رغمَ أنهُ لم يكن ينوي تركَها ترحلُ أصلاً، إلا أنَّ فكرةَ أنَّ أعداءَهُ لن يتركوا كاي وطفلَهُ وشأنَهُما إذا غادرت كاي إلى زيرونيا جعلت قرارَهُ أكثرَ حزماً.
“لا يمكنكِ.”
أمسكت يدٌ قويةٌ بـيدِ كاي.
“لا بأس. سـأشرحُ الأمرَ جيداً إنها مجردُ حادثةٍ عابرة.”
كلا، هو مَن لم يكن بـخيرٍ أبداً.
المرأةُ التي سـتصبحُ أماً لـوريثِ هيلديريوز المستقبليِّ لم تكن تدركُ حجمَ الخطرِ إطلاقاً.
تنهدَ وأخرجَ “لفافةً سحرية” من المساحةِ السحرية.
“لحظة، ماذا تفعل… .”
أمسكَ بـكاي التي كانت تقاومُ بـيدٍ واحدة، ثم نطقَ كلمةَ التفعيلِ وهو يحملُ اللفافة:
“إلى قصرِ دوقيةِ هيلديريوز.”
“لـ… لحظةٍ واحدة!”
مع صوتِ طنينٍ قوي، رُسِمَت دائرةٌ سحريةٌ زرقاءُ تحتَ قدمي لويد وبدأت تلمع.
“لا… مستحيل!”
مع الهالةِ الزرقاء، اختفى لويد مع كاي.
لويد، الشابُّ الذي يفتقرُ لـلخبرة، لم يكن يدركُ أنَّ حملَ امرأةٍ بـالقوةِ وهي تصرخُ رافضةً ونـقلَها مـكانياً يُعدُّ اختطافاً واضحاً.
❁❁❁
كانت قوةُ لفافةِ الانتقالِ المكانيِّ عظيمة.
فـالمسافةُ إلى العاصمةِ التي تستغرقُ خمسةَ أيامٍ بـالعربةِ دونَ توقف، قـطعناها في أقلَّ من عشرِ دقائق.
شعرتُ بـالذهولِ عندما وصلنا إلى داخلِ قصرِ النبلاءِ الفاخرِ والراقي الذي لم أسمع عنهُ إلا في الحكايات.
نعم، أيُّ شخصٍ سـيرتبكُ إذا ظهرَ سيدُهُ فجأةً وهو يحملُ امرأة.
تـفهمتُ مشاعرَ الجدِّ كبيرِ الخدمِ تماماً في سري.
حتى نطقَ لويد بـكلماته:
“إنها السيدةُ التي سـتصبحُ ربةَ منزلِ هذهِ العائلة. إنها تحملُ وريثَ هيلديريوز، لذا اعتنِ بها جيداً.”
ربةُ… منزل؟ تحملُ الوريث؟ يا رجل، لقد أخبرتُكَ أننا نـمنا فقط!
اتسعَ فمي بـسببِ هراءِ كلامِه.
وكان حالُ ألفريد هو نـفسُه.
أيُّ خادمٍ لن ينصدمَ عندما يدخلُ سيدُهُ الشابُّ غيرُ المتزوجِ فجأةً حاملاً امرأةً ويقولُ إنَّ هناكَ طفلاً؟
لم أجدْ كلماتٍ لـأقولَها من شدةِ الذهول.
هل هذا المجنونُ لم يتلقَّ أيَّ نوعٍ من التربيةِ الجنسيةِ إطلاقاً؟
هل يعتقدُ حقاً أنَّ الطفلَ يأتي بـمجردِ نومِ الرجلِ والمرأةِ في نفسِ السرير!
رغمَ أنهُ شخصيةٌ رئيسةٌ في هذهِ الرواية، إلا أنَّ مستوى مـعرفتِهِ الجنسيةِ الذي يشبهُ أطفالَ الروضةِ كان مذهلاً.
بدأتُ أقلقُ بـحقٍّ على مستقبلِ عائلةِ هيلديريوز.
“سـأعودُ بعدَ ترتيبِ الأوضاعِ قريباً، لذا افعلْ ما بـوسعِكَ لـترتاحَ هنا. آه، وبـالأخص، امـنعْ ‘دابين’ من الدخول.”
بعدَ أن أمرَ كبيرَ الخدم، نظرَ إليَّ لويد وهو يخرجُ لفافةً أخرى من المساحةِ السحريةِ وأكملَ كلامه:
“ارتاحي بـهدوء. سـأعودُ بعدَ ترتيبِ كلِّ الأمور.”
اختفى مباشرةً دونَ أن يسمعَ إجابتي.
لويد اللعين! كان عليكَ إرسالي إلى منزلي!
أردتُ أن أصرخَ بـأعلى صوتي وأنا أراهُ يختفي.
لكنني لم أجرؤ على فتحِ فمي أمامَ الجدِّ كبيرِ الخدمِ الذي كان يراقبني بـدقة، فـاكتفيتُ بـالتمتمةِ في سري.
بـفضلِ لويد الذي قالَ ما يريدُ واختفى، سادَ الصمتُ في الغرفة.
كان كبيرُ الخدمِ ألفريد هو مَن كسرَ الصمت.
انحنى لي بـأدبٍ وتحدثَ بـلطف:
“لقد تأخرتُ في التحية. أرجو المعذرةَ على قلةِ أدبي مرحباً بكِ، أنا ألفريد، كبيرُ خدمِ عائلةِ دوقيةِ هيلديريوز. إذا لم يكن هناكَ مانع، هل يمكنني مـعرفةُ اسمِكِ الكريم؟”
بسببِ وقارِ هذا الجدِّ الذي انحنى لي بـكلِّ رسمية، شعرتُ بـالرهبةِ لـلحظةٍ لأنني نـشأتُ في بلدٍ يقدسُ احترامَ الكبار.
“آه! مرحباً. اسمي كاي.”
عندما انحنيتُ لـه بـارتباك، ترددَ لـلحظةٍ ثم ابتسمَ بـإشراق:
“السيدة كاي. تـشرفتُ بـلقائكِ.”
ثم وقعت عيناهُ على قميصِ لويد الذي كنتُ أرتديه، وتحدثَ مـجدداً بـوجهٍ حنون:
“سـأستدعي الخادماتِ لـإحضارِ ملابسَ لـتبديلِ ملابسِكِ وتقديمِ الشاي، فـارتاحي هنا لـقليلٍ من الوقت.”
“آه… لا داعي! أيها الجدُّ ألفريد… أقصد أيها السيدُ كبيرُ الخدم! يبدو أنَّ هناكَ سوءَ فهمٍ ما. لستُ في علاقةٍ كهذهِ مع السيّد لويد ويجبُ عليَّ العودةُ لـمنزلي! أوه… أنا بـحاجةٍ لـلملابسِ فعلاً، لكنَّ الشاي… لا بأس… .”
بعدَ وضعِ الساترِ وحوضِ الاستحمامِ في جانبٍ من الغرفة، وضعنني في الحوضِ الذي تفوحُ منهُ رائحةٌ جميلةٌ ومنثورٌ فيهِ الورد، وبدأنَ بـغسلي بـنشاط.
ولم يتوقفنَ عن تـمليقي بـاستمرار:
“يا إلهي، كيفَ تـكونُ بـشرتُكِ جـميلةً هكذا؟”
“شعرُكِ ناعمٌ ويلمع.”
“عيناكِ تلمعانِ كـالجواهر.”
عندما نظرتُ إلى وجوههن، وجدتهنَّ يبتسمنَ ويـملقنَ بـاستمرار، لكنَّ عيونهنَّ كانت نـصفَ مـيتة.
بما أنني عشتُ حياتي كـعاميةٍ تـعمل، كنتُ أعرفُ هذا الوجهَ جيداً. إنهُ المديحُ “التجاريُّ” الذي يخرجُ من الروحِ المنهكةِ التي تـريدُ العودةَ لـلمنزلِ لكنها تـعملُ لـتعيش.
يا آنسات، لستنَّ بـحاجةٍ لـفعلِ هذا. لا داعي لـكلِّ هذا الجهد.
فقط! أعيدوني لـمنزلي، أرجوكنَّ…!
لكن بـما أنهُ من المستحيلِ أن يـخرجنني من هنا، فـقد استسلمتُ لـلأمرِ الواقع.
بـعدَ الاستحمام، أحضرنَ عطوراً تـبدو غاليةً جداً ودهنَّ بـها جسدي.
فـاحت رائحةٌ جـميلةٌ من نـفسي.
ثم أحضرنَ شـريطَ قياسٍ وقـسنَ جـسدي من كلِّ جانب، وبدأنَ بـإلباسي فـستاناً.
كان الفستانُ المتطايرُ والمصنوعُ من قـماشٍ نـاعمٍ يـصرخُ قـائلاً: “أنا غالي الثمن!”.
هذا… لو بـعتُهُ سـيجلبُ مالاً كـثيراً، أليسَ كذلك؟
بينما كنتُ أفكرُ في بـيعِ الفستانِ والحصولِ على مـبلغٍ جـيدٍ عندَ عودتي لـزيرونيا، أطلقنَ صـيحاتِ إعجابٍ قـائلات:
التعليقات لهذا الفصل " 21"