الفصل 37
بـيـنما كـانـت دابـين تـفـكرُ فـي طـريـقةٍ جـيـدة، سـمعت مـن أحـدِ الـفـرسانِ عـن “الـتـنـويـمِ المـغـناطـيـسي”.
كـانـت قـصةً عـن أختِ الـفارسِ الـتي كـانـت تـبـكي بـاسـتـمرارٍ بـعـدَ أن تـركـها حـبـيـبُـها، ولـكـنَّـها تـحـسنـت بـعـدَ تـرتـيـبِ ذكـريـاتِـها عـبرَ الـتـنـويـم.
فـي الـحالاتِ الـعاديـة، كـانـت دابـين سـتـأمـرُ الـفـارسَ بـالركـضِ مـئةَ جـولةٍ حـولَ الـمـلـعبِ بـدلـاً مـن قـولِ هـذا الـهراء، لـكـنَّ ذلـكَ الـيومَ كـان مـخـتـلـفاً.
بـعدَ أن عـرفت مـكانَ المـنـوِّم، قـامـت بـاخـتـطافِـهِ تـقريـباً وإحـضارِهِ أمـامَ كاي رغـمَ ادّعـائِـهِ بـانـشغـالِـه.
عـندما سـمعَ لويد بـالـخبر، اقـتـحمَ غـرفةَ كاي مـستـنكراً فـكرةَ الـتـنويـم.
وبـسببِ هـالةِ لويد المـرعـبة، ارْتـجفَ المـنوِّمُ ولـم يـستـطـع نـطقَ كـلـمةٍ واحـدة، بـل فـرَّ هـارباً قـبلَ أن يـبـدأ.
تـشاجرت دابـين مـع لويد بـسببِ ذلـك، مـما أدى إلـى تـضررِ الـقصرِ وحـاجتِـهِ لـلـتـرمـيـم.
أمـا لويد، فـقد ذهـبَ إلـى مـقـاطـعةِ “جـيـرونـيـا” وعـقدَ صـفـقةً سـريةً لـشـراءِ لـقـبٍ نـبـيـلٍ لـكاي.
لـقد نـصحـهُ مـساعـدُهُ بـأنَّ الـمالَ والـجاهَ هـما غـايـةُ الـبشر، وبـالـتأكيـدِ سـيـتحسن مـزاجُـها.
وهـكذا، أصـبحَ لـكاي اسـمُ عـائـلةٍ وهو “جـيـرونـيـا”.
ولـكن عـندما أحـضرَ لويد أوراقَ الـنـبـلِ بـفـرحٍ مـع أطـعـمةٍ مـن مـسقـطِ رأسِـها، انـفـجرت كاي بـالـبـكاءِ بـمجردِ سـماعِ كـلـمة جـيـرونـيـا.
لـم تـنـظر حـتى إلـى مـحتـوى الأوراق.
سـخـرت دابـين مـن قـلةِ حـساسـيـةِ أخـيـها، بـيـنما عـادَ لويد وألـقى بـأكـوامٍ مـن الأوراقِ والـعملِ الإضـافـي عـلى مـساعـدِهِ “الأعـزب” الـذي أعـطاهُ تـلكَ الـنصيـحةَ الـفاشـلة.
عـندما رأى الـكـبـيرُ رئـيـسُ الـخـدم هـذهِ الـتـصرفات، نـصحَ الـتوأمَ بـتـركِـها وحـدَهـا لـبـضعةِ أيـام.
اسـتـجابَ الـتوأمُ لـنصيـحةِ الـرجلِ الـعجـوزِ وهـدأتِ الأمـورُ لـفـترة.
فـي الـيومِ الـثانـي مـن بـقاءِ كاي وحـدَهـا، وعـندما سـمعت دابـين مـن الـخادمةِ أنَّـها لـم تـأكل شـيـئاً بـعد، فـتـحتِ الـبابَ بـقوة.
“كاي، اسـتـيـقـظي… أوه؟”
كـانـتِ الـغرفةُ المـظـلـمةُ مـلـيئةً بـأشعةِ الـشمسِ الآن.
كـانـت كاي تـقـفُ أمـامَ الـنافذةِ المـفـتـوحةِ تـستـقـبـلُ الـضوء.
“دابـين، صـباحُ الـخـيـر.”
كـان شـعـرُها يـتطايـرُ مـع الـنسيـمِ ويـلـمعُ تـحتَ الـشمس.
ابـتـسمت كاي بـإشـراقٍ ورحـبت بـدابـين.
“هـل أنـتِ بـخـيـر؟”
رغـمَ أنَّ جـسدَها ونـحافـتَـها كـانا يـؤكدانِ أنَّـها لـيـست بـخيـر، إلا أنَّ كاي ابـتـسمت وقـالـت إنَّـها تـجاوزتِ الأمر.
“شـكراً لـكِ لـأنَّـكِ سـمـحـتِ لـي بـالـبقاءِ هـنا، يـا دابـين.”
“آه، لا داعـي لـلـشكر.”
حـكت دابـين رأسـَها بـارْتـباك.
نـظرت كاي إلـيـها وقـالـت:
“أنـا أخـططُ لـلـعملِ فـي مـركزِ المـعالجـينَ الإمـبراطوري فـي الـعاصـمة. لـقد أصـبحتُ مـفـلـسةً تـماماً، لـذا يـجبُ أن أعـمل، صـحـيـح؟ هـه هـه. بـمجردِ أن أجـدَ عـمـلـاً سـأبـحثُ عـن مـنزل، لـذا سـأبـقى عـالةً عـلـيـكم لـفـترةٍ بـسـيطة.”
تـوقـفت دابـين عـند سـماعِ ذلـك.
فـكرت دابـين: لا أعـرفُ إن كـان لويد سـيـسمحُ لـكِ بـالـرحيـل. يـبدو مـجـنـوناً تـماماً هـذهِ الأيام.
تـذكرت دابـين مـجلاتِ الـزفافِ الـمُـنـتـشرةِ عـلى مـكتبِ لويد.
“آه، وأيـضاً، هـناك مـكانٌ أريـدُ زيـارتَـه. هـل يـمكنُـنا الـذهاب؟”
أومـأت دابـين بـرأسِـها مـوافقةً عـلى فـورِ سـماعِ هـمـسِ كاي.
بـعدَ قـليل، وقـفت عـربـةٌ أمـامَ قـصرِ هـيـلـديريوز.
صـعدت دابـين ولويد وكاي، الـذينَ كـانوا يـرتـدونَ مـلابـسَ الـحدادِ الـسوداء، إلـى الـعربـة.
كـانـت دابـين مـنـزعجةً مـن وجـودِ لويد.
كـانت فـرصـتُـها لـتـبـقى وحـدَهـا مـع كاي، لـكـنَّ هـذا الأخ عـديـم الـإحـساس تـبـعـهُـما ادّعـاءً بـأنَّـهُ مـتـفرغ.
ولـكـنَّ لويد أحـضرَ مـعـهُ كـومةً مـن الأوراقِ وبـدأ يـعملُ داخـلَ الـعربـة.
“قـلـتَ إنَّـكَ مـتـفرغ! مـا هـذهِ الأوراقُ إذن؟”
قـالـت دابـين بـتـذمـر.
“هـذا يـعتـبرُ تـفرغاً بـالـنـسـبةِ لـي. سـأنـتهي بـعـدَ قـلـيـل.”
“نـعم، نـعم، كـما تـقول.”
سـادَ الـصمتُ لـفترة.
نـظرَ لويد بـطـرفِ عـيـنِـهِ إلـى كاي الـتي كـانـت تـراقبُ الـطريـقَ بـشـرود.
كـانـت تـبدو شـاحـبةً ونـحيـفةً جـداً فـي ثـيـابـِها الـسوداء.
شـعرَ بـألمٍ فـي قـلـبِـه.
أرادَ أن يـخـبـرَها أنَّـها لـيـست وحـيـدة، وأنَّـهُ سـيـكونُ بـجانـبـِها، بـل وسـيـكونُ عـائـلـتَـها الـجديـدة.
لـذا، أحـضرَ لويد كـلَّ هـذا الـعملِ فـقـط لـيـنـتظرَ الـلحظةَ المـناسـبةَ لـلـاعـتراف.
فـكرَ لويد: لـولا وجـودُ هـذهِ الأختِ الـمـزعـجةِ لـقـلـتُ ذلـكَ مـنذُ زمـن.
نـظرَ لويد بـغـضبٍ إلـى دابـين، فـبـادَلـتْـهُ الـنـظرةَ بـتـحدٍ.
بـيـنما كـان الـتوأمُ فـي صـراعِ نـظرات، تـوقفـتِ الـعربـةُ فـي المـقـبرةِ الـعامةِ لـمـعبـدِ تـيـريـنـا.
عـندما نـزلوا، ركـضَ نـحـوَهـم كـاهـنٌ مـذعورٌ بـعدَ رؤيـةِ شـعارِ عـائـلةِ هـيـلـديريوز.
تـبـعوا الـكاهـنَ الـذي كـان يـنحـني بـاسـتـمرارٍ حـتـى وصـلوا أمـامَ قـبـرٍ بـشـاهـدٍ أبـيض.
“سـأرحـلُ الآن.”
انـحـنى الـكاهـنُ ثـم انـصرف.
نـظرت كاي إلـى الـقـبـرِ بـشـرودٍ ووضـعت أزهـارَ الـأقـحوانِ أمـامَـه.
انـهمرتِ الـدموعُ مـن عـيـنـيـها مـرةً أخـرى رغـمَ كـثـرةِ بـكائـِها فـي الـمنزل.
لـم تـفارق ذِهـنَـها آخـرُ مـحادثـةٍ مـع الـرسـول.
تـلـكَ الـتـوبـيـخاتُ الـتي كـانـت تـكـرهُـها أصـبحت مـن المـاضـي.
ذلـكَ الـرجلُ الـوسـيـمُ الـذي تـلـيـقُ بـهِ الأزهـارُ لـم يـعـد مـوجـوداً.
“أيُّـها الـرسـول، هـئ… هـئ…”
جـثـت كاي عـلى الأرضِ وغـطَّـت وجـهَـها بـيـديـها وهي تـبكي.
ربـتَ لويد عـلى كـتـفـِها المـرتـجـف.
فـي طـريـقِ الـعودة، ظـلـت كاي صـامـتـة.
لـم تـتحـمل دابـين هـذا الـجوَّ الـكئـيـبَ فـقـالـت:
“لـديَّ شـيءٌ أريـدُ أن أريـكِ إيـاهُ فـي الـمنزل!”
رفـعت كاي وجـهَـها المـحـمـرَّ مـن الـبـكاء.
“انـتـظري وبـسـوفَ تـرَيـن.”
ابـتـسمت دابـين، وشـعرَ لويد بـقـلقٍ مـفاجـئ.
عـندما وصـلوا، أخـذت دابـين كاي ولويد إلـى مـبـنى الـفـرسان.
نـادت أحـدَ الـفـرسانِ وهـمـسـت فـي أذنـِه، فـشـحبَ وجـهُ الـفارسِ وأدى الـتـحـيـةَ ثـم ذهـب.
بـعدَ قـلـيل، عـادَ الـفارسُ بـوجـهٍ مـرعـبٍ وهو يـحملُ صـندوقاً كـرتـونـياً صـغـيـراً، وكـأنَّ بـداخلـِهِ شـيـئاً مـخـيـفاً.
“سـ… سـأذهبُ الآن! لـديَّ عـمـل.”
وضـعَ الـصندوقَ بـأصابعَ مـرتـجـفـةٍ وهـربَ بـسرعةٍ بـمجردِ أن سـمـحـت لـهُ دابـين.
فـكرت كاي بـخوف: مـاذا يـوجـدُ داخـلَ هـذا الـصندوق؟
“لـقد سـمعتُ أنَّ الـحـيـواناتِ الألـيـفةَ هي الأفـضلُ لـلـاسـتـقرارِ الـنـفـسي.”
كـانـت دابـين تـبتـسمُ بـفرح، ولـكـنَّ كاي شـعرت بـالـقـلق.
فـتـحت دابـين الـصندوق.
كـان هـناك…
“كـيـنـغ، كـيـنـغ.”
“يـا إلـهـي!”
“جـميـل، ألـيـسَ كـذلك؟”
داخـلَ الـصندوق، كـان هـناكَ جـروٌ صـغـيرٌ بـفـراءٍ أسودَ كـثـيـفٍ يـنـظرُ إلـى كاي.
حـمـلـت دابـين الـجروَ الـذي كـان يـرتـجـف.
فـكرت كاي : يـا لـلـطافـة!
أذنانِ سـوداوانِ مـتـدليـتان، عـيـنانِ واسـعـتان، وذيـلٌ صـغـيـر!
“لـقد تـركـتْـهُ أمُّـه خـفـتُ أن يـموتَ فـأحـضرتُـه هـل تـريـديـنَ حـمـلـَه؟”
شـعرت كاي بـالـحـزنِ عـلى الـجروِ المـهجور.
عـندما أخـذتـْهُ مـن دابـين، ارتـمى الـجروُ فـي حـضـنِـها وهو يـرتـجف.
“كـيـنغ! كـيـنغ!”
سـعلَ الـجروُ الـمـرتـجف، ولـكـن مـع كـلِّ سـعلة، كـان يـخـرجُ لـهبٌ صـغـيـرٌ مـن فـمِـه.
“أوه… هـل تـخـيـلـتُ ذلـك؟ لـقد نـفـثَ نـاراً الآن.”
تـصـاعدت رائـحةُ كـبـريـتٍ خـفـيـفةٌ مـن الـجرو.
“هـل يُـعـقـل؟”
سـحبَ لويد الـجروَ مـن حـضنِ كاي بـسرعةٍ وتـفحَّـصَـه، ثـم صـرخَ فـي دابـين:
“دابـين! هـل فـقـدتِ عـقـلـَكِ؟ لـماذا أحـضرتِ ‘هـيـل هـاوند’ (كـلـب الـجـحـيـم)!”
كـلـب الـجـحـيـم؟ ذلـكَ الـوحـشُ الـذي تـخـرجُ الـنيرانُ مـن عـيـنـيـهِ وفـمـِه؟
تـعرفُ كاي أنَّـهُ وحـشٌ مـن الـمرتـبةِ الـعالـيـةِ يـوجـدُ فـي عـالـمِ الـشيـاطـين، ويـخافُـهُ الـكثـيـرون.
“آه، اصـمُت! لـماذا تـصـرخُ هـكذا وتـؤذي أذُنـيَّ جـروي الـصغـيـر”
أخـذت دابـين الـوحـشَ مـن لويد بـبـساطةٍ وضـمـتـْهُ لـصـدرِهـا.
“هـذا الـصغـيـرُ طـاقـتُـهُ الـسحريةُ ضـعـيـفة، لـذا تـركـتـْهُ أمُّـه كـانـتِ الـوحوشُ الأخـرى سـتـأكـلُـه، لـكـنَّـني شـعرتُ أنَّ كاي سـتـحـبُّـه. اسـمُـهُ ‘روبـا’، هـا هـا هـا هـا.”
مـسـحـت دابـين عـلى رأسِ “روبـا” وهي تـضحـك.
بـرزتِ الـعروقُ فـي جـبـهةِ لويد بـسببِ الـغضب.
“دابـين، هـذا لـيـسَ جـرواً، بـل وحـش! أعـيـديـهِ فـوراً.”
“آه، لـكـنَّ مـظـهـرَهُ مـثـلُ الـجـرو. مـا المـشـكـلـة؟”
بـدأ الـتوأمُ يـتـبادلانِ نـظراتٍ قـاتـلـة.
وفـي تـلكَ الـلحظة، الـتـقـت عـيـنا روبـا بـعـيـنـي كاي.
كـان الـجروُ يـرتـجفُ أكـثرَ كـلـما لـمـستـهُ دابـين أو صـرخَ لويد.
أدركـت كاي الـسبب: إنـهُ يـرتـجفُ خـوفاً مـن دابـين ولويد، ولـيـسَ مـن الـبرد!
إنَّـهُ مـوقـفُ وحـشٍ مـن المـستـوى الأولِ يـواجهُ وحـوشاً مـن المـستـوياتِ الـعلـيـا.
تـنـهدت كاي وأخـذت الـجروَ مـن بـيـنِ يـديـهِـما.
“إذن، لـنـدخل؟ يـبدو أنَّ مـشاجـرةً سـتـقـعُ هـنا بـعدَ قـلـيل.”
تـركت كاي الـتـوأمَ يـتـشاجرانِ وذهـبـت لـغـرفـتـِها مـع روبـا.
بـعدَ قـلـيـل، دوت أصـواتُ انـفـجاراتٍ وتـحطـيـمٍ لـلـمـبانـي.
يـبدو أنَّ الـصراعَ كـان عـنـيـفاً هـذهِ المـرة، لـأنَّ مـبـنى الـفـرسانِ بـقـيَ تـحـتَ الـترميـمِ لـفـترةٍ طـويـلـة.
التعليقات لهذا الفصل " 37"