الفصل 13
على عكسِ ما كنتُ أواسي بهِ نفسي بأنني قد نـجوت، بدأتُ منذُ اليومِ التالي أشعرُ بـنظراتٍ تخترقُ مؤخرةَ رأسي بـقوة.
كانت تلكَ النظراتُ حادةً لدرجة أنني شعرتُ وكأنَّ رأسي سيُثقب.
كنتُ أخمنُ ذلك، لكنَّ صاحبَ تلكَ النظرات لم يكن سوي “لويد هيلديريوز”.
رغم أنني حاولتُ قدرَ الإمكانِ عدمَ الخروجِ والعملِ داخلَ الخيمة، إلا أنني كنتُ أشعرُ بـتلكَ النظراتِ أحياناً، وعندما ألتفتُ خلفي، أجدُ لويد يحدقُ بي بـوجهٍ مخيف.
عند استلامِ الطعام، أو عند تعليقِ الغسيل، أو نقلِ الأمتعة، وحتى عند علاجِ المرضى؛ لم تنتهِ نظراتُهُ المرعبةُ أبداً.
وإذا أضفنا إلى ذلكَ مضايقاتِ المعالجينَ الآخرين، فقد كان الأمرُ يسببُ لي صداعاً مزمناً.
“هي، أنتِ! أيتها المعالجةُ المتوسطة!”
نادى عليَّ المعالجُ المتقدمُ ذو الشعرِ الأشعثِ بـانزعاجٍ شديد، بينما كنتُ أعالجُ مريضاً بـهدوء.
“نعم، هل ناديتني؟”
بما أنَّ مجتمعَ المعالجينَ يعتمدُ على الرتبِ الصارمة، كان عليَّ أن أجيبَ بـ “نعم” وأذهبَ إذا ناداني مَن هو أعلى مني رتبة.
“اغسلي كلَّ هذهِ الأغطية.”
أشارَ بـإصبعِهِ إلى كومةٍ ضخمةٍ من الأغطيةِ الملطخةِ بالدماءِ والقيح.
عادةً ما يقومُ بهذا العملِ المستجدون، أو يكونُ عملاً جماعياً بعدَ انتهاءِ الدوام.
والأهمُّ من ذلك، كانت هناكَ أغطيةٌ نظيفةٌ وفيرة، لذا لم يكن هناكَ سببٌ لغسلِها الآن.
“سأفعلُ ذلكَ لاحقاً. أنا الآنَ أعتني بالمصاب.”
عند ردي، نظرَ المعالجُ المتقدمُ إلى ميكا التي كانت تساعدني، وأمرَ بـخبث:
“هي، أيتها المستجدة اعتني أنتِ بها. يجبُ أن تتعلمي شيئاً هنا.”
بسببِ هذا الأمرِ العبثي، بدأ وجهُ ميكا يحمرُّ من الغضب.
ربما يفعلُ ذلكَ لـاستفزازِ ميكا.
إذا تمردت ميكا على المعالجِ المتقدمِ مرةً أخرى، فقد تُخصمُ من راتبِها بـسببِ عصيانِ الأوامر، أو في أسوأِ الحالات، قد تُسجن.
أدرتُ رأسي بـسرعةٍ وحركتُ شفتي لـميكا دونَ صوت:
‘اصبري!’
يبدو أنَّ ميكا رأت حركةَ شفتي، فتغيرَ تعبيرُ وجهِها وكأنها تقول: ‘لـ… لكن!’.
‘قلتُ لكِ اصبري!’
بسببِ إلحاحِ حركاتِ فمي، اقتربت في النهايةِ من المريضِ وهي تبدو كـجروٍ حزين.
أدرتُ وجهي بـسرعةٍ وابتسمتُ للمعالجِ المتقدمِ قائلة:
“حسناً، سأذهبُ لغسلِ الأغطية، أيها المعالجُ.”
توجهتُ نحو البئرِ وأنا أحملُ الأغطيةَ القذرة.
بما أنهُ لا توجدُ غسالاتٌ في هذا العالم، كان عليَّ الغسلُ يدوياً.
وهذا يعني استخدامَ يديَّ وقدميَّ للفركِ بـقوة.
آه، حتى عندما كنتُ مستجدةً لم أغسلِ الأغطيةَ إلا مراتٍ قليلة، وها أنا أفعلُ ذلكَ هنا.
سحبتُ الأغطيةَ التي تنبعثُ منها رائحةُ الدماءِ والقيحِ إلى وعاءٍ ضخمٍ وسكبتُ عليها الماء.
ثم وضعتُ الكثيرَ من مسحوقِ الصابون، وشمرتُ عن يديَّ وقدميَّ، وبدأتُ أدهسُ الأغطيةَ بـقوةٍ وكأنها وجهُ ذلكَ المعالجِ الأشعث.
أيها اللعينُ ذو الشعرِ الأشعث! تجبرُ كادراً موهوباً على العملِ الشاقِ فقط لتزعجَه!
لا، بل الشخصُ الأسوأُ هو مديرُ المركزِ الأصلع! يرسلني مع مستجدةٍ إلى مكانٍ كهذا فقط لأنني تصرفتُ بـطيشٍ وأنا ثمينة، سحقاً!
تحولَ كرهي من المعالجِ الأشعثِ إلى مديرِ مركزِ جيرونيا الذي أرسلني إلى هنا.
بسببِ ركلاتي القوية، بدأتِ الأغطيةُ القذرةُ تصبحُ ناصعةَ البياض.
بينما كنتُ أغسلُ الأغطيةَ بـدهسِها بـقوة، شعرتُ مرةً أخرى بـتلكَ النظراتِ المرعبةِ تخترقُ مؤخرةَ رأسي.
عندما نظرتُ بـطرفِ عيني، وجدتُ لويد واقفاً من بعيدٍ وهو يكتفُ ذراعيهِ ويحدقُ بي بـتعبيرٍ يوحي بـالقتلِ في أيِّ لحظة.
‘آه… ها هو ذا ينظرُ إليَّ مجدداً.’
في البداية، كانت نظراتُهُ ترعبني لدرجةِ الارتجاف.
لكنَّ الأمرَ زادَ عن حدِّه.
أنا غاضبةٌ بالفعلِ من المعالجِ المتقدمِ ومديرِ المركز، ومتعبةٌ من الغسيل، لذا بدأتُ أشعرُ بـالانزعاجِ من نظراتِ القتلِ هذه.
“خـذي هذه!”
بدأتُ أدهسُ الأغطيةَ بـعنفٍ وكأنها لويد.
عندما علقتُ الأغطيةَ البيضاءَ على الحبال، كانت نظراتُ لويد قد اختفت.
بدأت السماءُ تتلونُ بـحمرةِ الغروبِ فوقَ الأغطيةِ المتطايرة.
بينما كنتُ أنظفُ الوعاءَ وأستعدُّ للعودة للخيمة، جاءت ميكا وهي تركضُ وتبكي.
“آنسة كاي…! آآآآه، أنا آسفة. كلُّ هذا بـسببي.”
يبدو أنها عانت كثيراً داخلَ الخيمة، فكان زيُّها مبللاً بـعرقِ التعب.
“آآآآه، لقد ظلَّ ذلكَ المعالجُ المتقدمُ يوبخني على مهارتي، وطلبَ مني أن أكونَ مجردَ خادمةٍ وأنقلَ صناديقَ الجرعاتِ باستمرار. آآآآه.”
آه، أيها المعالجُ المتقدمُ اللعين.
إذا مرَّت الأمورُ مع لويد بـسلام، فسأعودُ لـجيرونيا وأخوضُ اختبارَ الترقيةِ فوراً.
ثم سأصبحُ رئيستَهُ وأذيقهُ الويلات.
قبضتُ على يدي بـقوة.
استلمتُ وجبةَ عشاءٍ بسيطةٍ وجلستُ على طاولةٍ خشبيةٍ في الساحةِ وبدأتُ آكل.
فجأةً فتحت ميكا فمَها وهي تمضغُ طعامَها:
“بالمناسبة، بخصوصِ السيدِ لويد. ظننتُ في البدايةِ أنهُ يحدقُ بكِ بـسببِ اهتمامِهِ بكِ، أليس كذلك؟”
نظرت ميكا بـطرفِ عينِها إلى لويد الذي ظهرَ فجأةً ووقفَ بعيداً يحدقُ بي، ثم أكملت:
“لكن إذا كان مهتماً، فلن يحدقَ بـنظراتِ قتلٍ كهذه.”
بالطبع، أيُّ مجنونٍ يعبرُ عن إعجابِهِ بـنظراتِ قتلٍ كهذه.
“هل يعقلُ…!”
توقفتُ عن الأكلِ ونظرتُ لميكا، فأكملت بـسرعة:
“هل قتلتِ والدَيْ السيدِ لويد؟”
هممم، كان سؤالاً قريباً جداً من الحقيقةِ لدرجةِ أنهُ أثارَ اهتمامي.
قبلَ العودةِ بالزمن، قامتِ الشريرةُ التي تملكُ وجهي بـتسميمِ والدي لويد.
“أو هل أنتِ عدوةُ عائلةِ هيلديريوز؟”
وهذا أيضاً صحيح، لقد دمرتُ العائلةَ تماماً.
لكنها كانت أسئلةً لا يمكنني الإجابةُ عليها.
عندما لم أبْدِ أيَّ ردةِ فعل، بدأت ميكا تتخيلُ وتتوقعُ بـنفسِها.
بدأت تطرحُ فرضياتٍ عجيبة، مثلَ أنني كنتُ أواعدُ لويد وخُنتُه، أو أنني هربتُ بـكنزِ عائلةِ هيلديريوز.
أنهيتُ طعامي بـصمتٍ وعدتُ للخيمةِ تاركةً ميكا تثرثرُ بـفرضياتِها الغريبة.
يبدو أنَّ ميكا لم تكنِ الوحيدةَ التي لاحظت نظراتِ لويد، فقد كان الآخرونَ يتهامسونَ بـشأني.
وبما أنهُ لم يكن هناكَ مكانٌ للاختباءِ أو الهرب، استسلمتُ وقررتُ التركيزَ على عملي.
بينما كنتُ أعالجُ جندياً مصاباً بـجرحٍ في ذراعهِ داخلَ الخيمة، ظهرَ ظلٌّ ضخمٌ أمامي.
رفعتُ رأسي لأرى ما الخبر، فوجدتُ لويد بـجسدِهِ الضخمِ واقفاً هناك.
رغم أنني اعتدتُ على نظراتِه، إلا أنَّ رؤيتَهُ عن قربٍ جعلت قلبي يرتجفُ خوفاً من أنهُ سـيقتلني الآن.
رفعَ يده. أغمضتُ عيني بـقوةٍ ظناً مني أنهُ سـيقتلني.
مرَّ الوقتُ ولم أشعرْ بـألم، ففتحتُ عيني بـبطءٍ لأجدهُ يمدُّ يدَهُ نحوي.
“ما… الخطب؟”
عند سؤالي، قربَ يدَهُ أكثرَ وقال:
“أطلبُ منكِ العلاج.”
كان هناكَ خدشٌ صغيرٌ جداً على يده.
ماذا؟ هذا الرجل، هناكَ شخصٌ بـذراعٍ مكسورةٍ أمامَه، ويطلبُ مني علاجَ خدشٍ تافهٍ كهذا؟
نظرتُ بـذهولٍ إلى الخدشِ الصغير، فركضَ المعالجُ المتقدمُ الذي كان يراقبُ الموقفَ وهو يلهثُ وقال:
“سيدي لويد! أـ… أنا سأعالجك! هذهِ المعالجةُ المتوسطةُ لا تعرفُ شيئاً.”
حسناً، إذا كنتَ ستحلُّ المشكلة، فهذا يسعدني.
هززتُ كتفيَّ وأردتُ الالتفات، لكنَّ لويد قال بـصوتٍ صارم:
“أنتِ عالجيني.”
كانت نظرات لويد موجهةً إليَّ.
❁❁❁
بعدما انسحبَ المعالجُ المتقدمُ بـوجهٍ محرجٍ عقبَ رفضِ لويد.
نظرتُ مجدداً للخدش، لقد كان حقاً مجردَ خدشٍ بسيط.
وكأنَّ ورقةً جرحت يدَه.
‘أعتقدُ أنَّ هذا لا يحتاجُ لعلاج…؟’
لكن لويد الذي أمامي كان ضخماً ومخيفاً لدرجة لا تسمحُ لي بـقول ذلك.
وقفتُ بـتثاقل وقلت:
“اتبعني.”
تبعني لويد بـهدوء.
أخرجتُ المظهرَ من مستودعِ الأدوية.
عندما أمسكتُ بـيدِ لويد المصابة، ارتجفَ لـلحظة.
وبينما كنتُ أضعُ المطهرَ على القطن، قلتُ بـصوتٍ عمليٍّ لكنهُ لطيفٌ قدرَ الإمكان:
“سيكونُ مؤلماً قليلاً.”
رأيتُ عن قربٍ يدَهُ الكبيرةَ المليئةَ بـجروحٍ صغيرةٍ وكبيرة.
هل هي أدلةٌ على المعاركِ الكثيرةِ التي خاضها؟
بينما كنتُ أضعُ المطهر، شعرتُ بـنظراتِهِ تخترقني.
تجاهلتُ نظراتِه ووضعتُ ضمادةً فوقَ الجرح.
“انتهى العلاج.”
عند قولي هذا، قال بـاستغراب:
“هل هذا كلُّ شيء؟”
إذن، ماذا تريدُ أكثر؟
نظرتُ لوجهِهِ بـتعبيرٍ يسألُ عما يريده، ثم خفضتُ نظري بـسرعة.
مَن يدري، فقد يقطعُ رأسي لأنني عالجتُهُ بـهذهِ الطريقة…
تحدثَ لويد وهو ينظرُ لـوجهي بـدقة:
“ألن تستخدمي سحرَ الشفاء؟”
مجنون، هل تريدُ سحرَ شفاءٍ لـخدشٍ كهذا؟
أردتُ قولَ شيءٍ ما، لكنني في موقعِ الضعف، لذا أجبتُ بـهدوءٍ وموضوعية:
“لا نستخدمُ سحرَ الشفاءِ للخدوشِ البسيطةِ إلا في حالاتِ الطوارئ. إلا إذا كانت الحالةُ خطيرةً كالفارسِ الذي كان سيفُهُ يخترقُ ذراعه.”
عند ردي، سحبَ فجأةً السيفَ من خصرِه.
هل سـيقتلني لأنني لم أستخدمْ سحرَ الشفاء؟
انكمشتُ بـشكلٍ لا إراديٍّ وأغمضتُ عيني.
يا للسوء!
سُمِعَ صوتُ اختراقِ اللحم.
ثم ضربَ صوت لويد المنخفضُ طبلةَ أذني:
“عالجيني.”
فتحتُ عيني، فوجدتُ هذا المجنونَ قد طعنَ يدَهُ بـسيفِهِ ليصنعَ جرحاً عميقاً.
كان الجرحُ عميقاً لدرجةِ رؤيةِ العظمِ الأبيض.
مدَّ لويد يدَهُ التي يتدفقُ منها الدمُ الأحمرُ القاني أمامَ وجهي.
… أليسَ هذا الرجلُ مجنوناً تماماً؟ يقولونَ إنهُ هائجٌ بـسببِ الدماءِ مؤخراً، ويبدو أنهُ جُنَّ حقاً.
أمسكتُ بـيدِهِ بـسرعةٍ وصرخت:
[شفاء!]°
ظهرَ ضوءٌ ساطعٌ من تحتِ يدي وبدأ الجرحُ يلتئم.
حاولتُ تجنبَ نظراتِ لويد التي تراقبني بـحدة.
بدأ العرقُ الباردُ يتصببُ من جبيني.
تحدثَ وهو ينظرُ لـسحرِ الشفاءِ الخاصِ بي:
“أنتِ تعالجينَ بـاستخدامِ ‘المانا’ وليسَ ‘القوة المقدسة’.”
واو، هل يمكنُهُ معرفةُ ذلكَ بـمجردِ النظر؟
عادةً لا يعرفُ الناسُ العاديونَ ما إذا كنتُ أستخدمُ القوةَ المقدسةَ أم المانا عند إلقاءِ سحرِ الشفاء.
لكي يعرفَ هذا، يجبُ أن يكونَ ساحراً بـمستوىً عالٍ جداً.
لم يعرفْ أحدٌ من السحرةِ أو الكهنةِ أو المعالجينَ الذين قابلتُهم هذا الأمرَ من قبل، فعلاً إنهُ البطلُ الموهوبُ في السحرِ أيضاً.
ترددتُ ثم أجبته:
“لقد تعلمتُ ذلكَ هكذا منذُ صغري.”
ساد الصمتُ لـلحظةٍ بعدَ إجابتي.
ثم فتحَ فمَهُ مجدداً وسأل:
“هل والداكِ على قيدِ الحياة؟”
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 13"