الفصل 107
كَانَ ذَلِكَ المَكَانُ فَضَاءً أَسْوَدَ كَالسَّوَادِ الحَالِكِ.
لَا صَوْتَ، لَا رَائِحَةَ، لَا ظِلَّ، وَلَا صَدَىً….
مَكَانٌ يَتَكَوَّنُ مِنْ عَدَمٍ لَا نِهَايَةَ لَهُ، دُونَ أَيِّ شَيْءٍ.
كَانَتْ مِيكَائِييل تَسْتَلْقِي هُنَاكَ بِهُدُوءٍ دُونَ أَنْ تَتَحَرَّكَ.
“هُوفُوه”.
تَمْتَمَتْ وَهِيَ تَرْسُمُ ابْتِسَامَةَ فَرَحٍ.
عِنْدَمَا أَفْسَدَتْ إِيفِيلِيَانَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَأَكَّدَتْ مِنْ أَنَّ كَاي لَا تَزَالُ عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ، ظَنَّتْ أَنَّهَا سَتُجَنُّ.
لِأَنَّ كُلَّ خُطَطِهَا كَادَتْ أَنْ تَذْهَبَ سُدَىً.
لَقَدْ فَعَلَتْ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أَبَادَتْ عَشَرَاتِ الأَخَوَاتِ وَالإِخْوَةِ، فَكَيْفَ لَهَا أَنْ تَنْهَارَ هَكَذَا؟
لَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْدُثَ ذَلِكَ.
وَلَكِنْ لِحُسْنِ الحَظِّ، بَدَا أَنَّ القَدَرَ كَانَ فِي صَفِّهَا.
البَشَرِيُّ الَّذِي تَرَكَتْهُ إِيفِيلِيَانَا بَدَا صَالِحًا لِلِاسْتِخْدَامِ تَمَامًا.
بَدَأَتِ الأَوْضَاعُ تَعُودُ لِلْجَرَيَانِ حَسَبَ الخُطَّةِ مَرَّةً أُخْرَى.
بَعْدَ قَلِيلٍ، سَيَقُومُ ذَلِكَ البَشَرِيُّ المُلَقَّبُ بِوَلِيِّ العَهْدِ بِالقَضَاءِ عَلَى كَاي.
مَدَّتْ مِيكَائِييل -الَّتِي كَانَتْ تَبْتَسِمُ بِخُبْثٍ- يَدَهَا نَحْوَ الأَعْلَى، ثُمَّ فَتَحَتْ أَصَابِعَهَا عَلَى مِصْرَاعَيْهَا.
بَدَا الفَضَاءُ الأَسْوَدُ وَكَأَنَّهُ يَتَمَوَّجُ وَيَتَسَرَّبُ بَيْنَ أَصَابِعِهَا الطَّوِيلَةِ.
وَبَيْنَمَا كَانَتْ تَنْظُرُ إِلَى ذَلِكَ العَدَمِ، تَبَادَرَتْ كَاي إِلَى ذِهْنِهَا فَجْأَةً.
“كَاي…”
أَجْمَلُ مَخْلُوقٍ صَنَعَهُ الإِلَهُ بِعِنَايَةٍ.
عِنْدَمَا كَانَ شَعْرُهَا المُمَوَّجُ يَتَمَوَّجُ مَعَ الضَّوْءِ، وَتَنْظُرُ إِلَيْهَا تِلْكَ العَيْنَانِ الصَّافِيَتَانِ اللَّتَانِ يُحِبُّهُمَا الإِلَهُ كَثِيرًا… مَهْمَا حَاوَلَتِ التَّحَمُّلَ، كَانَتْ طَاقَةٌ مُظْلِمَةٌ مَجْهُولَةٌ تَنْبَعِثُ مِنْ أَعْمَاقِ قَلْبِهَا.
بَعْدَ أَنْ نَظَرَتْ لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ بَيْنَ أَصَابِعِهَا، فَتَحَتْ مِيكَائِييل فَمَهَا قَائِلَةً:
“أَنْتِ… كُنْتِ تَكْرَهِينَ هَذَا المَكَانَ حَقًّا. كُلَّمَا وَطِئَتْ قَدَمُكِ العَالَمَ الخَارِجِيَّ، لَمْ تَكُونِي تُفَكِّرِينَ فِي العَوْدَةِ. كُنْتِ تَبْكِينَ فَقَطْ لِأَنَّكِ لَا تُرِيدِينَ الذَّهَابَ. لَا تَعْلَمِينَ كَمْ كَانَ مَنْظَرُكِ مُزْرِيًا. لِمَاذَا فَعَلْتِ ذَلِكَ؟ هَذَا المَكَانُ هُوَ تَجْسِيدٌ لِحُبِّ الإِلَهِ بِنَفْسِهِ”.
ثُمَّ اسْتَدَارَتْ مِيكَائِييل وَحَدَّقَتْ فِي الفَضَاءِ الأَسْوَدِ الفَارِغِ وَهِيَ تَمْتَمُ:
“أَنَا… كُنْتُ أَغَارُ جِدًّا لِأَنَّ هَذَا الإِلَهَ لَا يَنْظُرُ وَلَا يَرْغَبُ إِلَّا فِيكِ. يَا لَكِ مِنْ حَمْقَاءَ يَا رُوآ. تَمْلِكِينَ كُلَّ شَيْءٍ وَمَعَ ذَلِكَ لَا تَعْرِفِينَ القَنَاعَةَ”.
تَدَحْرَجَتْ دَمْعَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ عَيْنِ مِيكَائِييل.
‘البَشَرُ يُسَمُّونَ ذَلِكَ غَيْرَةً’.
تَذَكَّرَتِ الكَلَامَ الَّذِي قَالَهُ لَهَا صَنْدَلْفُون يَوْمًا مَا.
أَخْبَرَهَا أَنْ تَتَجَاهَلَ مِثْلَ هَذِهِ المَشَاعِرِ، وَأَنَّهَا لَا يَجِبُ أَنْ تُضِيعَ وَقْتَهَا فِي مَشَاعِرَ تَالِهَةٍ لِكَيْ تَتَمَكَّنَ مِنْ تَنْفِيذِ مَشِيئَةِ الإِلَهِ وَمَهَامِّ السَّمَاوَاتِ الكَثِيرَةِ.
لِذَلِكَ، فِي البِدَايَةِ، حَاوَلَتْ مِيكَائِييل النِّسْيَانَ بِطَرِيقَتِهَا الخَاصَّةِ.
لَقَدْ غَرِقَتْ فِي العَمَلِ لِفَتْرَةٍ، وَلَمْ تَعُدْ تَنْظُرُ حَتَّى إِلَى الأَمَاكِنِ الَّتِي تَتَوَاجَدُ فِيهَا رُوآ.
وَلَكِنْ مَهْمَا حَاوَلَتْ تَمَالَكَ نَفْسِهَا، لَمْ تَمُتْ مَشَاعِرُ الغَيْرَةِ بِسُهُولَةٍ.
بَلْ عَلَى العَكْسِ، زَادَتْ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ.
وَفِي النِّهَايَةِ، ابْتَلَعَتْ تِلْكَ المَشَاعِرُ كُلَّ عَقْلِهَا وَإِحْسَاسِهَا حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى هَذِهِ الحَالَةِ.
“الآنَ لَا يُمْكِنُ الرُّجُوعُ”.
رَسَمَتْ عَلَى وَجْهِهَا تَعْبِيرًا غَامِضًا بَيْنَ الضَّحِكِ وَالبُكَاءِ.
“أَلَيْسَ كَذَلِكَ، يَا إِلَهِي الوَحِيدَ؟”
المَكَانُ الَّذِي وَجَّهَتْ إِلَيْهِ مِيكَائِييل نَظَرَهَا؛ كَانَ هُنَاكَ آيِين يَنْكَمِشُ عَلَى نَفْسِهِ فِي مُنْتَصَفِ الفَضَاءِ الأَسْوَدِ.
آيِين، الَّذِي كَانَ يَبْكِي بَاسْتِمْرَارٍ وَيَلْتَفِتُ حَوْلَهُ، ارْتَاعَ عِنْدَمَا تَلَاقَتْ أَعْيُنُهُمَا وَخَفَضَ رَأْسَهُ فَوْرًا.
ثُمَّ بَدَأَ يَرْتَجِفُ مَرَّةً أُخْرَى.
عِنْدَ رُؤْيَةِ ذَلِكَ، ضَحِكَتْ مِيكَائِييل بِسُخْرِيَةٍ.
“سَيِّدِي العَظِيمَ. اخْرُجْ مِنْ هُنَاكَ بِسُرْعَةٍ. كُلَّمَا فَعَلْتَ ذَلِكَ، كَانَ ذَلِكَ الطِّفْلُ هُوَ مَنْ يَتَعَذَّبُ فَقَطْ”.
وَمَا إِنْ أَنْهَتْ كَلَامَهَا، حَتَّى بَدَأَ دُخَانٌ أَبْيَضُ يَتَجَمَّعُ فَوْقَ جَسَدِ آيِين المُنْكَمِشِ، وَبَدَأَ يَتَشَكَّلُ ظِلٌّ بَشَرِيٌّ شِبْهُ شَفَّافٍ.
لَقَدْ كَانَ ذَلِكَ الظِّلُّ هُوَ جَسَدُ النَّحَّاتِ الَّذِي رَأَتْهُ كَاي فِي حُلْمِهَا.
نَظَرَ إِلَى مِيكَائِييل بِتَعْبِيرٍ مُرْعِبٍ.
[مِيكَائِييل. كَيْفَ تَجَرَّأْتِ عَلَى خِيَانَتِي وَإِبَادَةِ إِخْوَتِكِ وَأَخَوَاتِكِ!]
دَوَّى صَوْتٌ عَنِيفٌ فِي دِمَاغِ مِيكَائِييل.
وَلَكِنَّهَا ابْتَسَمَتْ وَكَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ، ثُمَّ نَهَضَتْ وَمَشَتْ نَحْوَهُ بِخُطُوَاتٍ ثَابِتَةٍ.
“يَا لَلْعَجَبِ. يَبْدُو أَنَّكَ كُنْتَ مُسْتَعْجِلًا لِلْغَايَةِ. أَنْ تَظْهَرَ فِي عَالَمِ البَشَرِ بِهَذِهِ القُوَّةِ”.
ثُمَّ وَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى خَدِّهِ بِوَجْهٍ حَزِينٍ.
وَلَكِنَّ المَكَانَ الَّذِي لَمَسَتْهُ تَحَوَّلَ إِلَى دُخَانٍ وَتَلَاشَى، وَلَمْ تَسْتَطِعْ لَمْسَ جَسَدِهِ حَقًّا.
[اتْرُكِيهَا وَشَأْنَهَا. وَعُودِي إِلَى السَّمَاوَاتِ!]
مَرَّةً أُخْرَى، اهْتَزَّ دِمَاغُ مِيكَائِييل بِأَمْرٍ مِنَ الإِلَهِ.
وَلَكِنَّ مِيكَائِييل اكْتَفَتْ بِالضَّحِكِ بِمَظْهَرٍ يَنِمُّ عَنِ الِاحْتِقَارِ.
“هَاهَا هَا! أَنْتَ مُثِيرٌ لِلشَّفَقَةِ يَا إِلَهِي. هَلْ هَذَا هُوَ الوَقْتُ المُنَاسِبُ لِتَأْمُرَنِي؟ وَأَنْتَ بِالكَادِ تُحَافِظُ عَلَى مَا تَبَقَّى مِنْ قُوَّتِكَ الإِلَهِيَّةِ؟”
عِنْدَ سَمَاعِ ذَلِكَ، عَضَّ النَّحَّاتُ عَلَى شَفَتَيْهِ.
كَمَا قَالَتْ مِيكَائِييل، كَانَ يَفْتَقِرُ إِلَى القُوَّةِ الآنَ.
كَانَ الأَمْرُ مُرْهِقًا حَتَّى لِلْحِفَاظِ عَلَى شَكْلِهِ الحَالِيِّ.
“اجْلِسْ هُنَا فَقَطْ وَشَاهِدْ مَوْتَ كَائِنِكَ الثَّمِينِ.
وَشَاهِدْ كَيْفَ يَهْرَعُ العَالَمُ الَّذِي صَنَعْتَهُ نَحْوَ نِهَايَتِهِ. بَعْدَ ذَلِكَ، سَنَعِيشُ أَنَا وَأَنْتَ هُنَا إِلَى الأَبَدِ”.
وَبَيْنَمَا كَانَتْ مِيكَائِييل تَضْحَكُ، بَدَأَ الشَّكْلُ يَتَلَاشَى أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، ظَهَرَ بَابٌ أَبْيَضُ مُرَبَّعٌ فِي جَانِبٍ مِنَ الفَضَاءِ الأَسْوَدِ.
فُتِحَ البَابُ الأَبْيَضُ بِصَوْتٍ عَالٍ، وَنَادَاهَا ظِلٌّ بَشَرِيٌّ بِصَوْتٍ مُلِحٍّ:
“سَيِّدَة مِيكَائِييل!”
الشَّخْصُ الَّذِي دَخَلَ إِلَى الفَضَاءِ الأَسْوَدِ كَانَ غِرِيُّو، رَئِيسُ كَهَنَةِ طَائِفَةِ تِيرِينَا.
“يَا لَلْمُفَاجَأَةِ، مَنْ عَسَاهُ أَنْ يَكُونَ؟ أَلَيْسَ هَذَا هُوَ البَشَرِيُّ الَّذِي أَشْكُرُهُ؟”
رَحَّبَتْ مِيكَائِييل بِـغِرِيُّو مَعَ ابْتِسَامَةٍ مُشْرِقَةٍ.
لَقَدْ كَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ بَشَرِيًّا تَسْتَحِقُّ شُكْرَهُ حَقًّا.
لِأَنَّ مَوْتَ الرَّسُولِ السَّابِقِ -الَّذِي لَمْ يَكُنْ ضِمْنَ الخُطَّةِ- كَانَ مِنْ فِعْلِ هَذَا الرَّجُلِ.
بِفَضْلِ هَذَا البَشَرِيِّ الَّذِي أَعْمَاهُ الطَّمَعُ فِي القُوَّةِ المُقَدَّسَةِ فَقَتَلَ الرَّسُولَ الَّذِي وَصَلَ إِلَى العَاصِمَةِ، سَارَتْ خُطَّةُ مِيكَائِييل -الَّتِي نَزَلَتْ لِعَالَمِ البَشَرِ لِلتَّخَلُّصِ مِنْ كَاي- بِسُلَاسَةٍ.
رُبَّمَا لَمْ يَكُنْ هَذَا البَشَرِيُّ الغَبِيُّ يَعْلَمُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ مَشْغُولًا بِسَرِقَةِ القُوَّةِ المُقَدَّسَةِ مِنَ الرَّسُولِ المَيِّتِ، وَلَكِنْ بِسَبَبِ مَوْتِ الرَّسُولِ، تَعَرَّضَ الإِلَهُ الَّذِي كَانَ يَسْكُنُهُ لِضَرْبَةٍ كَبِيرَةٍ وَتَمَّ خَتْمُ نِصْفِ قُوَّتِهِ. وَكَانَ دُخُولُ الإِلَهِ فِي جَسَدِ طِفْلٍ صَغِيرٍ الآنَ نَتِيجَةً لِذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِ الوَقْتُ لِلْعُثُورِ عَلَى جَسَدٍ كَامِلٍ فِي تِلْكَ الظُّرُوفِ المُفَاجِئَةِ.
الآنَ، هَذَا الإِلَهُ الضَّعِيفُ أَصْبَحَ مِلْكًا لَهَا وَحْدَهَا.
وَلَكِنْ، لَا يَبْدُو أَنَّ غِرِيُّو كَانَ يَعْلَمُ مَا يَدُورُ فِي خَلَدِ مِيكَائِييل، فَقَدْ كَانَ يَتَصَبَّبُ عَرَقًا وَيَصْرُخُ:
“سَيِّدَة مِيكَائِييل، هُنَاكَ أَمْرٌ جَلَلٌ! صَنْدَلْ… أَقْصِدُ السَّيِّدَ صَنْدَلْفُون قَدْ هَرَبَ مِنَ السِّجْنِ تَحْتَ الأَرْضِ! وَهُوَ الآنَ فِي طَرِيقِهِ إِلَى هُنَا”.
“هِممم”.
بَدَا أَنَّ الأَخَ المُلْتَزِمَ بِالقَوَانِينِ لَمْ يَسْتَطِعِ التَّحَمُّلَ وَقَرَّرَ الهَرَبَ.
كَانَ أَمْرًا مُؤْسِفًا حَقًّا أَنْ تَكُونَ وُجْهَتُهُ هِيَ هُنَا.
لَقَدْ أَرَادَتْ إِبْقَاءَهُ حَيًّا تَقْدِيرًا لِلْمَوَدَّةِ السَّابِقَةِ بَيْنَهُمَا.
وَبَيْنَمَا كَانَتْ مِيكَائِييل تَبْتَسِمُ ابْتِسَامَةً بَاهِتَةً، صَرَخَ الظِّلُّ الَّذِي كَانَ يَتَلَاشَى:
[لَا! مِيكَائِييل! لَيْسَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ….!]
“هششش”.
بِمُجَرَّدِ أَنْ نَطَقَتْ مِيكَائِييل بِهَذِهِ الكَلِمَةِ، تَحَوَّلَ الظِّلُّ إِلَى دُخَانٍ وَاخْتَفَى تَمَامًا.
وَبَقِيَ فَقَقَطْ آيِين مُنْكَمِشًا وَهُوَ يَرْتَجِفُ.
“مِمَّا تَقْلَقُ أَيُّهَا البَشَرِيُّ؟ لَا بَأْسَ. يُمْكِنُنِي التَّعَامُلُ مَعَ صَنْدَلْفُون”.
أَمَامَ كَلَامِ مِيكَائِييل المَلِيءِ بِالثِّقَةِ، شَعَرَ غِرِيُّو بِالِارْتِيَاحِ وَتَنَهَّدَ الصُّعَدَاءَ.
بِالتَّأْكِيدِ، كَمَا جَاءَ فِي الكِتَابِ المُقَدَّسِ، قُوَّةُ مِيكَائِييل أَقْوَى مِنْ صَنْدَلْفُون، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
مَسَحَ غِرِيُّو عَرَقَهُ الَّذِي لَا يَتَوَقَّفُ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى مِيكَائِييل بِحَذَرٍ، وَسَأَلَهَا بِلُطْفٍ:
“وَلَكِنْ يَا سَيِّدَة مِيكَائِييل. أَنَا… مَتَى تَنْوِينَ مَنْحِي القُوَّةَ المُقَدَّسَةَ؟”
جَمَعَ ذَلِكَ البَشَرِيُّ يَدَيْهِ فَجْأَةً وَنَظَرَ إِلَى مِيكَائِييل.
مُنْذُ اللَّحْظَةِ الَّتِي رَأَى فِيهَا أَنَّهَا قَسَّمَتِ القُوَّةَ المُقَدَّسَةَ عَلَى بَعْضِ البَشَرِ، كَانَ يَتَذَمَّرُ هَكَذَا فِي كُلِّ فُرْصَةٍ لِلْحُصُولِ عَلَى القُوَّةِ المُقَدَّسَةِ لِنَفْسِهِ.
وَلِأَنَّ مِيكَائِييل لَمْ تَكُنْ تَنْوِي إِهْدَارَ القُوَّةِ المُقَدَّسَةِ الثَّمِينَةِ، كَانَتْ تُغَيِّرُ المَوْضُوعَ دَائِمًا بِقَوْلِهَا لَاحِقًا.
حَتَّى فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ، لَا يَزَالُ يَتَوَسَّلُ لِلْحُصُولِ عَلَى القُوَّةِ المُقَدَّسَةِ. حَقًّا، البَشَرُ لَا يَعْرِفُونَ قَدْرَهُمْ.
‘إِنَّهُ مُزْعِجٌ أَيْضًا’.
بَيْنَمَا كَانَتْ تُوَجِّهُ لَهُ نَظْرَةً بَارِدَةً، شَعَرَتْ مِيكَائِييل بِطَاقَةِ صَنْدَلْفُون الَّتِي تَقْتَرِبُ، فَخَطَرَتْ لَهَا فِكْرَةٌ جَيِّدَةٌ.
نَظَرَتْ إِلَى غِرِيُّو بِعَيْنَيْنِ لَامِعَتَيْنِ وَقَالَتْ:
“أَيُّهَا البَشَرِيُّ المَشْكُورُ. سَأَمْنَحُكَ القُوَّةَ المُقَدَّسَةَ اليَوْمَ”.
“حَـ… حَقًّا؟”
أَحْنَى رَأْسَهُ بِفَرَحٍ ثُمَّ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ أَمَامَ مِيكَائِييل.
“شُكْرًا لَكِ! شُكْرًا لَكِ يَا سَيِّدَة مِيكَائِييل! إِنَّكِ حَقًّا كَائِنٌ مَجِيدٌ، وَمَخْلُوقُ الإِلَهِ العَظِيمُ!”
عِنْدَمَا بَدَأَ يَتَمَلَّقُهَا بِبَرَاعَةٍ، ابْتَسَمَتْ مِيكَائِييل بِخُبْثٍ.
رُغْمَ أَنَّهَا كَلِمَاتٌ مُعْتَادَةٌ، إِلَّا أَنَّهَا تُحِبُّ رُؤْيَةَ بَشَرِيٍّ تَافِهٍ وَهُوَ يَتَذَلَّلُ لَهَا.
مَدَّتْ مِيكَائِييل يَدَهَا نَحْوَ رَأْسِ غِرِيُّو.
ظَهَرَ ضَوْءٌ سَاطِعٌ لِلَحْظَةٍ ثُمَّ انْطَفَأَ.
أَغْمَضَ غِرِيُّو عَيْنَيْهِ بِفَرَحٍ، وَلَكِنْ حَتَّى بَعْدَ مُرُورِ وَقْتٍ طَوِيلٍ، لَمْ يَشْعُرْ بِأَيِّ طَاقَةٍ.
فَتَحَ عَيْنَيْهِ قَلِيلًا.
“أَه…. هَلْ لَمْ يَبْدَأِ الأَمْرُ بَعْدُ؟”
لَقَدْ قَالَتْ إِنَّهَا سَتُعْطِيهِ القُوَّةَ المُقَدَّسَةَ، لَكِنَّهُ لَمْ يَشْعُرْ بِأَيِّ شَيْءٍ.
بَعْدَ انْتِظَارٍ أَطْوَلَ، فَتَحَ عَيْنَيْهِ وَقَالَ بِمَلَامِحَ تُوحِي بِأَنَّهُ تَعَرَّضَ لِلْخِدَاعِ:
“مَـ… مَاذَا؟ يَا سَيِّدَة مِيكَائِييل، لَقَدْ قُلْتِ بِوُضُوحٍ إِنَّكِ سَتَمْنَحِينَنِي القُوَّةَ المُقَدَّسَةَ! وَلَكِنَّنِي لَا أَشْعُرُ بِأَيِّ شَيْءٍ!”
أَجَابَتْهُ مِيكَائِييل بِابْتِسَامَةٍ مُشْرِقَةٍ:
“لَا تَسْتَعْجِلْ أَيُّهَا البَشَرِيُّ. سَأَجْعَلُكَ تَمْلِكُ القُوَّةَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي تَرْغَبُ فِيهَا بِكَثْرَةٍ عَمَّا قَرِيبٍ”.
تَغَيَّرَتْ تَعَابِيرُ وَجْهِ غِرِيُّو بِشَكْلٍ طَفِيفٍ.
لَا يَعْلَمُ كَمْ مَرَّةٍ سَمِعَ هَذَا الكَلَامَ.
أَلَنْ يَمُرَّ الأَمْرُ هَكَذَا مَرَّةً أُخْرَى؟
وَعِنْدَمَا نَظَرَ إِلَيْهَا غِرِيُّو بِنَظَرَاتٍ مَلِيئَةٍ بِالشَّكِّ، شَعَرَتْ مِيكَائِييل بِالِانْزِعَاجِ.
“أَيُّهَا البَشَرِيُّ الغَبِيُّ. قِفْ هُنَاكَ أَوَّلًا”.
وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، هَجَمَتْ طَاقَةٌ مُرْعِبَةٌ عَلَى غِرِيُّو.
طَاخ!
مَعَ صَوْتِ فَتْحِ البَابِ بِقُوَّةٍ، دَخَلَ رَجُلٌ ذُو شَعْرٍ أَشْعَثَ يَرْتَدِي زِيَّ المُعَالِجِينَ الإِمْبِرَاطُورِيِّ إِلَى الفَضَاءِ.
وَمَعَ دُخُولِهِ، اهْتَزَّ الفَضَاءُ الأَسْوَدُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ غِرِيُّو وَمِيكَائِييل وَكَأَنَّ زِلْزَالًا قَدْ حَدَثَ.
وَسُرْعَانَ مَا ظَهَرَتْ تَصَدُّعَاتٌ بَيْضَاءُ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَكَأَنَّ المَكَانَ قَدْ تَحَطَّمَ.
“مِيكَائِييل! كَانَ يَجِبُ أَنْ أَعْرِفَ ذَلِكَ مُنْذُ أَنْ بَدَأْتِ تَتَصَرَّفِينَ بِجُنُونٍ لِلنُّزُولِ إِلَى عَالَمِ البَشَرِ. كَيْفَ تَجَرَّأْتِ… عَلَى عِصْيَانِ مَشِيئَةِ الإِلَهِ وَإِبَادَةِ هَذَا العَدَدِ الكَبِيرِ مِنَ الإِخْوَةِ وَالأَخَوَاتِ! مَا هُوَ الذَّنْبُ الَّذِي ارْتَكَبَهُ الصَّغِيرُ سِيلَافِيِيل لِتُبِيدِيهِ! مِيكَائِييل، مَا الَّذِي تَفْعَلِينَهُ بِحَقِّ السَّمَاءِ!”
مَعَ صَوْتِ انْفِجَارٍ عَنِيفٍ، انْبَعَثَ وَمِيضٌ وَانْتَشَرَتْ أَجْنِحَةٌ بَاهِرَةٌ خَلْفَ ظَهْرِ صَنْدَلْفُون.
تَطَايَرَ شَعْرُهُ الأَبْيَضُ فِي كُلِّ اتِّجَاهٍ.
وَنَظَرَتْ عَيْنَاهُ الحَمْرَاوَانِ المَلِيئَتَانِ بِالغَضَبِ إِلَى مِيكَائِييل.
“هِممم، مَرَّ وَقْتٌ طَوِيلٌ يَا صَنْدَلْفُون”.
حَيَّتْهُ مِيكَائِييل بِوَجْهٍ مُشْرِقٍ.
لَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ تَحِيَّةَ وَدَاعٍ بِنَظَرِهَا، لِأَنَّهُ هُوَ أَيْضًا سَيَلْحَقُ بِالصَّغِيرِ سِيلَافِيِيل عَمَّا قَرِيبٍ.
التعليقات لهذا الفصل " 107"