ما إنْ وصلتُ إلى مقرّ النقابة حتّى علِقَتْ رائحةُ المعدنِ بأنفي.
كانت رائحةً مُرّةً خانقة، سامّةً إلى حدّ يُصيب المرء بالخَدَر.
كما أنّ الحرارةَ المرتفعةَ ما زالت، كما كانت قبل ثلاثةِ أشهر، تملأ المكانَ بكثافة.
ومع ذلك، برزتْ فروقٌ واضحة.
في الساحةِ الواسعةِ التي تظهر بعد تجاوز البوّابةِ الأماميّة، اصطفتْ عرباتُ بيعٍ عديدة تشغل المكانَ بالكامل، وأمامها صُنِدوقٌ ضخم مكدّسٌ فوق بعضه بعضًا حتّى بلغ ارتفاعَ رجلٍ بالغ.
ومن داخل الحدّادة، بدا أنّ المرافقَ تعملُ بقوّةٍ أكبر من المعتاد، إذ كان صريرُها يُسمَعُ بوضوح.
ومع دورانِ العجلات، تصاعد إلى السماءِ كمٌّ كبيرٌ من الدخانِ الأسودِ اللاذعِ الحادّ.
آه، لقد وصلتْ خاماتُ قبيلةِ الأوبوم.
إنّ تلك النكهةَ المُرّةَ الفريدةَ التي تختلطُ برائحةِ المعدن لا بدّ أنّها صادرةٌ عن خامِ الأوبوم المميّز.
عندها فقط فهمتُ تقريبًا سببَ وجودِ السُّخَراءِ الذين أفلتوا من البردِ القارس هنا، ولماذا كانت قبيلةُ الأوبوم تُراقبُ البردَ القارس ثمّ أنقذتِ السُّخَراء.
“نجوتَ بطريقةٍ ما، إذًا.”
قال داميان ذلك وهو واقفٌ بعينينِ جاحظتين، ما إنْ نزلتُ عن الفرس.
وبالتحديد، كان يحدّقُ في رافين مباشرة.
“ظننتُكَ قد هلكتَ منذ زمن.”
ثمّ حوّل داميان نظره إليّ، وكأنّ الدورَ قد جاء عليّ.
“وأنتِ أيضًا، آنسة لوسي أوهان.”
انتهى أمري.
لم يكتفِ بذكرِ اسمي الكامل، بل أضاف لقبَ “آنسة” الذي لم يستعمله طوال حياته!
يا تُرى، أيُّ توبيخٍ ينتظرني؟
اختفيتُ فجأةً من حفلة، ثمّ أرسلتُ رسالةً مفاجئةً أُبلِغُه فيها باعتزالي منصبَ المساعدة، ثمّ تولّيتُ علاجَ أكثرَ من ثلاثينَ سُخرةً بدلًا عنه.
ولو حُسِبَ ذلك بالمال، لكان يعادلُ راتبي لخمسةِ أشهر.
ومع ذلك، ها أنا أعودُ بوجهٍ وقح.
أقلّ ما يمكن توقّعه شتائمُ مزدوجة، وربّما، إن اشتدّ غضبه، يُمسكني ساعةً كاملةً يستنزفُ فيها روحي.
“لووووسي!”
في تلك اللحظة، اخترقَ صوتٌ مُشرقُ الأجواءَ المشحونةَ فجأة.
وقبل أن ألتفت، اندفعتْ آني بذراعينِ مفتوحتين وقفزتْ نحوي لتعانقني.
“آه!”
كدتُ أسقط—!
لكنّي تمكّنتُ من الحفاظِ على توازني بصعوبة.
“هاااه. أين كنتِ كلَّ هذا الوقت؟ هل تعلمين كم كنتُ وحيدةً ومتعبة؟”
يبدو أنّ موقفًا مشابهًا قد حدثَ من قبل……
وبإحساسٍ قويٍّ بالألفة، نظرتُ حولي، فإذا ببقيّةِ الأعضاء، بل حتّى السُّخَراء، يحيطون بي وقد تركوا رافين وداميان خلفهم.
التعليقات لهذا الفصل " 77"