الفصل 126
ارْتَجَفَ الخَادِمُ رُعْبًا، ثُمَّ أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ بِقُوَّةٍ وَصَرَخَ:
“عَلَيْكِ الِاسْتِعْدَادُ لِحَفْلِ الخُطُوبَةِ!”
تَوَقَّفَتْ حَرَكَةُ دَابيِينَ فَجْأَةً عِنْدَ صِيَاحِ الخَادِمِ.
“مَاذَا؟ حَفْلُ خُطُوبَةٍ؟”
حَوَّلَتْ نَظَرَهَا بِسُرْعَةٍ إِلَى التَّقْوِيمِ المَوْضُوعِ عَلَى المَكْتَبِ.
كَانَ هُنَاكَ دَائِرَةٌ حَمْرَاءُ حَوْلَ تَارِيخِ اليَوْمِ تَمَامًا.
“آااخ! إِنَّهُ اليَوْمُ؟ مَا هَذَا، كَيْفَ تُخْبِرُنِي بِهَذَا الآنَ فَقَطْ؟”
نَهَضَتْ دَابيينُ مُسْرِعَةً مِنْ مَكَانِهَا وَهِيَ تَصْرُخُ فِي الخَادِمِ.
حِينَهَا بَدَا عَلَى الخَادِمِ الشُّعُورُ بِالظُّلْمِ وَقَالَ بِنَبْرَةِ اسْتِعْطَافٍ:
“لَقَدْ كُنْتُ أُخْبِرُكِ مُنْذُ أُسْبُوعٍ، وَبِاسْتِمْرَارٍ! لَكِنَّ السَّيِّدَةَ دَابيينَ قَالَتْ إِنَّنِي مُزْعِجٌ… ثُمَّ أَلْقَيْتِ سِحْرَ الصَّمْتِ عَلَى كَبِيرِ الخَدَمِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟”
…هَلْ حَدَثَ ذَلِكَ؟
فَجْأَةً، تَرَاءَى لِـدَابيِينَ خَيَالٌ مِنْ ذَاكِرَتِهَا المُشَوَّشَةِ وَهِيَ تُلْقِي سِحْرًا عَلَى شَخْصٍ مَا كَانَ يَلُغُّ بِثَرْثَرَةٍ مُزْعِجَةٍ.
‘آه، لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّهُ كَبِيرُ الخَدَمِ’.
نَقَرَتْ دَابيينُ بِلِسَانِهَا، ثُمَّ التَفَتَتْ بِوَجْهٍ مَذْهُولٍ نَحْوَ الإِمْبِرَاطُورة الَّتِي كَانَت تجْلِسُ بِجَانِبِهَا.
“عَمَّتِي، لَيْسَ هَذَا وَقْتَ الجُلُوسِ! هَيَّا اسْتَعِدِّي بِسُرْعَةٍ…”
ثُمَّ قَطَّبَتْ حَاجِبَيْهَا.
“مَا هَذَا، مَتَى أَنْهَيْتِ اسْتِعْدَادَكِ يَا عَمَّتِي؟”
لَقَدْ كَانَتْ عَمَّتُهَا مُتَأَنِّقَةً تَمَامًا مِنْ رَأْسِهَا حَتَّى أَخْمَصِ قَدَمَيْهَا، بِشَكْلٍ يُثِيرُ الغَيْظَ.
“دَابيينُ. لَقَدْ كُنْتُ أَتَحَدَّثُ إِلَيْكِ مُنْذُ قَلِيلٍ، لَكِنَّكِ مَنْ تَجَاهَلَنِي وَاسْتَمَرَّ فِي العَمَلِ”.
تَذَكَّرَتِ الآنَ أَنَّ الإِمْبِرَاطُورَة كَانَتْ تُحَادِثُهَا بِاسْتِمْرَارٍ.
لَكِنْ لِكَثْرَةِ المَهَامِّ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا إِنْهَاؤُهَا خِلَالَ هَذَا الأُسْبُوعِ، كَانَتْ تَسْمَعُ الكَلَامَ دُونَ تَرْكِيزٍ وَتَطْلُبُ مِنْهَا الِانْتِظَارَ، وَلَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ أَنَّ الأَمْرَ يَتَعَلَّقُ بِحَفْلِ الخُطُوبَةِ.
‘لَا يُمْكِنُنِي الغِيَابُ عَنْ حَفْلِ خُطُوبَةِ صَدِيقَتِي الوَحِيدَةِ’.
غَادَرَتْ دَابيينُ المَكْتَبَ مُسْرِعَةً.
❁❁❁
فِي مَنْزِلِ هِيْلْدِيرِيُوز، الَّذِي لَمْ يُقَمْ فِيهِ حَتَّى حَفْلُ شَايٍ وَاحِدٌ لِمُدَّةِ عَشْرِ سَنَوَاتٍ، أُقِيمَتْ مُنَاسَبَةٌ ضَخْمَةٌ.
لَقَدْ كَانَ حَفْلَ خُطُوبَةِ دُوقِ هِيْلْدِيرِيُوز الَّذِي وَرِثَ اللَّقَبَ لِتَوِّهِ.
بَذَلَ كُلُّ نُبَلَاءِ القَارَّةِ وَأَفْرَادِ العَائِلَاتِ المَلَكِيَّةِ قُصَارَى جُهْدِهِمْ لِحُضُورِ الحَفْلِ، رَغْبَةً فِي تَرْكِ انْطِبَاعٍ جَيِّدٍ لَدَى عَائِلَةِ هِيْلْدِيرِيُوز الَّتِي تُعَدُّ الآنَ مِنْ أَقْوَى القُوَى فِي الإِمْبِرَاطُورِيَّةِ.
لَكِنَّ هَذَا الحَفْلَ لَمْ يَكُنْ مُتَاحًا لِلْجَمِيعِ.
فَقَطْ عَدَدٌ قَلِيلٌ جِدًّا مِنَ المَدْعُوِّينَ كَانَ بِمَقْدُورِهِمُ الحُضُورُ.
‘وَأَنَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ طَبْعًا’.
مَسَحَ المَارْكِيزُ غُونْزَالِيسُ لِحْيَتَهُ بِيَدِهِ السَّمِينَةِ.
وَأَمَامَهُ كَانَ الزَّوْجَانِ لِيتْرِي يَتَمَلَّقَانِهِ لِكَسْبِ رِضَاهُ.
“إِذَنْ، هَلْ أَنْتُمْ مُتَأَكِّدُونَ أَنَّنَا نَسْتَطِيعُ حُضُورَ حَفْلِ الخُطُوبَةِ؟”
عِنْدَمَا سَأَلَ المَارْكِيزُ، هَزَّ المَارْكِيزُ لِيتْرِي رَأْسَهُ بِاسْتِمْرَارٍ مُؤَكِّدًا:
“أُوه، بِالطَّبْعِ! فَالمُعَالِجَةُ الشَّهِيرَةُ فِي فِرْقَةِ الفُرْسَانِ الأُولَى لِـهِيْلْدِيرِيُوز هِيَ ابْنَتُنَا!”
أَوْمَأَتْ زَوْجَةُ المَارْكِيزِ تَأْكِيدًا لِكَلَامِهِ.
“لَكِنْ لِمَاذَا لَا تَمْلِكُونَ دَعْوَةً؟”
عِنْدَ هَذَا السُّؤَالِ، تَبَادَلَ الزَّوْجَانِ لِيتْرِي النَّظَرَاتِ.
ابْنَتُهُمَا، لُوسِي لِيتْرِي، مُنْذُ لَحْظَةِ دُخُولِهَا إِلَى هِيْلْدِيرِيُوز، أَرْسَلَتْ لَهُمَا رِسَالَةً تَقْطَعُ فِيهَا رَابِطَةَ البُنُوَّةِ تَمَامًا.
وَمُنْذُ ذَلِكَ الحِينِ، لَمْ تُجِبْ عَلَى أَيِّ رِسَالَةٍ أَرْسَلَاهَا إِلَيْهَا.
لَيْسَ هَذَا فَحَسْبُ، بَلْ قَطَعَتْ أَيْضًا المَالَ الَّذِي كَانَتْ تُرْسِلُهُ شَهْرِيًّا.
وَبِسَبَبِ ذَلِكَ، غَرِقَتْ عَائِلَةُ المَارْكِيزِ فِي دُيُونٍ هَائِلَةٍ.
‘لَا تَعْرِفُ فَضْلَ تَرْبِيَتِنَا لَهَا، يَا لَهَا مِنْ لَئِيمَةٍ’.
لَكِنَّ الزَّوْجَيْنِ كَانَا يَعْرِفَانِ ابْنَتَهُمَا جَيِّدًا.
فَهِيَ عِنْدَمَا يَتَظَاهَرُ أَفْرَادُ عَائِلَتِهَا بِالبُؤْسِ وَيَتَوَسَّلُونَ إِلَيْهَا لِلْمُسَاعَدَةِ، وَعِنْدَمَا يُعَامِلُونَهَا بِلُطْفٍ قَلِيلٍ، فَإِنَّهَا تُنَفِّذُ لَهُمْ كُلَّ مَا يَطْلُبُونَ.
ابْتَسَمَ الزَّوْجَانِ لِبَعْضِهِمَا ثُمَّ نَظَرَا إِلَى المَارْكِيزِ غُونْزَالِيسُ.
“ابْنَتُنَا مَشْغُولَةٌ جِدًّا بِأَعْمَالِ فِرْقَةِ الفُرْسَانِ لِدَرَجَةِ أَنَّهَا نَسِيَتِ الأَمْرَ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ كَمَا تَعْلَمُ، العَمَلُ فِي هِيْلْدِيرِيُوز شَاقٌّ جِدًّا. لَكِنْ لَا بَأْسَ، بِمُجَرَّدِ ذِكْرِ اسْمِ ابْنَتِنَا سَيَسْمَحُونَ لَنَا بِالدُّخُولِ فَوْرًا”.
عِنْدَمَا أَجَابَتْ زَوْجَةُ المَارْكِيزِ بِمَكْرٍ، أَوْمَأَ المَارْكِيزُ غُونْزَالِيسُ بِرَأْسِهِ.
يَا لَهَا مِنْ فُرْصَةٍ ذَهَبِيَّةٍ.
مُعَالِجَةُ فِرْقَةِ فُرْسَانِ هِيْلْدِيرِيُوز.
ابْتَسَمَ المَارْكِيزُ غُونْزَالِيسُ.
أَخُوهُ بِيدُور غُونْزَالِيسُ كَانَتْ لَهُ عَلَاقَةٌ سَيِّئَةٌ مَعَ ابْنَةِ الدُّوقِ السَّابِقَةِ، الَّتِي أَصْبَحَتِ الآنَ وَلِيَّةً لِلْعَهْدِ.
لَقَدْ كَسَرَتْ عِظَامَ مِعْصَمِهِ عِنْدَمَا حَاوَلَ التَّعَرُّضَ لِخَطِيبَةِ الدُّوقِ الحَالِيِّ.
‘أَيُّهَا الأَحْمَقُ، أَنْ يَتَسَبَّبَ فِي مِثْلِ تِلْكَ المُشْكِلَةِ’.
لِذَلِكَ، كَانَ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الفُرْصَةِ أَنْ يَنَالَ رِضَا دُوقِ هِيْلْدِيرِيُوز وَوَلِيَّةِ العَهْدِ.
لَقَدْ أَصْبَحَتْ هِيْلْدِيرِيُوز الآنَ مَرْكَزَ السُّلْطَةِ.
وَبِمَا أَنَّ عَائِلَةَ غُونْزَالِيسُ سَقَطَتْ مِنْ نَظَرِهِمْ بِسَبَبِ بِيدُور، فَقَدْ كَانُوا فِي حَاجَةٍ مَاسَّةٍ لِفُرْصَةٍ لِلتَّكْفِيرِ عَمَّا حَدَثَ.
وَبِهَذَا المَعْنَى، كَانَ حَفْلُ خُطُوبَةِ الدُّوقِ هُوَ الفُرْصَةَ المِثَالِيَّةَ حَقًّا.
لَكِنَّ المُشْكِلَةَ كَانَتْ فِي صُعُوبَةِ الحُصُولِ عَلَى دَعْوَةٍ لِلْحَفْلِ، وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ ظَهَرَ الزَّوْجَانِ لِيتْرِي.
لَقَدْ كَانَا شَخْصِيَّتَيْنِ مَشْهُورَتَيْنِ فِي المَجْتَمَعِ المَخْمَلِيِّ، بَلْ وَسَيِّئَيِ السُّمْعَةِ بِسَبَبِ رَغْبَتِهِمَا فِي بَيْعِ ابْنَتِهِمَا لِأَيِّ نَبِيلٍ ذِي مَنْصِبٍ عَالٍ، دُونَ الِاكْتِرَاثِ بِعُمْرِهِ أَوْ حَالَتِهِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ أَوْ حَيَاتِهِ الخَاصَّةِ.
وَلَكِنْ مُؤَخَّرًا، ارْتَقَتِ ابْنَتُهُمَا بِنَفْسِهَا فِي المَكَانَةِ، وَنَالَتْ مَنْصِبَ مُعَالِجَةِ عَائِلَةِ هِيْلْدِيرِيُوز.
بَلْ وَقَالُوا إِنَّهَا تَمْلِكُ صَدَاقَةً وَطِيدَةً جِدًّا مَعَ المَرْأَةِ الَّتِي سَتُصْبِحُ دُوقَةَ هِيْلْدِيرِيُوز القَادِمَةَ.
مُنْذُ تِلْكَ اللَّحْظَةِ تَغَيَّرَا.
بَدَأَا يَهْتَمَّانِ بِالعُمْرِ وَالحَالَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، وَأَصْبَحَا يَبْحَثَانِ عَنِ العُزَّابِ فَقَطْ.
حَسَنًا، لَقَدْ تَغَيَّرَتِ الشُّرُوطُ قَلِيلًا، لَكِنْ فِي نَظَرِ المَارْكِيزِ غُونْزَالِيسُ، لَمْ يَتَغَيَّرْ فِيهِمَا شَيْءٌ؛ فَقَدْ كَانَا لَا يَزَالَانِ يُفَكِّرَانِ فِي جَنْيِ أَمْوَالٍ طَائِلَةٍ بِاسْتِخْدَامِ ابْنَتِهِمَا.
لَمْ يَبْحَثَا عَنْ شَخْصٍ قَدْ يَرْغَبُ فِيهِ أَيُّ وَالِدَيْنِ طَبِيعِيَّيْنِ، بَلْ كَانَا يَبْحَثَانِ عَمَّنْ لَدَيْهِ عَيْبٌ مَا وَيَمْلِكُ الكَثِيرَ مِنَ المَالِ.
نَعَمْ، شَخْصٌ مِثْلَهُ تَمَامًا.
لَقَدْ كَانَ يَمْلِكُ أَرَاضِيَ وَاسِعَةً وَأَمْوَالًا طَائِلَةً، وَفِي الأَوْرَاقِ الرَّسْمِيَّةِ كَانَ أَعْزَبَ.
رُغْمَ أَنَّهُ كَانَ يَتَحَرَّشُ بِكُلِّ الخَادِمَاتِ فِي قَصْرِهِ وَلَدَيْهِ العَدِيدُ مِنَ الأَبْنَاءِ غَيْرِ الشَّرْعِيِّينَ.
عَلَى أَيِّ حَالٍ، كَانَ صِهْرًا مِثَالِيًّا لِذَوْقِ الزَّوْجَيْنِ لِيتْرِي، وَلِأَنَّهُمَا لَيْسَا وَالِدَيْنِ طَبِيعِيَّيْنِ، فَقَدْ وَافَقَا عَلَى هَذَا الزَّوَاجِ.
لِأَنَّ المَارْكِيزَ قَدَّمَ مَبْلَغًا خُرَافِيًّا يَكْفِي لِسَدَادِ دُيُونِهِمَا وَيَفِيضُ.
أَرْسَلَ المَارْكِيزُ غُونْزَالِيسُ رِسَالَةَ طَلَبِ زَوَاجٍ بِسُرْعَةٍ، وَوَقَّعَ الزَّوْجَانِ لِيتْرِي عَلَيْهَا دُونَ أَخْذِ إِذْنِ لُوسِي.
الآنَ، لَمْ يَبْقَ سِوَى لِقَائِهَا بِشَكْلٍ طَبِيعِيٍّ فِي حَفْلِ خُطُوبَةِ هِيْلْدِيرِيُوز وَإِتْمَامِ الزَّوَاجِ.
لَا يَهُمُّ إِنْ عَارَضَتْ لُوسِي، فَقَدْ دَفَعَ الثَّمَنَ بَالِفِعْلِ.
ابْتَسَمَ وَالِدَا لُوسِي.
وَبَعْدَ قَلِيلٍ، تَوَقَّفَتِ العَرَبَةُ أَمَامَ قَاعَةِ حَفَلَاتِ هِيْلْدِيرِيُوز.
وَكَانَ هُنَاكَ خَادِمٌ يَتَحَقَّقُ مِنَ الدَّعَوَاتِ أَمَامَ القَاعَةِ المُزَيَّنَةِ بِجَمَالٍ.
“يُرْجَى إِبْرَازُ بِطَاقَةِ الدَّعْوَةِ”.
عِنْدَ كَلَامِ الخَادِمِ، اقْتَرَبَتْ زَوْجَةُ المَارْكِيزِ لِيتْرِي وَهِيَ تَبْتَسِمُ:
“أُوه، تَبْدُو مُتْعَبًا. فِي الحَقِيقَةِ، لَقَدْ نَسِيتُ الدَّعْوَةَ لَكِنْ…”
عِنْدَ ذَلِكَ، تَغَيَّرَتْ مَلَامِحُ الخَادِمِ الوَدُودَةُ وَأَصْبَحَتْ جَادَّةً وَسَدَّ المَدْخَلَ:
“أَنَا آسِفٌ. لَا يُمْكِنُ لِمَنْ لَا يَحْمِلُ دَعْوَةً الدُّخُولُ إِلَى هُنَا”.
عِنْدَ سَمَاعِ كَلَامِ الخَادِمِ القَاسِي، نَظَرَتْ زَوْجَةُ المَارْكِيزِ إِلَى المَارْكِيزِ غُونْزَالِيسُ وَزَوْجِهَا بِتَرَدُّدٍ، ثُمَّ نَظَرَتْ إِلَى الخَادِمِ مَرَّةً أُخْرَى:
“يَا هَذَا، أَلَا تَعْرِفُ مَنْ أَنَا؟ أَنَا أُمُّ لُوسِي لِيتْرِي المُعَالِجَةِ فِي فِرْقَةِ الفُرْسَانِ هُنَا”.
تَوَقَّفَ الخَادِمُ لِلَحْظَةٍ عِنْدَ سَمَاعِ اسْمِ لُوسِي، وَتَفَرَّسَ فِي وَجْهِ زَوْجَةِ المَارْكِيزِ.
“هَلْ أَنْتِ وَالِدَةُ السَّيِّدَةِ لُوسِي؟”
لَقَدْ نَجَحَ الأَمْرُ! يَبْدُو أَنَّ الخَادِمَ عَرَفَ مَنْ تَكُونُ.
ارْتَسَمَتْ مَلَامِحُ الفَخْرِ فَوْرًا عَلَى وَجْهَيِ الزَّوْجَيْنِ لِيتْرِي.
‘هَكَذَا نَدْخُلُ إِذَنْ’.
لَكِنْ سُرْعَانَ مَا تَحَطَّمَتْ آمَالُهَا بِسَبَبِ كَلَامِ الخَادِمِ التَّالِي:
“أَنَا آسِفٌ. لَقَدْ سَمِعْتُ مِنَ السَّيِّدَةِ لُوسِي أَنَّ لَيْسَ لَدَيْهَا وَالِدَانِ. لِذَلِكَ لَا يُمْكِنُنِي السَّمَاحُ لَكُمْ بِالدُّخُولِ”.
صَرَخَ المَارْكِيزُ غُونْزَالِيسُ الَّذِي كَانَ يَسْتَمِعُ بِصَمْتٍ:
“مَا هَذَا الكَلَامُ!”
عِنْدَمَا صَرَخَ المَارْكِيزُ غُونْزَالِيسُ، حَاوَلَ المَارْكِيزُ لِيتْرِي تَهْدِئَتَهُ وَهُوَ يَرْتَجِفُ.
فِي تِلْكَ الأَثْنَاءِ، أَمْسَكَتْ زَوْجَةُ المَارْكِيزِ بِكُمِّ الخَادِمِ وَهِيَ تَهْمِسُ بِوَجْهٍ يَتَوَسَّلُ:
“لَا يَا بُنَيَّ. لَا بُدَّ أَنَّ هُنَاكَ خَطَأً مَا. نَعَمْ! نَادِ لِي المُعَالِجَةَ لُوسِي، نَادِهَا فَوْرًا!”
لَكِنَّ الخَادِمَ كَانَ حَازِمًا:
“أَنَا آسِفٌ يَا سَيِّدَةُ. يُرْجَى مِنْكُمْ المُغَادَرَةُ”.
عِنْدَ رُؤْيَةِ نَظَرَاتِ الخَادِمِ البَارِدَةِ، صَرَخَ المَارْكِيزُ غُونْزَالِيسُ بِغَضَبٍ:
“إِيك! اسْمَعْ أَيُّهَا العَامِّيُّ! أَتَعْرِفُ مَنْ أَنَا؟ كَيْفَ تَجْرُؤُ عَلَى النَّظَرِ إِلَيَّ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ! أَنَا المَارْكِيزُ غُونْزَالِيسُ!”
عِنْدَمَا أَشَارَ المَارْكِيزُ بِإِصْبَعِهِ، انْحَنَى الخَادِمُ بِوَجْهٍ يُوحِي بِأَنَّهُ وَقَعَ فِي وَرْطَةٍ، وَظَلَّ يُكَرِّرُ كَلِمَةَ “أَنَا آسِفٌ”.
“هَلْ كَلِمَةُ ‘آسِفٌ’ تَكْفِي؟ نَادِ لِي المُعَالِجَةَ لُوسِي! أَنَا زَوْجُهَا المُسْتَقْبَلِيُّ!”
أَخْرَجَ المَارْكِيزُ وَرَقَةَ طَلَبِ الزَّوَاجِ الَّتِي كَانَتْ مَعَهُ وَمَدَّهَا لِلْخَادِمِ.
وَفِي اللَّحْظَةِ الَّتِي قَطَّبَ فِيهَا الخَادِمُ حَاجِبَيْهِ وَهَمَّ بِمُنَادَاةِ الفُرْسَانِ.
“مَاذَا تَفْعَلُونَ هُنَا الآنَ؟”
ظَهَرَتْ لُوسِي أَمَامَهُمْ تَمَامًا.
كَانَتْ تَرْتَدِي فُسْتَانَ سَهْرَةٍ وَرْدِيًّا بِلَوْنِ شَعْرِهَا، بِصِفَتِهَا إِحْدَى وَصِيفَاتِ حَفْلِ الخُطُوبَةِ اليَوْمَ.
‘إِنَّهَا أَبْهَى مِمَّا تَخَيَّلْتُ’.
تَفَرَّسَ المَارْكِيزُ غُونْزَالِيسُ فِي جَسَدِ لُوسِي مِنْ أَعْلَى إِلَى أَسْفَلَ ثُمَّ ابْتَسَمَ وَلَعَقَ شَفَتَيْهِ.
ثُمَّ رَسَمَ ابْتِسَامَةً لَزِجَةً وَانْحَنَى أَمَامَهَا بِتَكَلُّفٍ:
“عَزِيزَتِي الآنِسَةُ لِيتْرِي، أَخِيرًا التَقَيْنَا. أَنَا المَارْكِيزُ غُونْزَالِيسُ. بَدَا أَنَّ هَذَا الخَادِمَ قَدْ أَسَاءَ فَهْمَ أَمْرٍ مَا، فَكُنَّا نَتَنَاقَشُ، لَكِنْ لِحُسْنِ الحَظِّ قَدْ قَابَلْتُكِ الآنَ”.
رَفَعَ وَجْنَتَيْهِ بِقُوَّةٍ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى لُوسِي.
عِنْدَمَا رَأَتْ لُوسِي ذَلِكَ، تَقَلَّصَ وَجْهُهَا مِنَ الِاشْمِئْزَازِ.
المَارْكِيزُ غُونْزَالِيسُ لَا يُمْكِنُ نِسْيَانُهُ.
أَلَيْسَ هُوَ شَقِيقَ بِيدُور الَّذِي جَاءَ بِالوَاسِطَةِ إِلَى مَقَرِّ المُعَالِجِينَ فِي الإِمْبِرَاطُورِيَّةِ؟
كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يُشْبِهَ أَخَاهُ إِلَى هَذَا الحَدِّ!
جَسَدٌ سَمِينٌ، وَوَجْهٌ يَلْمَعُ مِنَ الدُّهُونِ، وَشَعْرٌ نِصْفُهُ مَصْلُوعٌ، وَفَوْقَ كُلِّ ذَلِكَ تِلْكَ العَادَةُ القَذِرَةُ فِي تَفَرُّسِ النِّسَاءِ مِنْ أَعْلَى إِلَى أَسْفَلَ.
حَاوَلَتْ لُوسِي رَسْمَ تَعَابِيرَ هَادِئَةٍ بِصُعُوبَةٍ ثُمَّ قَالَتْ:
“كَلَّا يَا سِيَادَةَ المَارْكِيزِ. أَنَا لَمْ أَعُدْ لُوسِي لِيتْرِي بَعْدَ الآنَ”.
التعليقات لهذا الفصل " 126"