الفصل 125
هَزَّ لويِدُ جَسَدَ كَاي الَّذِي بَرَدَ تَمَامًا بِقُوَّةٍ.
“اسْتَيْقِظِي يَا كَاي”.
لَكِنَّ جَسَدَهَا كَانَ يَتَرَنَّحُ بِلَا حَوْلٍ وَلَا قُوَّةٍ.
خَيَّمَ اليَأْسُ عَلَى وَجْهِ لويِدَ.
“هَلْ تَمُوتِينَ هَكَذَا بِهَذِهِ البَسَاطَةِ؟”
ظَلَّتْ دَابيينُ مَذْهُولَةً لِفَتْرَةٍ، ثُمَّ وَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى كَائِي بِوَجْهٍ خَائِبٍ.
وَبَدَأَتْ فِي إِلْقَاءِ سِحْرِ العِلَاجِ الَّذِي لَمْ تَسْتَخْدِمْهُ مُنْذُ مُدَّةٍ بِفَضْلِ وُجُودِ مُعَالِجَةٍ كُفْءٍ.
تَوَلَّدَ ضَوْءٌ أَبْيَضُ تَحْتَ يَدِ دَابيِينَ.
وَضَخَّتِ الـمَانَا فِي جَسَدِ كَاي دُونَ تَوَقُّفٍ، لَكِنَّهَا لَمْ تُبْدِ أَيَّ رَدَّةِ فِعْلٍ هَذِهِ المَرَّةَ أَيْضًا.
“لَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْدُثَ هَذَا”.
هَزَّ لويِدُ رَأْسَهُ نَافِيًا.
وَاخْتَفَى الضَّوءُ مِنْ عَيْنَيْهِ.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ.
“لَا فَائِدَةَ”.
سُمِعَ صَوْتُ طِفْلٍ صَغِيرٍ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ.
كَانَ صَوْتًا يَسْمَعَانِهِ لِلْمَرَّةِ الأُولَى.
رَفَعَ لويِدُ وَدَابيينُ، اللَّذَانِ كَانَا يَنْظُرَانِ إِلَى كَاي بِذُهُولٍ، رَأْسَيْهِمَا.
وَاتَّسَعَتْ عَيْنَاهُمَا حِينَ تَحَقَّقَا مِنَ الشَّخْصِ.
كَانَ آيِينُ يَقِفُ أَمَامَهُمَا.
“آيِينُ…؟”
كَانَ مُخْتَلِفًا عَنْ هَيْئَتِهِ المُعْتَادَةِ حَيْثُ كَانَ يَبْدُو خَائِفًا وَضَعِيفًا دَائِمًا.
كَانَ يَنْظُرُ إِلَى التَّوْأَمِ بِوَقَارٍ وَثَبَاتٍ.
وَفِي نَظَرَاتِهِ ثِقْلٌ لَا يُنَاسِبُ طِفْلًا.
نَظَرَ آيِينُ إِلَى كَاي المُمَدَّدَةِ ثُمَّ قَالَ:
“لَقَدْ مَاتَتْ”.
ذَلِكَ الطِّفْلُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ يَسْتَطِيعُ إِصْدَارَ صَوْتٍ حَتَّى لَحْظَةِ فِرَاقِهِمْ، كَانَ الآنَ يُذَكِّرُهُمْ بِالوَاقِعِ بِبُرُودٍ.
“آيِينُ، أَنْتَ تَتَحَدَّثُ؟”
عِنْدَمَا سَأَلَتْ دَابيينُ بِدَهْشَةٍ، أَجَابَ آيِينُ بِنَظْرَةٍ حَنُونَةٍ:
“لَقَدْ عَادَتْ قُوَّتِي. لِذَلِكَ بَيْنَمَا كُنْتُ أَتَقَبَّلُ ذَاتِي، قُمْتُ بِإِعَادَةِ بِنَاءِ صَوْتِ هَذَا الطِّفْلِ الَّذِي كَانَ مَحْرُوقًا”.
بَيْنَمَا كَانَ التَّوْأَمُ يَتَسَاءَلَانِ عَنْ تَعْبِيرِهِ الغَرِيبِ، تَذَكَّرَا فَجْأَةً ذَلِكَ الحُلْمَ الغَامِضَ الَّذِي رَأَيَاهُ قَبْلَ قَلِيلٍ.
المَرْأَةُ الَّتِي تُشْبِهُ كَاي، وَالرَّجُلُ الَّذِي بَكَى بِحُرْقَةٍ بَعْدَ أَنْ تَلَقَّى القُوَّةَ مِنْهَا.
كَانَ الِاسْمُ الَّذِي نَادَتْ بِهِ المَرْأَةُ مَأْلُوفًا جِدًّا لِسُكَّانِ الإِمْبِرَاطُورِيَّةِ.
فَهُوَ المَعْبُودُ الأَعْلَى لِلدِّينِ الرَّسْمِيِّ وَالمُنْتَشِرِ فِي القَارَّةِ.
الكِيَانُ الَّذِي يَسْكُنُ جَسَدَ هَذَا الطِّفْلِ هُوَ…
“أَنْتَ إِلَهٌ، إِذَنْ”.
عِنْدَ كَلَامِ لويِدَ، ابْتَسَمَ آيِين بِمَرَارَةٍ كَمَا لَوْ كَانَ يُؤَكِّدُ ذَلِكَ.
“إِذَا ظَهَرَ الإِلَهُ أَمَامِي… فَهَلْ يَعْنِي هَذَا أَنَّ العَالَمَ فَنِيَ فِي النِّهَايَةِ، وَأَنَّنَا مُتْنَا؟”
سَأَلَتْ دَابيينُ بِوَجْهٍ يَائِسٍ.
فَهَزَّ آيِينُ رَأْسَهُ بِهُدُوءٍ.
“كَلَّا، أَنْتُمَا عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ. وَالعَالَمُ أَيْضًا لَمْ يَفْنَ”.
ثُمَّ نَظَرَ إِلَى كَاي بِوَجْهٍ حَزِينٍ وَتَابَعَ:
“لَقَدْ ضَحَّتْ بِحَيَاتِهَا لِتُحَوِّلَ كُلَّ الـمَانَا إِلَى قُوَّةٍ مُقَدَّسَةٍ. وَبِوَاسِطَةِ تِلْكَ القُوَّةِ، أَعَادَتْ إِلَيَّ قُوَّةَ القَلْبِ الَّتِي كَانَتْ بَدَاخِلِكُمَا. وَلِهَذَا السَّبَبِ، نَجَا العَالَمُ الَّذِي كَانَ يَتَّجِهُ نَحْوَ الفَنَاءِ. لِأَنَّنِي أَنَا الإِلَهُ قَدِ اسْتَعَدْتُ قُوَّتِي”.
ارْتَجَفَتْ عَيْنَا لويِدَ.
“ضَحَّتْ بِحَيَاتِهَا…؟ وَمَا قِصَّةُ قُوَّةِ القَلْبِ؟”
“أَلَمْ تَشْعُرَا بِشَيْءٍ غَرِيبٍ فِي قُوَّتِكُمَا؟ أَلَمْ تَشُكَّا وَلَوْ قَلِيلًا فِي تِلْكَ القُوَّةِ الهَائِلَةِ الَّتِي تَتَجَاوَزُ حُدُودَ البَشَرِ؟”
عِنْدَ سُؤَالِ آيِينْ، تَرَدَّدَ لويِدُ وَدَابيينُ لِلَحْظَةٍ.
لَقَدْ كَانَا يُدْرِكَانِ ذَلِكَ مُنْذُ أَمَدٍ بَعِيدٍ.
أَنَّ قُدُرَاتِهِمَا كَانَتْ فِي مُسْتَوَى مُخْتَلِفٍ تَمَامًا عَنِ البَشَرِ العَادِيِّينَ.
لَمْ يَكُنْ مَجَرَّدَ كَوْنِهِمَا قَوِيَّيْنِ.
لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ هُوَ أَبْرَعُ مِنْهُمَا فِي هَذَا العَالَمِ.
حَتَّى مَخْلُوقَاتُ الإِلَهِ وَالفَوْضَى الصَّاعِدَةُ مِنَ الجَحِيمِ لَمْ تَكُنْ شَيْئًا يُذْكَرُ أَمَامَهُمَا.
“القُوَّةُ الَّتِي كُنْتُمَا تَمْلِكَانِهَا هِيَ فِي الأَصْلِ مِلْكِي. إِنَّهَا قُوَّةُ قَلْبِي. القُوَّةُ الَّتِي مَنَحَتْهَا رُوآ لِلْبَشَرِ فِي الزَّمَنِ الغَابِرِ”.
فَجْأَةً، تَذَكَّرَ الِاثْنَانِ مَا قَالَتْهُ المَرْأَةُ الَّتِي تُشْبِهُ كَاي قَبْلَ أَنْ يَسْقُطَا مَغْشِيًّا عَلَيْهِمَا:
°آسِفَةٌ لِأَنَّنِي سَلَبْتُكُمْ إِيَّاهُ°
هَلْ كَانَ الشَّيْءُ الَّذِي سَلَبَتْهُ هُوَ قُوَّةُ القَلْبِ؟ لَا عَجَبَ أَنَّ جَسَدَيْهِمَا كَانَا يَشْعُرَانِ بِثِقْلٍ غَيْرِ مَنْطِقِيٍّ.
“مَاذَا عَنْ كَاي إِذَنْ؟ هَلْ تَمُوتُ هَكَذَا؟ بَعْدَ أَنْ ضَحَّتْ بِكُلِّ شَيْءٍ؟”
سَأَلَ لويِدُ، الَّذِي كَانَ يُرَاقِبُ المَوْقِفَ بِصَمْتٍ، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى آيِينْ بِنَظْرَةٍ كَادَتْ تَقْتُلُهُ.
رَأَى آيِينُ ذَلِكَ وَابْتَسَمَ بِمَرَارَةٍ:
“لَيْسَ الأَمْرُ كَذَلِكَ. لَقَدْ ظَهَرْتُ لِمَنْعِ مِثْلِ هَذِهِ المَأْسَاةِ”.
وَمَعَ قَوْلِهِ ذَلِكَ، بَدَأَ جَسَدُهُ كُلُّهُ يَشِعُّ بِضَوْءٍ سَاطِعٍ.
“اعْتَنِ يَا…… بِهَا. آَمَلُ أَنْ نَلْتَقِيَ يَوْمًا مَرَّةً أُخْرَى”
وَمَعَ آخِرِ كَلِمَاتِهِ، تَلَاشَى الضَّوْءُ.
انْهَارَ آيِينُ بِلَا حَرَاكٍ.
وَقَبْلَ أَنْ يَرْتَطِمَ جَسَدُهُ الصَّغِيرُ بِالأَرْضِ، تَلَقَّفَتْهُ دَابيينُ لِحُسْنِ الحَظِّ.
وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، أَبْدَى جَسَدُ كَاي الهَامِدُ رَدَّةَ فِعْلٍ.
❁❁❁
هَبَّتْ رِيحٌ مِنْ مَكَانٍ مَا وَدَاعَبَتْ وَجْهِي.
فَتَحْتُ عَيْنَيَّ تِلْقَائِيًّا بِسَبَبِ ذَلِكَ الِانْتِعَاشِ المُريحِ.
مَا امْتَدَّ أَمَامَ عَيْنَيَّ كَانَ فَضَاءً أَبْيَضَ شَاسِعًا.
الآنَ وَقَدْ تَلَقَّيْتُ الذِّكْرَيَاتِ مِنْ مِيكَائِيلَ، كُنْتُ أَعْرِفُ جَيِّدًا أَيْنَ أَنَا.
السَّمَاوَاتُ.
مَوْطِنُ المَلَائِكَةِ وَمَقَرُّ الإِلَهِ تِيرِينَا.
“… هَهَا، لَقَدْ مِتُّ بَالِفِعْلِ”.
تَمْتَمْتُ بِمَرَارَةٍ.
لَقَدْ كُنْتُ مُسْتَعِدَّةً لِهَذَا مُنْذُ لَحْظَةِ تَفْعِيلِ الأَدَاةِ.
أَلَمْ تَقُلْ ‘تِلْكَ المَرْأَةُ’ الَّتِي تُشْبِهُنِي ذَلِكَ؟ إِنَّنِي سَأَمُوتُ إِذَا اسْتَخْدَمْتُ تِلْكَ القُوَّةَ.
لَكِنْ لِمَاذَا أَشْعُرُ بِكُلِّ هَذَا العَبَثِ؟
‘لَقَدْ مِتُّ حَقًّا. أَلَيْسَ هُنَاكَ مَا يُسَمَّى بِبِطُولَةِ الإِحْيَاءِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ؟’
بَيْنَمَا كُنْتُ أَحُكُّ رَأْسِي بِخَيْبَةِ أَمَلٍ وَأَتَلَفَّتُ حَوْلِي، ظَهَرَ فَوْجٌ مِنْ بَشَرٍ أَمَامَ عَيْنَيَّ فَجْأَةً.
“يَا… يَا لَلْهَوْلِ!”
صَرَخْتُ مِنَ الفَزَعِ، لَكِنَّهُ ابْتَسَمَ بِإِشْرَاقٍ.
“مَا زِلْتِ كَمَا أَنْتِ.”
“سَيِّدِي الرَّسُولُ؟”
شَعْرٌ أَبْيَضُ مَرْبُوطٌ بِأَنَاقَةٍ، وَوَجْهٌ مَنْحُوتٌ.
الآنَ أَصْبَحْتُ أَعْرِفُ هُوِيَّتَهُ الحَقِيقِيَّةَ.
“آه، مَاذَا يَجِبُ أَنْ أُنَادِيَكَ الآنَ؟ أَيُّهَا الإِلَهُ…؟”
عِنْدَ كَلَامِي، نَظَرَ إِلَيَّ بِمِيِّلٍ نَاعِمٍ وَقَالَ:
“نَادِينِي بِمَا تَرْتَاحِينَ إِلَيْهِ.”
بَدَا أَنَّ الهَالَةَ المُنْبَعِثَةَ مِنْهُ قَدْ تَغَيَّرَتْ عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي المَاضِي.
بَدَا مَلِيئًا بِالحَيَوِيَّةِ بِشَكْلٍ غَرِيبٍ.
“هَلْ مِتُّ حَقًّا؟”
أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ بِلُطْفٍ عِنْدَ سُؤَالِي وَأَجَابَ:
“نَعَمْ. لَقَدِ اسْتَعَدْتُ قُوَّتِي بِفَضْلِ تَقْدِيمِكِ لِقَلْبِكِ كَوَسِيلَةٍ لِفِدَاءِ حَيَاتِكِ. شُكْرًا لَكِ.”
مِنْ خِلَالِ كَلَامِهِ وَهُوَ يَبْتَسِمُ بِإِشْرَاقٍ، تَأَكَّدْتُ أَنَّنِي مِتُّ بَالِفِعْلِ.
“أُوه… إِذَنْ أَنَا مِتُّ يَقِينًا. هَهَا”.
وَمَعَ ذَلِكَ، لَمْ يَهُمَّنِي الأَمْرُ.
“العَالَمُ سَيَكُونُ بِخَيْرٍ الآنَ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟”
أَوْمَأَ الإِلَهُ بِرَأْسِهِ عِنْدَ كَلَامِي.
لَا بَأْسَ.
لِأَنَّ حَيَاتِي جَعَلَتْ لويِدَ وَدَابيينَ، بَلْ وَكُلَّ النَّاسِ فِي هَذَا العَالَمِ، يَعِيشُونَ.
‘… هَذَا يَكْفِي’.
لَقَدْ كُنْتُ مُسْتَعِدَّةً.
لَا بَأْسَ بِمَوْتِي أَنَا.
لَكِنْ يَبْدُو أَنَّ الفَهْمَ شَيْءٌ وَالتَّقَبُّلَ شَيْءٌ آخَرُ، فَقَدْ انْهَمَرَتِ الدُّمُوعُ مِنْ عَيْنَيَّ.
فِي الحَقِيقَةِ، كُنْتُ أُرِيدُ البَقَاءَ بِجَانِبِهِ.
كُنْتُ آَمَلُ فِي حُدُوثِ مُعْجِزَةٍ مَا، لَكِنْ…
قَلْبِي كَانَ يَتَأَلَّمُ لِأَجْلِهِ بَعْدَ أَنْ تَرَكْتُهُ هُنَاكَ وَحِيدًا.
“لويِدُ…”
كُلُّ مَا أَتَمَنَّاهُ هُوَ أَنْ تُخَفِّفَ عَنْهُ دَابيينُ حُزْنَهُ.
بَيْنَمَا كُنْتُ أَبْكِي بِلَا تَوَقُّفٍ، جَلَسَ الإِلَهُ بِجَانِبِي وَمَسَحَ عَلَى رَأْسِي بِلُطْفٍ:
“سَأَمْنَحُكِ كُلَّ مَا أَمْلِكُ. لَنْ أَجْعَلَكِ تَتَأَلَّمِينَ كَمَا فِي المَاضِي. لِذَا، أَلَا تَبْقَيْنَ بِجَانِبِي؟”
فَجْأَةً، اغْرَوْرَقَتْ عَيْنَا الإِلَهِ أَيْضًا.
وَسَالَتْ دُمُوعٌ لَا يُعْرَفُ مَعْنَاهَا عَلَى وَجْنَتِهِ.
لَكِنَّنِي هَزَزْتُ رَأْسِي نَافِيَةً.
“أَنْتَ تَعْلَمُ مَا هُوَ جَوَابِي”.
مَهْمَا كَانَ المَاضِي، أَنَا الآنَ كَاي.
لَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَكُونَ رُوآ الَّتِي يَشْتَاقُ إِلَيْهَا.
أَوْمَأَ الإِلَهُ بِرَأْسِهِ بِحُزْنٍ عِنْدَ سَمَاعِ جَوَابِي:
“أَجَلْ، أَنَا أَعْلَمُ جَيِّدًا. رُغْمَ عِلْمِي… لَقَدْ حَاوَلْتُ التَّمَسُّكَ بِكِ كَطَمَعٍ أَخِيرٍ.”
نَهَضَ بِبُطْءٍ ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِي:
“كُونِي سَعِيدَةً دَائِمًا يَا كَاي.”
تَرَدَّدَ صَوْتُهُ فِي أُذُنِي بِقُوَّةٍ.
مَرَّتْ رِيحٌ دَافِئَةٌ عَبْرَ شَعْرِي.
وَفِي لَحْظَةٍ، شَعَرْتُ بِثِقْلٍ فِي جَسَدِي وَأَحْسَسْتُ بِدِفْءِ حَرَارَةِ جَسَدٍ يُحِيطُ بِي، ثُمَّ فَقَدْتُ وَعْيِي مَرَّةً أُخْرَى.
❁❁❁
فِي أَنْحَاءِ القَارَّةِ الَّتِي كَانَ يَلْتَهِمُهَا الظَّلَامُ وَيَقُودُهَا إِلَى الفَنَاءِ، ظَهَرَتْ أَحْجَارُ خَتْمٍ عِمْلَاقَةٌ وَاحِدَةً تِلْوَ الأُخْرَى.
لَمْ يَكُنْ بِنَاؤُهَا بِيَدِ بَشَرٍ أَبَدًا.
لَقَدْ وَصَلَتْ قُوَّةُ الإِلَهِ الَّتِي اخْتَفَتْ إِلَى كُلِّ أَرْجَاءِ القَارَّةِ، وَانْتَشَرَتْ قُوَّةٌ مُقَدَّسَةٌ قَوِيَّةٌ فِي كُلِّ مَكَانٍ يَحْتَاجُ إِلَى لَمْسَتِهِ.
بِفَضْلِ ذَلِكَ، سُحِبَتِ الطَّاقَةُ السَّوْدَاءُ الَّتِي كَانَتْ تَبْتَلِعُ العَالَمَ إِلَى بَاطِنِ الأَرْضِ مَرَّةً أُخْرَى.
لَكِنَّ القَارَّةَ كَانَتْ قَدْ تَحَوَّلَتْ بَالِفِعْلِ إِلَى خَرَابٍ بِسَبَبِ الظَّلَامِ الَّذِي تَحَرَّرَ لِفَتْرَةٍ وَجِيزَةٍ.
أُصِيبَ وَفُقِدَ الكَثِيرُ مِنَ النَّاسِ.
وَمَاتَ وَلِيُّ عَهْدِ الإِمْبِرَاطُورِيَّةِ بِسَبَبِ ذَلِكَ، بَيْنَمَا نَجَت الإِمْبِرَاطُورُة بِصُعُوبَةٍ.
وَعَمَّتِ الفَوْضَى فِي أَمَاكِنَ كَثِيرَةٍ.
كَانَ المَوْقِفُ مَأْسَاوِيًّا.
لَكِنَّ البَشَرَ لَمْ يَسْتَسْلِمُوا.
بَدَأُوا بِإِعَادَةِ بِنَاءِ العَالَمِ الَّذِي انْهَارَ مَرَّةً بِسُرْعَةٍ كَبِيرَةٍ.
وَفِي مَرْكَزِ عَمَلِيَّةِ الإِعْمَارِ هَذِهِ، كَانَتْ عَائِلَةُ دُوقِ هِيْلْدِيرِيُوز.
وَبِالتَّحْدِيدِ، كَانَتْ دَابيينُ هِيْلْدِيرِيُوز.
رُغْمَ كَثْرَةِ الأَوْرَاقِ وَالأَزَمَاتِ المُتَلَاحِقَةِ، بَدَأَتْ دَابيينُ فِي تَنْظِيمِ كُلِّ شَيْءٍ بِمَهَارَةٍ.
لِأَنَّهَا جَرَّبَتِ الفَنَاءَ مَرَّةً قَبْلَ العَوْدَةِ بِالزَّمَنِ، كَانَتْ تَعْلَمُ جَيِّدًا مَاذَا تَفْعَلُ وَكَيْفَ تَفْعَلُهُ.
مَكْتَبُ الإِمْبِرَاطُورِة.
كَانَتْ هُنَاكَ جِبَالٌ مِنَ الأَوْرَاقِ المُتَرَاكِمَةِ.
كَانَتِ الكَمِّيَّةُ أَكْبَرَ مِمَّا مَضَى.
وَلِكَثْرَتِهَا، لَمْ تَمْلَأِ المَكْتَبَ الكَبِيرَ فَحَسْبُ، بَلِ امْتَدَّتْ حَتَّى رُدْهَاتِ القَصْرِ الإِمْبِرَاطُورِيِّ.
“هَذَا مُذْهِلٌ يَا دَابيينُ. أَنْتِ سَرِيعَةٌ وَدَقِيقَةٌ جِدًّا”.
تَمْتَمَت الإِمْبِرَاطُورُة الَّتِي كَانَت تجْلِسُ مُلْتَحِفًة بِبِطَانِيَّةٍ بِدَهْشَةٍ.
لَقَدْ وَصَلَتِ ابْنَةُ أَخِيهِا إِلَى مَرْتَبَةِ الآلِهَةِ فِي تَنْفِيذِ المَهَامِّ.
كَانَتْ تُنْجِزُ الأَوْرَاقَ بِسُرْعَةٍ هَائِلَةٍ لَا يُمْكِنُ لِبَشَرِيٍّ أَنْ يَفْعَلَهَا.
وَبِشَكْلٍ مِثَالِيٍّ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ.
لَكِنَّ دَابيينَ لَمْ تَكُنْ تَمْلِكُ رَفَاهِيَةَ الوَقْتِ الآنَ.
كَانَتْ تَتَجَاهَلُ مَدِيحَ الإِمْبِرَاطُورِة وَهِيَ تَخْتِمُ الأَوْرَاقَ بِقُوَّةٍ.
“لَعْنَةً. هَذَا الجَانِبُ أَيْضًا فِيهِ مُشْكِلَةٌ”.
تَفَهَّمتهَا الإِمْبِرَاطُورُة، فَقَدْ كَانَتْ هُنَاكَ مَشَاكِلُ كَثِيرَةٌ تَحْتَاجُ إِلَى حَلٍّ.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، سُمِعَ طَرْقٌ عَلَى بَابِ المَكْتَبِ، وَدَخَلَ خَادِمٌ بِتَرَدُّدٍ.
“آآ… سَيِّدَةُ دَابيينُ”.
نَادَى اسْمَهَا بِصَوْتٍ خَافِتٍ وَهُوَ يَرْتَجِفُ أَمَامَ هَيْبَتِهَا وَهِيَ مُنْهَمِكَةٌ فِي العَمَلِ.
“قُلْ مَا عِنْدَكَ فَقَطْ. أَنَا مَشْغُولَةٌ”.
عِنْدَمَا نَظَرَتْ إِلَيْهِ دَافِيينُ بِنَظْرَةٍ حَادَّةٍ، ارْتَعَدَ الخَادِمُ وَأَغْمَضَ عَيْنَيْهِ بِقُوَّةٍ.
كَانَ الخَادِمُ يَشْعُرُ بِرُعْبٍ شَدِيدٍ مِنْ دَابيينَ، المُرَشَّحَةِ الأُولَى لِخِلَافَةِ الإِمْبِرَاطُورِة.
بَعْدَ يَوْمِ الفَنَاءِ، وَمَوْتِ وَلِيِّ العَهْدِ، وَتَدَهْوُرِ صِحَّةِ الإِمْبِرَاطُورِة، اسْتَغَلَّ بَعْضُ النُّبَلَاءِ انْشِغَالَ القَارَّةِ بِالإِعْمَارِ وَتَحَالَفُوا مَعَ دُوَلٍ أُخْرَى لِلْقِيَامِ بِتَمَرُّدٍ.
لَقَدْ أُبِيدَتْ عَائِلَةُ رُوزْبِيلِيير الَّتِي كَانَتْ رُكْنًا لِلإِمْبِرَاطُورِيَّةِ، وَتَعَرَّضَتْ عَائِلَةُ هِيْلْدِيرِيُوز لِأَضْرَارٍ كَبِيرَةٍ.
لِذَلِكَ، ظَنَّ المُتَمَرِّدُونَ أَنَّ قُوَّةَ الإِمْبِرَاطُورِيَّةِ الآنَ سَهْلَةُ المَنَالِ فَهَجَمُوا.
لَكِنَّهُمْ أُبِيدُوا جَمِيعًا قَبْلَ أَنْ يَقْتَرِبُوا حَتَّى مِنَ القَصْرِ.
كَانَ ذَلِكَ بِفَضْلِ دَابيينَ.
رُغْمَ مُحَاوَلَةِ الفُرْسَانِ مَنْعَهَا، خَرَجَتْ وَحْدَهَا بِمُجَرَّدِ سَيْفٍ، وَأَخْضَعَتْ ذَلِكَ الجَيْشَ الكَبِيرَ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ.
كُلُّ مَنْ رَفَعَ رَايَةَ العِصْيَانِ أَمَامَهَا لَمْ يَلْقَ سِوَى المَوْتِ.
أَمَامَ الخَوَنَةِ، كَانَتْ دَابيينُ عِبَارَةً عَنْ طَاغِيَةٍ بِحَدِّ ذَاتِهَا.
التعليقات لهذا الفصل " 125"