من دابين البالغة.”
“ماذا؟”
ظهرت عروقُ الغضبِ على جبهةِ دابين عندما سمعت ذلك.
قال لويد:
“لقد سمعتُ تذمرَكِ من صعوبةِ تربيةِ الكلبِ لمراتٍ لا تُحصى، لهذا أقولُ هذا.”
“يا هذا! هل ساعدتني ولو لمرةٍ واحدة لتقولَ هذا الكلام؟”
“ولماذا أساعدُك؟ أنتِ من أحضرتِ ذلكَ الكلب الشيطاني أصلاً.”
“أنت…!”
بدأت شراراتُ الكهرباء تشتعلُ بين عيني دابين ولويد.
ها قد بدآ الشجارَ مرةً أخرى.
التوأمُ يتشاجرانِ دائماً لأسبابٍ تافهة.
في الماضي، كنتُ أرتجفُ خوفاً من هالتهما القاتلة، لكن مع التكرارِ بدأتُ أتعودُ على الأمر.
لكن يبدو أنهما اليومَ جادان، فقد بدأت هالةٌ حمراءُ تخرجُ من جسديهما وهما ينظرانِ لبعضهما بكره.
تباً، أنا أساعدُهُما الآنَ في ترتيبِ أكوامِ الأوراقِ في المكتب، وهما يريدانِ افتعالَ مشكلة.
أخذتُ نفساً عميقاً وصرختُ فيهما:
“تـوقـفـا!”
ارْتجفَ التوأمُ من صرختي، واختفت الهالةُ الحمراء.
أخيراً، عادا لرشدهما.
وضعتُ الأوراقَ بقوةٍ على المكتبِ وقلت:
“لم ينتهِ ترتيبُ الأوراقِ بعد! إذا أردتما الشجار، فافعلا ذلكَ بعدَ الانتهاء!”
حينها أجابا بهدوء: “حاضر.”
وجلسا على الكراسي وبدأا العملَ بأقلامِ الريشة.
وهكذا، مرَّ يومٌ آخرُ في عائلةِ هيلديريوز.
التعليقات لهذا الفصل " 53"