الفصل 12
مضى الوقتُ وحلَّ الظلامُ في كلِّ مكان.
بفضل الخيامِ والمساعدات التي قدمتها عائلةُ “هيلديريوز”، استقرت الأوضاعُ في الخيمةِ التي كانت تضجُّ بالفوضى.
بينما كنتُ أعملُ بـتركيزٍ والعرقُ يتصببُ مني، جاءت ميكا وهي تحملُ طعاماً.
“آنسة كاي! ما رأيكِ بالخروجِ للراحةِ قليلاً؟ سأبقى أنا هنا لحراسة المكان!”
بمجرد رؤية الحساء والخبز الساخن الذي قدمته ميكا، بدأت معدتي التي لم تأكلْ شيئاً طوالَ اليوم تُصدرُ أصواتاً من الجوع.
لكنني سألتُ ميكا بـحذرٍ خوفاً من لقاءِ لويد في مكانٍ ما:
“بالمناسبة، هل رأيتِ ابنَ الدوقِ هيلديريوز في هذا الجوار؟”
“ابنُ الدوق…؟ أوه، هل يعقلُ أنكِ معجبةٌ بهِ أيضاً يا آنسة؟!”
لمعت عينا ميكا وكأنها وجدت صديقةً تشاركُها نفسَ الاهتمامات.
“قالت لي الآنسةُ بري إنكِ لا تحبينَ هذهِ الأمور، فقلتُ في نفسي ‘ربما هي كذلك’، لكنني كنتُ مخطئة! لقد كان رائعاً جداً قبلَ قليل، أليس كذلك؟ عندما قضى على تلكَ الوحوشِ بـضربةٍ واحدةٍ بـسيفِهِ الضخم، اقشعرَّ جسدي من شدةِ روعته! كانت أجملَ لحظةٍ في حياتي. لو كان لديَّ حجرُ تصوير لبعتُ كلَّ أملاكي لأشتريهُ وأصورَه.”
“آه… أجل.”
عندما لاحظت ميكا أنَّ حماسي قد فتر، قالت بـسرعة:
“في الواقع، كنتُ أريدُ رؤيتَهُ من قريبٍ فذهبتُ للبحث عنه، لكنَّ كبارَ الشخصيات كانوا يحيطونَ بهِ من كلِّ جانب، لذا لم أتمكنْ من رؤيتِهِ عن قرب. قبلَ قليل، رأيتُهُ يدخلُ القلعةَ لتناولِ الطعامِ مع حاكمِ دوركان وقادة الفرسان.”
تنهدت المستجدةُ لـحزنِها لأنها لم تستطع رؤيته.
كنتُ أودُّ أن أقولَ لها: ‘حسناً، أنا لا أريدُ رؤيتَهُ أبداً’، لكنني كتمتُ كلماتي وأومأتُ لها، ثم أخذتُ الطعامَ منها.
الخلاصةُ هي أنهُ يتناولُ الطعامَ مع الشخصياتِ الرفيعة، لذا لن يكونَ في هذا الجوار، أليس كذلك؟
“إذن يا ميكا، سأخرجُ لتناولِ الطعامِ وأعود. أعتمدُ عليكِ لـقليلٍ من الوقت.”
“عُلِم! آنسة كاي، اتركي الأمرَ لي!”
ابتسمتُ للمستجدةِ التي أجابت بـثقةٍ وخرجتُ من الخيمة.
كانت السماءُ قد أظلمت تماماً، وتزينت بالنجومِ الساطعة.
نظرتُ حولي، كان الناسُ يجلسونَ حولَ النيرانِ يأكلونَ ويشربون.
تمنيتُ في قلبي أن أجلسَ معهم وأشربَ من ذلكَ النبيذ، لكن بـسببِ خوفي من لقاءِ لويد، تجولتُ بـعينيَّ طويلاً ثم جلستُ خلفَ كومةٍ من الصناديقِ خلفَ الخيام، في مكانٍ هادئٍ قربَ سورِ المدينة.
قطعتُ الخبزَ وغمستُهُ في الحساء وأنا أفكرُ في نفسي:
‘أريدُ العودةَ للمنزل.’
أريدُ الاستلقاءَ على سريري الناعمِ والنومَ حتى ظهرِ اليومِ التالي.
ثم أذهبُ مع بري لمطعمٍ قريبٍ لتناولِ السمكِ المشوي.
بينما كنتُ أحشو الخبزَ في معدتي الفارغةِ وأنا أشتاقُ لـطعامِ موطني، سُمِعَ صوتُ حركةٍ خلفي.
سـار.
رفعتُ رأسي بـسرعةٍ لأرى مَن القادم، وفي تلكَ اللحظة…
“…!”
“أنتِ هنا إذن.”
دوى صوتٌ أجشُّ ومنخفضٌ يثيرُ القشعريرة.
رأيتُ أمامي ذلكَ الرجلَ الوسيمَ ذا الشعرِ الأسودِ ينظرُ إليَّ بـتعبيرٍ مخيف.
عندما التقت عيناي بـعينيهِ الأرجوانيتينِ الحادتين، لم أستطع التنفسَ بسببِ الضغطِ الشديد.
شعرتُ بـألمٍ يضغطُ على جسدي بالكامل.
كان شعوراً لم أجربه من قبل، لكنني عرفتُهُ بـغريزتي.
إنها هالةُ قتل.
هذا الرجلُ ينوي قتلي.
اتجهت يدُ الرجلِ نحو مقبضِ سيفِهِ الضخمِ الموجودِ خلفَ ظهره.
قبلَ قليل، قامَ لويد بـتحويل مئات الوحوشِ إلى قطعِ لحمٍ بـهذا السيف.
في الرواية، كان يحطمُ الأشجارَ والصخورَ بـهذا السيف.
هذا يعني أنهُ لو رفعَهُ فقط، فسينفصلُ رأسي عن جسدي.
بسببِ هالةِ القتلِ والضغطِ الذي يثقلُ عضلاتي، انهمرتِ الدموعُ من عينيَّ دونَ إرادة.
هل سأموتُ حقاً هنا؟
سُمِعَ صوتُ سحبِ السيفِ بـبطء.
اقتربَ مني لويد وقال:
“لقد عدتُ، وتعلمتُ السيفَ وأنا مستعدٌ للموت.”
بدأ السيفُ في يدِ لويد يتوهجُ باللونِ الأحمرِ وتظهرُ عليهِ الهالة.
آه، صحيح. أنتَ أصغرُ ‘سيدِ سيف’ في القارة.
حياتي ستنتهي… لنرَ… في غضونِ عشرِ ثوانٍ.
حاولتُ تهدئةَ قلبي الذي يخفقُ بـشدةٍ
والهروب، لكنَّ جسدي كان يرتجفُ ولم يستجب لي.
“ألمُ تحطم العظام وتمزق العضلات يمكنني تحملُه. مقارنةً بـدماءِ الكثيرِ من الأرواحِ التي لطخت يدي للانتقامِ منكِ.”
بينما كان يقتربُ بـخطواتٍ واسعةٍ وهو يحملُ السيف، كان كلُّ ما يمكنني فعلُهُ هو التراجعُ بـبطءٍ بـقدمينِ ثقيلتين.
ماذا يمكنني… أن أفعلَ هنا؟
بما أنني عشتُ بـفكرةِ الاختباءِ عن الأبطال، لم أتعلمْ سوى سحرِ الشفاء.
إنَّ إلقاءَ سحرِ شفاءٍ على رجلٍ يريدُ قتلي هو أمرٌ مضحكٌ بمجردِ التفكيرِ فيه.
ربما ستزيدُ قوتُهُ ويقتلني بـسرعةٍ أكبر.
“لا أزالُ أتذكر. منزلي المحترق، وأهلي، ووالداي اللذانِ ماتا بـألمٍ بـسببِ السم وأنا، وأنا أموتُ بعدَ أن انتُزِعَ قلبي.”
توقفتُ فجأة.
كان خلفي جدار.
سورُ المدينةِ العظيم. شعرتُ بـبرودةِ السورِ على ظهري وعندما لم يعدْ هناكَ مهرب، فتحتُ فمي المرتجفَ وقلتُ بـصعوبة:
“أعتقد… أنكَ مشتبهٌ… في الشخصِ الخطأ.”
تصلبَ وجهُهُ القاسيُّ عند سماعِ كلماتي.
“هل تطلبينَ مني تصديقَ هذا الآن؟”
ارتفعت يدُ لويد.
أغمضتُ عينيَّ بـقوةٍ وأنا أرتجفُ من الرعب.
رغمَ أنني انتقلتُ لجسدِ الشريرةِ الأخيرةِ في الرواية، إلا أنني عشتُ بـاستقامةٍ وأقسمُ بذلكَ للإلهِ “تيرينا”.
حتى قبلَ قليلٍ كنتُ أعالجُ الناس! كنتُ أعيشُ بـهدوءٍ دونَ إزعاجِ أحد، ثم يظهرُ البطلُ فجأةً ليهددَ حياتي.
لماذا؟ لماذا يريدُ قتلي؟ أنا لم أفعلْ شيئاً الآن.
منزلكَ المحترقُ وأهلكَ وعائلتُك، الجميعُ بخيرٍ الآن، فلماذا تأتي وتصرُّ على قتلي.
كنتُ أودُّ قولَ كلِّ ذلك، لكنها كانت أولَ مرةٍ أواجهُ فيها هالةَ قتلٍ من شخصٍ بـهذهِ القوة.
بالإضافةِ لذلك، أنا مجردُ معالجةٍ ضعيفةٍ لا تملكُ سوى سحرِ الشفاء.
في النهاية، لم يكن أمامي سوى الجلوسُ والانكماشُ وأنا أرتجفُ من الرعب.
أغمضتُ عينيَّ بـشدةٍ وأنا أنتظرُ حركةَ السيف.
… أوه؟
أغمضتُ عينيَّ لكنني لم أشعرْ بـأيِّ ألم.
بما أنهُ بطلٌ خارق، هل قتلني بـسرعةٍ دونَ ألم؟ إذن، هل أنا في الجنة؟
فتحتُ عينيَّ بـبطء.
لا.
كان لويد لا يزالُ واقفاً أمامي.
بمجردِ لقاءِ عيني بـعينيه، سقطَ السيفُ من يدِهِ بـرنينٍ على الأرض.
كان وجهُهُ يزدادُ تشوهاً من الغضب.
ثم أمسكَ بـذراعيَّ ورفعني وضغطني بـقوةٍ على السور.
شعرتُ بـألمٍ شديدٍ في ذراعيَّ لدرجةِ أنهما كادتا تنكسرانِ بـسببِ قوتِهِ الهائلة.
بدأتِ الدموعُ تنهمرُ بـسببِ الألم، فصرخَ لويد في وجهي:
“هل ستموتينَ هكذا؟ دونَ أيِّ مقاومة؟”
وماذا عساي أن أفعل؟ لم أتعلمْ شيئاً لـمواجهةِ الأبطالِ طوالَ عشرِ سنوات.
آه، الشيءُ الوحيدُ المفيدُ في هذا الموقفِ هو سحرُ ‘إبطالِ الألم’.
على الأقلِّ سأموتُ دونَ ألم.
جسدي وعقلي اللذانِ عاشا بـراحةٍ في المعبدِ لم يستطيعا تحملَ هالةِ قتلِ البطل، فبدأتُ أرتجفُ بـشدة.
استجمعتُ شجاعتي وفتحتُ فمي:
“أرجوك… ارحمني… .”
تغيرَ تعبيرُ لويد في لحظة.
هل هو شفقة؟ أم رحمة؟
لكنَّ ذلكَ كان لـلحظةٍ فقط، ثم عادَ وجهُهُ للقسوة.
تركَ ذراعيَّ وضربَ السورَ بجانبِ رأسي بـقبضتِهِ بـقوة.
تفتتَ الجدارُ وسقطَ منهُ الغبار.
كان من حسنِ حظي أنَّ رأسي لم يكن هناك، وإلا لكانَ قد تفتتَ مثلَ السور.
ارتجفت ساقاي من التوتر، فسقطتُ على الأرضِ بـضعف.
كان عليَّ الهرب، لكنَّ جسدي فقدَ قوتَه.
في تلكَ اللحظة.
“آنسة كاي!”
كانت ميكا تناديني وتركضُ نحوي من بعيد.
“ميكا، لا… !”
لا تأتي! لا تأتي! قد تقتلينَ أنتِ أيضاً.
لكنَّ حلقي كان جافاً من الرعبِ لدرجةِ أنني لم أستطع إخراجَ صوتي.
وبينما كانت ميكا تقتربُ بـسرعة، سمعتُ لويد يتمتمُ بـصوتٍ منخفض:
“كاي؟”
أسرعت ميكا لـمساعدتي وأنا أرتجف.
“أوه! آنسة كاي!”
نظرَ لويد لثيابي ولثيابِ ميكا، ثم ضحكَ بـسخريةٍ وتمتم:
“معالجة إذن… .”
اتجهت نظراتُهُ لوجهي مجدداً.
وعندما التقت عيناي بـعينيهِ الأرجوانيتينِ المخيفتين، أدرتُ وجهي بـسرعة.
بعدَ صمتٍ قصير، قال:
“يبدو أنني أخطأتُ في الشخص.”
استدارَ لويد وسمعتُ صوتَ خطواتِهِ وهي تبتعد.
ومع ابتعادِ أثرِ لويد، بدأ التوترُ يزولُ عن جسدي بـتدريج.
“آنسة كاي، هل أنتِ بخير؟”
هل سأكونُ بخير؟ لقد تعرضتُ للتوِّ لتهديدٍ بالقتلِ من ذلكَ البطلِ وتحطمَ عقلي تماماً.
هززتُ رأسي.
“لماذا فعلَ ابنُ الدوقِ ذلك؟”
كان وجهُ ميكا مليئاً بعلاماتِ الاستفهام.
لم أستطع إخبارَ ميكا بأنني كنتُ الشريرةَ التي دمرتِ الإمبراطوريةَ وانتزعت قلبَ ابنِ الدوقِ قبلَ العودةِ بالزمن، وأنهُ أرادَ الانتقام.
لو قلتُ ذلك، لظنت أنني مجنونة.
“لا أعرف… .”
“هل يعقلُ أنهُ ظنكِ شبحاً؟ لأنكِ ترتدينَ ثياباً بيضاءَ وشعرُكِ أبيضُ في مكانٍ مظلم!”
بدأت ميكا تثرثرُ بـأنني ربما بدوتُ كـشبحٍ وسطَ الشجيراتِ المظلمة، وطلبت مني ألا آكلَ وحدي أبداً وأبقى مع الناس.
نظرت ميكا إليَّ وأنا أرتجف، وقالت بـوجهٍ قلق:
“ألا يجبُ أن ترتاحي اليوم؟ سأخبرُ الآخرينَ بذلك.”
عدتُ للمسكنِ بـمساعدةِ ميكا وأنا أجرُّ جسدي المرتجف.
غادرت ميكا لتخبرَ المسؤول، وبقيتُ وحدي.
“آه.”
عندما استلقيتُ على السرير، شعرتُ بـألمٍ في كلِّ جسدي.
عندما خلعتُ ثيابي، رأيتُ كدماتٍ زرقاءَ ومنتفخةً في ذراعيَّ حيثُ أمسكَ بي لويد.
“مجنون… .”
ضممتُ ذراعيَّ ورددتُ تعويذةَ الشفاء:
[شفاء]°
بدأ الضوءُ الساطعُ يخرجُ من يدي ويشفي جسدي المصاب.
أغمضتُ عيني.
لقد نـجوت.
لقد قابلتُ البطلَ ونـجوت.
قال إنهُ أخطأ في الشخص.
سأكونُ بخيرٍ الآن.
هدأتُ روعي، فبدأ ارتجافُ جسدي يزول.
كلُّ شيءٍ سيكونُ بخير.
وهكذا، استسلمتُ للنومِ على سريري.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 12"