الفصل 111
اخْتَفَى الوَحْشُ تَمَامًا.
كُلُّ مَا يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ الآنَ هُوَ الأَشْجَارُ وَالعُشْبُ الَّذِي احْتَرَقَ وَتَحَوَّلَ إِلَى سَوَادٍ عَلَى طُولِ الأَثَرِ الَّذِي مَرَّ بِهِ الوَحْشُ.
المَنَاظِرُ الطَّبِيعِيَّةُ الَّتِي زَيَّنَهَا البُسْتَانِيُّ بِجَمَالٍ صَارَتْ فَوْضَى فِي لَحْظَةٍ.
وَعَلَاوَةً عَلَى ذَلِكَ، كَانَ الدُّخَانُ الأَسْوَدُ يَتَصَاعَدُ هُنَا وَهُنَاكَ وَكَأَنَّ بَقَايَا الطَّاقَةِ السَّامَّةِ لَا تَزَالُ مَوْجُودَةً.
قَطَّبَ لويد حَاجِبَيْهِ وَهُوَ يَتَفَقَّدُ المُحِيطَ:
“الطَّاقَةُ السَّامَّةُ تَنْتَشِرُ تَدْرِيجِيًّا. يَجِبُ تَنْظِيفُ هَذَا المَكَانِ فِي أَسْرَعِ وَقْتٍ”.
كَمَا قَالَ، فَإِنَّ النَّبَاتَاتِ الَّتِي لَمَسَهَا الدُّخَانُ كَانَتْ تَتَفَحَّمُ بِبُطْءٍ، وَتَنْبَعِثُ مِنْهَا أَدْخِنَةٌ أُخْرَى تَنْتَشِرُ تَدْرِيجِيًّا فِي الهَوَاءِ.
رَدًّا عَلَى كَلَامِ لويد، أَشْعَلَتْ دَابِيِينُ لَهَبًا فِي يَدِهَا:
“لِنُحْرِقْ كُلَّ مَا حَوْلَنَا تَمَامًا. مِثْلُ هَذِهِ الأَشْيَاءِ يَجِبُ التَّخَلُّصُ مِنْهَا بِنَظَافَةٍ حَتَّى لَا تَتْرُكَ آثَارًا لَاحِقَةً”.
تَمْتَمَتْ دَابِيِينُ وَكَأَنَّهَا سَتُحْرِقُ كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَ قَلِيلٍ.
“إِذَنْ، سَأَضَعُ حَاجِزًا وَنَبْدَأُ العَمَلَ”.
وَافَقَهَا لويد الرَّأْيَ.
عِنْدَ سَمَاعِ كَلَامِهِمَا، نَظَرْتُ بِذُهُولٍ إِلَى الأَشْجَارِ وَالعُشْبِ وَالزُّهُورِ المُتَبَقِّيَةِ.
رُغْمَ أَنَّ بَعْضَهَا قَدِ احْتَرَقَ، إِلَّا أَنَّ مُعْظَمَهَا كَانَ لَا يَزَالُ حَيًّا.
كَانَ مِنَ المُؤْسِفِ إِحْرَاقُهَا كُلَّهَا.
فَجْأَةً، خَطَرَتْ لِي فِكْرَةٌ: أَلَا يُمْكِنُنِي اسْتِخْدَامُ سِحْرِ الشِّفَاءِ الشَّامِلِ؟
سِحْرُ شِفَاءٍ لِلنَّبَاتَاتِ.
لَقَدْ كَانَتْ فِكْرَةً حَمْقَاءَ.
بِمَا أَنَّ البِنْيَةَ التَّكْوِينِيَّةَ لِلْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ مُخْتَلِفَةٌ، فَلَا يُمْكِنُ لِسِحْرِ الشِّفَاءِ أَنْ يَنْفَعَ.
رُبَّمَا لَمْ يُفَكِّرْ أَحَدٌ فِي هَذَا العَالَمِ قَطُّ فِي شِفَاءِ النَّبَاتَاتِ.
وَلَكِنْ لِسَبَبٍ غَرِيبٍ، شَعَرْتُ الآنَ أَنَّنِي أَسْتَطِيعُ فِعْلَ ذَلِكَ.
بَلْ شَعَرْتُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيَّ فِعْلُهُ.
فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي كَانَتْ فِيهَا دَابِيِينُ تَصْنَعُ لَهَبًا عِمْلَاقًا، أَوْقَفْتُهَا وَكَأَنَّ شَيْئًا مَا قَدْ تَمَلَّكَنِي:
“دَابِيِينُ، انْتَظِرِي لَحْظَةً!”
بَيْنَمَا تَوَقَّفَتْ دَابِيِينُ لِبُرْهَةٍ بِسَبَبِ صَرْخَتِي المُفَاجِئَةِ، تَلَوْتُ كَلِمَاتِ بَدْءِ الشِّفَاءِ الشَّامِلِ بِسُرْعَةٍ.
تَذَكَّرْتُ مُتَأَخِّرَةً أَنَّنِي لَا أَحْمِلُ عَصًا سِحْرِيَّةً، لَكِنَّ الأَمْرَ قَدْ حَدَثَ بِالفِعْلِ.
الشِّفَاءُ الشَّامِلُ لَا يَعْمَلُ دُونَ عَصًا أَوْ دَائِرَةِ سِحْرٍ.
‘أَيَّتُهَا الحَمْقَاءُ! سَأَفْشَلُ هَكَذَا…’.
وَلَكِنْ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، وَبِشَكْلٍ غَرِيبٍ، وَمَضَ مَا أَمَامِي، وَمَعَ شَرَارَةٍ سَاطِعَةٍ، انْطَلَقَ سِحْرُ الشِّفَاءِ بِشَكْلٍ صَحِيحٍ.
انْتَشَرَتِ الشَّرَارَةُ السَّاطِعَةُ عَلَى نِطَاقٍ وَاسِعٍ حَوْلِي.
اخْتَفَى الدُّخَانُ الأَسْوَدُ بِمُجَرَّدِ أَنْ لَمَسَهُ الضَّوْءُ.
وَبَدَأَ العُشْبُ وَالأَشْجَارُ المَحْرُوقَةُ فِي التَّجَدُّدِ سَرِيعًا لِتَعُودَ إِلَى مَظْهَرِهَا الأَصْلِيِّ.
لَقَدْ كَانَتْ مِسَاحَةً وَاسِعَةً جِدًّا، وَلَمْ أُصَدِّقْ أَنَّهَا شُفِيَتْ بِأَكْمَلِهَا.
عِنْدَمَا اخْتَفَى الضَّوْءُ، اسْتَعَادَتِ المَنَاظِرُ الطَّبِيعِيَّةُ الَّتِي كَانَتْ حُطَامًا جَمَالَهَا الأَصْلِيَّ.
‘هَذَا مُمْكِنٌ إِذَنْ. أَنْ أَسْتَخْدِمَ الشِّفَاءَ الشَّامِلَ دُونَ عَصًا. عَلَاوَةً عَلَى ذَلِكَ، لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّنِي أَسْتَطِيعُ شِفَاءَ النَّبَاتَاتِ أَيْضًا…’.
نَظَرْتُ إِلَى يَدِي بِذُهُولٍ.
لَقَدْ كَانَ أَمْرًا قُمْتُ بِهِ بِنَفْسِي، لَكِنَّنِي لَمْ أَسْتَطِعْ تَصْدِيقَهُ.
بَدَا وَكَأَنَّهُ مُعْجِزَةٌ.
وَشَعَرْتُ أَنَّ شَيْئًا مَا فِي تَدَفُّقِ جَسَدِي قَدْ تَغَيَّرَ.
كَأَنَّ طَاقَتَيْنِ لَا تَمْتَزِجَانِ مِثْلَ المَاءِ وَالزَّيْتِ تَعْبَثَانِ دَاخِلَ جَسَدِي…
“يَا إِلَهِي…”
صَرَخَ يُوتِيَاسُ بِذُهُولٍ.
“آنسة كَاي، كَيْفَ فَعَلْتِ ذَلِكَ لِتَوِّكِ؟”
رَفَعْتُ رَأْسِي لِأَجِدَ دَابِيِينَ وَلويد وَيُوتِيَاسَ يَنْظُرُونَ إِلَيَّ بِوَجُوهٍ مَصْدُومَةٍ.
“هَذَا مُسْتَحِيلٌ. لِنَتَجَاوَزْ أَمْرَ سِحْرِ الشِّفَاءِ الشَّامِلِ، وَلَكِنْ أَنْ تُعِيدِي الحَيَاةَ؟”
بَدَا جَسَدُ يُوتِيَاسَ الَّذِي كَانَ يَصْرُخُ بِقُوَّةٍ وَكَأَنَّهُ جَسَدَانِ مُتَرَاكِبَانِ.
بَدَأَتِ الرُّؤْيَةُ تَضْعُفُ تَدْرِيجِيًّا.
“هَذَا عَمَلٌ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ بَشَرٌ. إِنَّهُ مُسْتَحِيلٌ مَا لَمْ تَكُونِي رُوحًا. هَلْ يَعْقِلُ… أَنَّكِ اسْتَخْدَمْتِ سِحْرَ الخَلْقِ الَّذِي لَا يُذْكَرُ إِلَّا فِي الأَسَاطِيرِ؟”
لَمْ أَسْتَطِعْ فَهْمَ مَا يَقُولُهُ تَمَامًا.
‘أَشْعَرُ أَنَّ الأَصْوَاتَ تَبْتَعِدُ شَيْئًا فَشَيْئًا…’.
وَسَطَ وَعْيِي الَّذِي بَدَأَ يَتَلَاشَى، تَرَدَّدَ صَوْتُ يُوتِيَاسَ بِشَكْلٍ ضَعِيفٍ.
“كَاي!”
رَأَيْتُ لويد وَهُوَ يَرْكُضُ نَحْوِي، ثُمَّ حَلَّ الظَّلَامُ.
سَقَطْتُ عَلَى الأَرْضِ تَمَامًا.
❁❁❁
رَمْشَةٌ، فَرَمْشَةٌ
عِنْدَمَا رَفَعْتُ جُفُونِي الثَّقِيلَةَ، رَأَيْتُ سَقْفًا مَأْلُوفًا.
بَدَأْتُ أَسْتَعِيدُ وَعْيِي بِبُطْءٍ.
‘مَاذَا حَدَثَ؟’
حَاوَلْتُ النُّهُوضَ، لَكِنَّ رَأْسِي كَانَ يُؤْلِمُنِي بِشِدَّةٍ، فَتَقَلَّصَ وَجْهِي تِلْقَائِيًّا.
أَمْسَكْتُ بِرَأْسِي وَالْتَفَتُّ، فَوَجَدْتُ شَخْصًا يَرْتَدِي رِدَاءً أَبْيَضَ يَقِفُ بِجَانِبِي.
“لَقَدِ اسْتَعَدْتِ وَعْيَكِ الآنَ”.
كَانَ الرِّدَاءُ مَسْحُوبًا فَوْقَ الرَّأْسِ بِقُوَّةٍ فَلَمْ يَظْهَرْ وَجْهُ الشَّخْصِ، لَكِنْ مِنْ بِنْيَتِهِ الصَّغِيرَةِ وَصَوْتِهِ بَدَا وَكَأَنَّهُ امْرَأَةٌ شَابَّةٌ.
كَانَتْ تَرْتَدِي قِلَادَةً ذَاتَ نُقُوشٍ غَرِيبَةٍ حَوْلَ عُنُقِهَا.
قِلَادَةٌ ذَاتُ شَكْلٍ مَأْلُوفٍ.
“كَاي، هَلِ اسْتَعَدْتِ وَعْيَكِ؟”
قَبْلَ أَنْ أَتَمَكَّنَ مِنْ قَوْلِ أَيِّ شَيْءٍ، رَكَضَ لويد نَحْوِي وَأَمْسَكَ بِيَدِي.
“سَتَكُونِينَ بِخَيْرٍ الآنَ”.
تَحَدَّثَتِ المَرْأَةُ ذَاتُ الرِّدَاءِ.
شَعَرْتُ أَنَّهَا هِيَ مَنْ عَالَجَتْنِي.
المُؤَكَّدُ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مُعَالِجَةً.
لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ، لَكَانَتْ لُوسِي أَوْ مُعَالِجٌ آخَرُ مِنْ هِيلدِيريُوزَ يَقِفُ هُنَا.
“مَنْ… أَنْتِ؟”
عِنْدَ سُؤَالِي، اقْتَرَبَتْ دَابِيِينُ وَأَجَابَتْ:
“إِنَّهَا الكَاهِنَةُ الَّتِي قَابَلْنَاهَا فِي سِرْدَابِ أَسِينتَا كَاهِنُو كَنِيسَةِ تِيرِينَا لَيْسُوا جَدِيرِينَ بِالثِّقَةِ تَمَامًا، وَبِمَا أَنَّهَا أَبْرَعُ مَنْ أَعْرِفُ مِنَ الكَاهِنَاتِ، فَقَدْ أَحْضَرْتُهَا. لَحْظَةً، أَيَّتُهَا الكَاهِنَةُ. مَا اسْمُ الإِلَهِ الَّذِي تَخْدِمِينَهُ؟ لَا أَتَذَكَّرُ”.
حَكَّتْ دَابِيِينُ رَأْسَهَا وَهِيَ تَبْتَسِمُ بِخَجَلٍ.
تُحْضِرُهَا بِنَفْسِهَا ثُمَّ تَسْأَلُهَا عَنِ الإِلَهِ الَّذِي تُؤْمِنُ بِهِ.
كَانَ مِنْ المُمْكِنِ لِلْكَاهِنَةِ أَنْ تَغْضَبَ مِنْ تَصَرُّفِ دَابِيِينَ الَّذِي يَبْدُو عَدِيمَ الِاحْتِرَامِ لِلدِّيَانَاتِ الأُخْرَى، لَكِنَّهَا أَجَابَتْ بِهُدُوءٍ وَكَأَنَّ الأَمْرَ لَا يَهُمُّهَا:
“إِنَّهُ إِلَهٌ مَنْسِيٌّ الآنَ. لَا دَاعِيَ لِأَنْ تَتَذَكَّرِيهِ بِشَكْلٍ خَاصٍّ”.
كَاهِنَةٌ تُؤْمِنُ بِإِلَهٍ مَنْسِيٍّ…
لَوْ كَانَ الدِّينُ الَّذِي تُؤْمِنُ بِهِ صَغِيرًا، لَكَانَ مِنَ المُمْكِنِ أَنْ تَنْشُرَ الدَّعْوَةَ وَتُخْبِرَنَا بِاسْمِ الإِلَهِ، لَكِنَّ الكَاهِنَةَ هَزَّتْ رَأْسَهَا وَكَأَنَّهَا لَا تَرْغَبُ فِي الإِخْبَارِ.
“عَلَى أَيَّةِ حَالٍ يَا كَاي، لَقَدْ كُنْتِ سَتَمُوتِينَ حَقًّا هَذِهِ المَرَّةَ. لَقَدْ كَانَ الأَمْرُ خَطِيرًا جِدًّا”.
تَحَدَّثَتْ دَابِيِينُ بِتَعَابِيرَ جَادَّةٍ.
“مَاذَا؟ لَمْ أَقُمْ بِأَيِّ مَجْهُودٍ شَاقٍّ خَاصٍّ…؟”
لَقَدْ اسْتَخْدَمْتُ سِحْرَ الشِّفَاءِ الشَّامِلِ لِلنَّبَاتَاتِ فَقَطْ؟
هَلْ يُمْكِنُ لِهَذَا أَنْ يَتَسَبَّبَ فِي مُشْكِلَةٍ؟
عِنْدَ كَلَامِي، تَحَدَّثَتِ الكَاهِنَةُ الَّتِي كَانَتْ تَسْتَمِعُ بِصَمْتٍ:
“هَذَا صَحِيحٌ. لَوْ تَأَخَّرْتُ وَلَوْ لِقَلِيلٍ، لَمَا كُنْتِ يَا آنسة كَاي مَوْجُودَةً فِي هَذَا العَالَمِ”.
هِييك، هَلْ كَانَ الأَمْرُ بِهَذِهِ الخُطُورَةِ؟
أَنْ أَكُونَ عَلَى وَشَكِ المَوْتِ فِي يَوْمِ طَلَبِ الزَّوَاجِ.
هَلْ هُنَاكَ نَحْسٌ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا؟
عِنْدَمَا تَقَلَّصَ وَجْهِي، تَابَعَتِ الكَاهِنَةُ كَلَامَهَا:
“المَانَا وَالطَّاقَةُ المُقَدَّسَةُ هُمَا قُوَّتَانِ مُتَضَادَّتَانِ تَدْفَعُ كُلٌّ مِنْهُمَا الأُخْرَى. لَا يَمْتَزِجَانِ مِثْلَ الزَّيْتِ وَالمَاءِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا لَهُ قُوَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ. إِذَا قَامَ شَخْصٌ يَسْتَخْدِمُ المَانَا مِثْلَكِ يَا آنسة كَاي بِاسْتِخْدَامِ الطَّاقَةِ المُقَدَّسَةِ، فَسَيَحْدُثُ رَدُّ فِعْلٍ رَافِضٍ فِي الجَسَدِ تَدْرِيجِيًّا. لِأَنَّ جَسَدَكِ مُصَمَّمٌ بِالفِعْلِ لِيَسْتَخْدِمَ المَانَا. وَالعَكْسُ صَحِيحٌ أَيْضًا. بِبَسَاطَةٍ، جَسَدُ كَاي الآنَ لَا يَتَوَافَقُ مَعَ الطَّاقَةِ المُقَدَّسَةِ. كُلَّمَا اسْتَخْدَمْتِ الطَّاقَةَ المُقَدَّسَةَ، سَيَتَلَقَّى جَسَدُكِ المُهَيَّأُ لِلْمَانَا ضَرَبَاتٍ قَاسِيَةً”.
بَعْدَ أَنْ أَنْهَتْ كَلَامَهَا، تَرَدَّدَتْ لِلَحْظَةٍ ثُمَّ أَضَافَتْ جُمْلَةً:
“إِذَا اسْتَخْدَمْتِ طَاقَةً مُقَدَّسَةً تَتَجَاوَزُ الحُدُودَ، فَقَدْ تَمُوتِينَ”.
“بِاخْتِصَارٍ، تَقْصِدِينَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيَّ اسْتِخْدَامُ هَذَا الأَثَرِ السِّحْرِيِّ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟”
لَقَدْ كَانَ الأَثَرَ السِّحْرِيَّ الَّذِي أَعْطَتْنِي إِيَّاهُ زَوْجَةُ الدُّوقِ.
أَثَرٌ ذُو قُوَّةٍ هَائِلَةٍ يُحَوِّلُ المَانَا إِلَى طَاقَةٍ مُقَدَّسَةٍ.
بِوَاسِطَتِهِ، أَنْقَذْتُ حَيَاةَ الدُّوقِ وَزَوْجَتِهِ اللَّذَيْنِ كَانَا يَمُوتَانِ.
بَدَا لِي أَنَّهُ مُفِيدٌ مِنْ نَوَاحٍ كَثِيرَةٍ… لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّهُ سَيُهَدِّدُ حَيَاتِي.
“إِنَّهُ أَثَرٌ نَادِرٌ. وَلَكِنْ لَا يَجِبُ اسْتِخْدَامُهُ. عَلَى الأَقَلِّ لَيْسَ الآنَ”.
لَا يَجِبُ اسْتِخْدَامُهُ الآنَ.
هَلْ هَذَا يَعْنِي أَنَّنِي يُمْكِنُنِي اسْتِخْدَامُهُ لَاحِقًا؟
بَعْدَ كَلَامِ الكَاهِنَةِ الغَامِضِ، نَظَرَتْ إِلَيَّ دَابِيِينُ بِنَبْرَةٍ فِيهَا تَوْبِيخٌ:
“نَعَمْ، لَا تَسْتَخْدِمِي الأَثَرَ السِّحْرِيَّ بِتَهَوُّرٍ مُنْذُ الآنَ!”
“…فَهِمْتُ”.
عِنْدَمَا أَوْمَأْتُ بِرَأْسِي عَلَى مَضَضٍ، نَظَرَتِ الكَاهِنَةُ الَّتِي كَانَتْ صَامِتَةً إِلَى دَابِيِينَ وَلويد:
“أَعْتَقِدُ أَنَّ المَرِيضَةَ بِحَاجَةٍ إِلَى الرَّاحَةِ الآنَ. هَلْ يُمْكِنُ لِلْجَمِيعِ الخُرُوجُ؟”
رَدًّا عَلَى كَلَامِهَا، أَوْمَأَ لويد وَدَابِيِينُ بِبَسَاطَةٍ.
“كَاي، ارْتَاحِي جَيِّدًا”.
“إِذَا حَدَثَ أَيُّ شَيْءٍ، نَادِينَا فِي أَيِّ وَقْتٍ”.
ثُمَّ أَغْلَقَا البَابَ سَرِيعًا وَخَرَجَا.
هَذَا غَرِيبٌ…هَلْ كَانَ هَؤُلَاءِ يَسْتَمِعُونَ لِكَلَامِ الكَاهِنَاتِ بِهَذِهِ السُّهُولَةِ؟
انْتَابَنِي شُعُورٌ غَرِيبٌ لَا يُمْكِنُ وَصْفُهُ بِالكَلِمَاتِ.
كَانَتِ الكَاهِنَةُ لَا تَزَالُ جَالِسَةً بِصَمْتٍ بِجَانِبِ سَرِيرِي.
“أَيَّتُهَا الكَاهِنَةُ؟”
عِنْدَمَا نَظَرْتُ إِلَيْهَا، رَفَعَتِ الكَاهِنَةُ رَأْسَهَا وَتَحَدَّثَتْ:
“لَقَدْ كَانَ الأَمْرُ خَطِيرًا حَقًّا. لَقَدْ أَنْقَذْتُ حَيَاتَكِ بِصُعُوبَةٍ بِاسْتِخْدَامِ آخِرِ مَا تَبَقَّى مِنْ قُوَّتِي. تِلْكَ القُوَّةُ الَّتِي تَمْلِكِينَهَا… لَمْ يَكُنْ يَجِبُ اسْتِخْدَامُهَا الآنَ”.
وَبِمُجَرَّدِ أَنْ أَنْهَتْ كَلَامَهَا، هَبَّتْ عَاصِفَةٌ غَامِضَةٌ دَاخِلَ الغُرْفَةِ.
تَطَايَرَ الرِّدَاءُ الأَبْيَضُ لِلْكَاهِنَةِ مَعَ الرِّيَاحِ.
وَمَعَ ذَلِكَ، أَحَاطَتْ قُوَّةٌ ثَقِيلَةٌ بِجَسَدِي بِالأَكْمَلِ فَلَمْ أَسْتَطِعِ الحَرَاكَ.
تَابَعَتِ المَرْأَةُ كَلَامَهَا:
“عَمَّا قَرِيبٍ، سَيَأْتِي الوَقْتُ الَّذِي يَتَعَيَّنُ عَلَيْكِ فِيهِ الِاخْتِيَارُ”.
انْبَعَثَ ضَوْءٌ سَاطِعٌ مِنْ جَسَدِ المَرْأَةِ.
“حَتَّى ذَلِكَ الحِينِ، أَتَمَنَّى لَكِ أَحْلَامًا سَعِيدَةً”.
وَمَعَ هُبُوبِ العَاصِفَةِ، انْزَلَقَ الرِّدَاءُ الأَبْيَضُ الَّذِي كَانَ يُغَطِّي وَجْهَهَا.
“أُوه… أَنْتِ؟”
صَرَخْتُ دُونَ قَصْدٍ.
المَرْأَةُ الَّتِي أَمَامِي كَانَتْ أَنَا… تَمَامًا.
شَخْصٌ يَمْلِكُ وَجْهًا مُطَابِقًا لِوَجْهِي تَمَامًا كَانَ يَقِفُ أَمَامِي مُرْتَدِيًا الرِّدَاءَ الأَبْيَضَ.
رَدًّا عَلَى صَيْحَتِي، ابْتَسَمَتْ بِهُدُوءٍ وَبِنَظْرَةٍ مَلِيئَةٍ بِالحُزْنِ الشَّدِيدِ، ثُمَّ اخْتَفَتْ مَعَ الضَّوْءِ.
❁❁❁
“كَاي، هَلِ اسْتَعَدْتِ وَعْيَكِ؟”
عِنْدَمَا فَتَحْتُ عَيْنَيَّ مَرَّةً أُخْرَى، كَانَ لويد أَمَامِي.
نَهَضْتُ بِسُرْعَةٍ وَجَلَسْتُ مَكَانِي.
لَمْ يَعُدْ رَأْسِي يُؤْلِمُنِي أَوْ يَشْعُرُ بِالثِّقَلِ.
“عَلَى أَيَّةِ حَالٍ يَا كَاي، لَقَدْ كُنْتِ سَتَمُوتِينَ! لَقَدْ عُدْتِ حَقًّا مِنْ مَشَارِفِ المَوْتِ. لَوْ ارْتَطَمَ رَأْسُكِ بِالصَّخْرَةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى الأَرْضِ، لَرُبَّمَا لَمْ تَسْتَيْقِظِي أَبَدًا!”
صَرَخَتْ دَابِيِينُ الَّتِي كَانَتْ تَقِفُ بِجَانِبِي وَهِيَ تَضُمُّ ذِرَاعَيْهَا.
وَلَكِنَّ هَذَا لَيْسَ المَوْضُوعَ الآنَ.
تِلْكَ الكَاهِنَةُ مَجْهُولَةُ الهُوِيَّةِ الَّتِي تَمْلِكُ وَجْهًا مُطَابِقًا لِوَجْهِي.
أَرَدْتُ مَعْرِفَةَ مَكَانِهَا، فَنَظَرْتُ إِلَى دَابِيِينَ وَسَأَلْتُهَا:
“دَابِيِينُ، أَيْنَ الكَاهِنَةُ؟”
أَمَالَتْ دَابِيِينُ رَأْسَهَا عِنْدَ سُؤَالِي:
“كَاهِنَةٌ؟ أَيُّ كَاهِنَةٍ؟”
“تِلْكَ الكَاهِنَةُ الَّتِي قُلْتِ إِنَّكِ أَحْضَرْتِهَا مِنْ سِرْدَابِ أَسِينتَا”
رَدَّتْ دَابِيِينُ وَهِيَ تَحُكُّ رَأْسَهَا:
“كَاي، هَلْ كُنْتِ تَحْلُمِينَ؟ سِرْدَابُ أَسِينتَا لَيْسَ فِيهِ سِوَى الوُحُوشِ. كَيْفَ لِكَاهِنَةٍ أَنْ تَكُونَ هُنَاكَ؟”
“كَلَّا…! لَقَدْ قُلْتِ بِالفِعْلِ إِنَّ الكَاهِنَةَ الَّتِي تَخْدِمُ هَذَا الإِلَهَ المَنْسِيَّ هِيَ مَنْ أَنْقَذَتْنِي؟”
أَظْلَمَتْ تَعَابِيرُ دَابِيِينَ وَلويد عِنْدَ سَمَاعِ كَلَامِي غَيْرِ المَتَرَابِطِ.
تَرَاجَعَا قَلِيلًا إِلَى الخَلْفِ وَبَدَآ يَتَهَامَسَانِ.
المُشْكِلَةُ أَنَّ صَوْتَهُمَا كَانَ عَالِيًا لِدَرَجَةِ أَنَّنِي سَمِعْتُ كُلَّ شَيْءٍ.
“دَابِيِينُ، يَبْدُو أَنَّ كَاي قَدْ أُصِيبَتْ فِي رَأْسِهَا بِشَكْلٍ كَبِيرٍ”.
“أَنَا أَيْضًا أَعْتَقِدُ ذَلِكَ. سَأَذْهَبُ وَأُحْضِرُ لُوسِي بِسُرْعَةٍ”.
خَرَجَتْ دَابِيِينُ مُسْرِعَةً مِنَ البَابِ.
“هَلْ أَنْتِ بِخَيْرٍ يَا كَاي؟ كَانَ ذَلِكَ مُجَرَّدَ حُلُمٍ”
نَظَرَ رُويِدُ إِلَيَّ بِوَجْهٍ قَلِقٍ.
لَقَدْ كَانَ الأَمْرُ وَاقِعِيًّا جِدًّا لِيَكُونَ حُلُمًا…
ذَلِكَ الوَجْهُ الَّذِي كَانَ يَبْتَسِمُ بِحُزْنٍ.
ظَلَلْتُ أَتَذَكَّرُ ذَلِكَ المَظْهَرَ المَطْبُوعَ فِي ذِهْنِي لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ.
التعليقات لهذا الفصل " 111"